تشهد السواحل الممتدة بالمنطقة الشرقية مؤشرات مقلقة حول تصاعد ممارسات صيد غير قانونية تستهدف بالأساس صغار الأسماك ويرقاتها، في مشهد يعيد طرح سؤال الحماية الفعلية للثروة البحرية ومدى نجاعة آليات المراقبة الميدانية في ضبط هذا المجال الحيوي. فبحسب معطيات تداولها مهنيون عبر صفحات محلية، من بينها فضاء بحارة الصيد الساحلي بالجبهة على موقع “فايسبوك”، فإن الوضع بات يتجاوز التنبيهات الموسمية ليصل إلى توصيفه كـ”استنزاف خطير” يمس التوازن البيولوجي للمصايد الشرقية.
انتشار ممارسات محظورة وضغط متزايد على المخزون السمكي
تقارير محلية تشير إلى أن أنشطة صيد تتم باستعمال شباك ذات أعين ضيقة، وهي وسائل محظورة قانوناً لما تسببه من اصطياد عشوائي لصغار الأسماك قبل بلوغها مرحلة التكاثر، ما يحرم المخزون البحري من فرص التجدد الطبيعي. ويتم رصد هذه الممارسات، وفق إفادات مهنية، على امتداد نطاق بحيرة مارتشيكا، وسواحل بني أنصار، ومنطقة بوغافر، وصولاً إلى أجزاء واسعة من جماعة رأس الماء.
الأخطر في هذه المعادلة ليس فقط طبيعة الوسائل المستعملة، بل حجم الكميات المصطادة من صغار أسماك الأنشوبا التي تُسوق داخل الأسواق المحلية، في ظل طلب استهلاكي يساهم – بشكل غير مباشر – في إعادة إنتاج الظاهرة. فحين يتحول المنتج غير المستوفي لشروط الحماية البيولوجية إلى سلعة مطلوبة، فإن الحلقة الرقابية والاجتماعية تصبح جزءاً من الإشكال.
البعد البيئي والاقتصادي: خسارة مزدوجة للمنطقة
المصايد الشرقية، التي كانت تاريخياً تشكل خزّاناً مهماً لأنواع متعددة من الأسماك، تواجه خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في المخزون السمكي واختفاء تدريجياً لبعض الأصناف التي كانت حاضرة بقوة في الذاكرة البحرية المحلية. هذا التراجع لا ينعكس فقط على البيئة البحرية، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي المرتبط بالصيد الساحلي، حيث تعتمد آلاف الأسر بشكل مباشر أو غير مباشر على هذا القطاع.
إن استمرار استهداف الفئات غير الناضجة بيولوجياً من الأسماك يعني عملياً ضرب دورة الإنتاج الطبيعية في عمقها، ما يهدد بتحويل المصايد إلى فضاءات منهكة لا تستطيع تعويض ما يتم سحبه منها سنوياً.
انتقادات للمنظومة الرقابية ومطالب بتدخل مركزي
في هذا السياق، عبّر سعيد الرايس، عضو غرفة الصيد البحري المتوسطية، عن موقف نقدي تجاه ما اعتبره تقصيراً في تفعيل أدوات الرقابة. وأشار إلى أن المراسلات التي تم توجيهها إلى الجهات الوصية، سواء على المستوى الإقليمي أو الجهوي، لم تُترجم إلى إجراءات ميدانية ملموسة تتناسب مع حجم الخطورة المطروحة.
كما دعا إلى إيفاد لجنة مركزية للوقوف على الوضعية الحقيقية بالميدان، وتعزيز التنسيق بين المصالح المعنية، مع منح الأجهزة المحلية صلاحيات وإمكانيات أكبر للحد من الصيد غير القانوني. وتبرز هذه الدعوات في ظل شعور مهني متزايد بأن آليات التتبع القائمة لم تعد قادرة على مواكبة التحولات السريعة في أنماط الاستغلال البحري.
المستهلك… حلقة أساسية في معادلة الحماية
إلى جانب البعد الرقابي، يطرح الموضوع سؤال الوعي البيئي لدى المستهلك المحلي. فالإقبال على شراء الأسماك الصغيرة، رغم معرفتها بمصدرها أو حجمها غير القانوني، يساهم في تغذية الطلب الذي يحفّز استمرار العرض غير المشروع.
ومن هنا، فإن حماية المصايد لا تقتصر على تكثيف الدوريات أو تشديد العقوبات، بل تتطلب أيضاً حملات تحسيسية حول الاستهلاك المسؤول، وربط الحفاظ على الثروة البحرية بمسؤولية جماعية تشمل المهنيين والسلطات والمواطنين على حد سواء.
بين التحذير والاستدراك: هل من تحول في المقاربة؟
المؤشرات الراهنة توحي بأن المنطقة الشرقية تقف أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في إدارة الأزمة عبر تدخلات ظرفية، أو الانتقال إلى مقاربة استباقية قائمة على المراقبة الصارمة، وتحديث الإطار التنظيمي، وتعزيز الشفافية في تتبع المخزون السمكي.
فالمسألة لم تعد مجرد مخالفات معزولة، بل ظاهرة متشابكة الأبعاد، تعكس اختلالات في سلسلة الإنتاج والتسويق والمراقبة. وإذا لم يتم التحرك بسرعة، فإن تكلفة التأخير قد تُقاس بخسارة مورد استراتيجي يصعب استرجاعه.