تصريحات وهبي تفجّر جدلاً سيادياً: صدام الهوية الإسلامية مع براغماتية الدولة وصورة المغرب قبيل مونديال 2030

0
124

في لحظة كان يُفترض أن تُدار فيها التحضيرات لحدث بحجم كأس العالم 2030 بمنطق الدولة وصورتها الدولية، فجّر وزير العدل عبد اللطيف وهبي جدلاً واسعاً بتصريحات بدت للكثيرين أقرب إلى “الاستفزاز الرمزي” منها إلى خطاب مؤسساتي محسوب. حديثه عن احتمال توقيف كريستيانو رونالدو عند مدخل فندق في الرباط للمطالبة بعقد الزواج، أو وصفه سلوك بعض السياح الأوروبيين بطريقة تعميمية، لم يكن مجرد زلة لسان، بل فتح نافذة على توتر عميق بين النص القانوني، والواقع الاجتماعي، والصورة التي يسعى المغرب إلى تصديرها للعالم.

في ظاهر هذه التصريحات، يبدو الوزير وكأنه يطرح إشكالية قانونية مرتبطة بتطبيق قواعد مستمدة من المرجعية الإسلامية داخل مجتمع يرأسه الملك محمد السادس بصفته أمير المؤمنين. غير أن المفارقة التي يلتقطها الرأي العام بسرعة، هي أن المغرب—عملياً—يشتغل منذ سنوات بمنطق “المرونة القانونية غير المعلنة”، خاصة في المجال السياحي. فبلد يستقبل ملايين الزوار سنوياً لم يعرف يوماً تطبيقاً صارماً لمقتضيات مثل إثبات الزواج بالنسبة للأجانب، ما يكشف عن فجوة بين “القانون كما هو مكتوب” و“القانون كما يُمارس”.

هذا التناقض ليس جديداً، لكنه يصبح أكثر حساسية حين يصدر عن وزير العدل نفسه، أي المسؤول الأول عن تفسير القانون وتوجيه السياسة الجنائية. هنا، يتحول التصريح من مجرد رأي إلى إشارة سياسية تحمل رسائل متعددة: هل يسعى وهبي إلى تهيئة الرأي العام لمراجعة بعض القوانين؟ أم أنه يمارس نوعاً من “الصدمة الخطابية” لإعادة فتح نقاش مؤجل حول الحريات الفردية وحدودها في مجتمع محافظ؟

في العمق، تمس هذه التصريحات معادلة دقيقة يعيشها المغرب منذ سنوات: كيف يمكن التوفيق بين هوية دولة إسلامية، بمرجعية دينية واضحة، وبين اقتصاد سياحي منفتح، قائم على استقبال أنماط عيش وثقافات مختلفة؟ هذه المعادلة لا تُحلّ بالتصريحات، بل بسياسات عمومية واضحة تُحدد أين تبدأ الخصوصية وأين تنتهي البراغماتية.

أما ما هو مضمر في خطاب الوزير، فهو أخطر من مضمونه الظاهر. حين يُستحضر مثال شخصية عالمية مثل رونالدو، فإن الأمر لا يتعلق به شخصياً، بل بالصورة الذهنية التي قد تُبنى عن المغرب كوجهة قد تُفاجئ الزائر بقوانين غير متوقعة. وحين يُختزل سلوك جنسيات كاملة في صورة نمطية، فإن ذلك يهدد خطاب الانفتاح الذي يروّج له المغرب في استراتيجيته السياحية.

لكن الواقع، كما يعرفه الفاعلون في القطاع، أكثر تعقيداً. فالدولة نفسها ترخص ببيع الكحول في فضاءات محددة، وتدير توازناً دقيقاً بين النظام العام ومتطلبات الجذب السياحي. وهو ما يجعل تصريحات من هذا النوع تبدو وكأنها تخرج عن “الانسجام المؤسساتي”، أو تكشف على الأقل عن غياب خطاب موحد بين مكونات الدولة.

في النهاية، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان سائح أجنبي سيُطلب منه عقد زواج، بل في ما إذا كان الخطاب الرسمي قادرًا على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب. فالدول لا تُقاس فقط بقوانينها، بل أيضاً بكيفية تقديمها لنفسها للعالم. وبين النص والتطبيق، وبين الهوية والانفتاح، يبقى التحدي قائماً: هل يملك المغرب رواية واضحة ومتماسكة عن نفسه، أم أن تصريحاً واحداً كفيل بإرباكها؟