في لحظة حضرية دقيقة تعيشها العاصمة الرباط، يعود سؤال الثقة بين المواطن والمؤسسات إلى الواجهة، ليس من بوابة السياسات الكبرى، بل من تفاصيل يومية تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها تحمل في عمقها رهانات اجتماعية وسياسية حساسة. نداء الفاعل الجمعوي عبد الواحد الزيات لا يمكن قراءته كواقعة معزولة، بل كعرضٍ دالّ على اختلالات أعمق في تدبير العلاقة مع الساكنة، خاصة في الأحياء ذات التاريخ الاجتماعي المركّب.
في أحياء مثل أبي رقراق (دوار الدوم سابقاً)، والفرح (دوار الحاجة سابقاً)، والرشاد والمعاضيد، لم يكن ما جرى مجرد عملية إحصاء عادية، بل حدثٌ مفاجئ اقتحم المجال الخاص للسكان، عبر جمع معطيات شخصية والتقاط صور، دون سند تواصلي واضح أو تأطير قانوني مُعلن. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بـ”من يقوم بالإحصاء؟”، بل بـ”من يملك الحق في الوصول إلى حياة الناس؟”، وهو سؤال يمس جوهر التعاقد غير المكتوب بين الدولة والمجتمع.
اللافت في هذه الواقعة هو التناقض الزمني والمؤسساتي: فبعد انتهاء الإحصاء العام الذي أشرفت عليه المندوبية السامية للتخطيط، تعود عملية ميدانية أخرى في ظروف يكتنفها الغموض، دون أي بلاغ من الجهات المعنية، سواء تعلق الأمر بـوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان أو المجلس الجماعي أو السلطات الترابية. هذا الصمت المؤسساتي لا يُفسَّر فقط كغياب للتواصل، بل يُنتج فراغاً تأويلياً تملؤه المخاوف والإشاعات.
ضمن هذا الفراغ، تبدأ الساكنة في بناء سيناريوهاتها الخاصة: هل نحن أمام تمهيد لمشاريع إعادة هيكلة؟ هل يتعلق الأمر بعمليات ترحيل غير مُعلنة؟ أم أن الأمر مجرد إجراء إداري غير مُحكم التنسيق؟ هذه الأسئلة، وإن بدت افتراضية، إلا أنها تجد مشروعيتها في سياق تاريخي شهدت فيه مثل هذه الأحياء تحولات عمرانية كبرى، غالباً ما كانت تُدار بمنطق فوقي، دون إشراك فعلي للمعنيين.
من زاوية قانونية، يطرح النداء إشكالاً لا يقل أهمية: حماية المعطيات الشخصية. فالقانون المغربي ينيط هذه المهمة بـاللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، التي يُفترض أن تمنح التراخيص لأي جهة تسعى إلى جمع أو معالجة بيانات المواطنين. غياب الإشارة إلى هذا الإطار القانوني يعمّق الشكوك، ويحوّل العملية من إجراء إداري محتمل إلى مصدر قلق مشروع.
سياسياً، يكشف النداء أيضاً عن فجوة تمثيلية مقلقة. صمت نواب دائرة الرباط – شالة، كما أشار الزيات، لا يُقرأ فقط كغياب موقف، بل كتعطّل لوظيفة الوساطة بين المواطن والدولة. في لحظات الغموض، يُفترض أن يتحول المنتخب إلى ناقل للأسئلة وضامن للشفافية، لا إلى متفرج على قلق يتفاقم في صمت.
أما تصريح المصدر المسؤول الذي نفى وجود عمليات هدم حالياً، فهو، رغم أهميته، لا يرقى إلى مستوى تبديد المخاوف، لأنه يظل جواباً جزئياً على سؤال مركّب. فالمشكلة ليست فقط في “الهدم” كفعل مادي، بل في غياب رؤية واضحة ومعلنة حول مستقبل هذه الأحياء وساكنتها.
في العمق، يعيد هذا الملف طرح معادلة التنمية في بعدها الإنساني: هل يمكن الحديث عن إعادة هيكلة حضرية دون إعادة بناء الثقة؟ وهل يمكن إنجاح أي مشروع عمراني في غياب الشفافية والتواصل؟ تجربة السنوات الماضية تُظهر أن كلفة الغموض غالباً ما تكون أعلى من كلفة الوضوح، ليس فقط اجتماعياً، بل حتى سياسياً وتنموياً.
نداء عبد الواحد الزيات، في هذا السياق، يتجاوز كونه مطلباً ظرفياً، ليصبح دعوة صريحة لإعادة ترتيب أولويات الفعل العمومي: من منطق التدبير التقني المغلق، إلى منطق الحكامة التشاركية المفتوحة. فالمواطن، في نهاية المطاف، ليس موضوعاً للإحصاء فقط، بل شريكاً في صناعة القرار، وفاعلاً في تحديد مصير مجاله الحيوي.
إن ما يجري في أحياء اليوسفية ليس مجرد واقعة محلية، بل مرآة لرهان وطني أكبر: كيف يمكن للمؤسسات أن تُقنع المواطن بأنها تشتغل من أجله، لا عليه؟ الجواب، كما يوحي به هذا الملف، يبدأ من معلومة واضحة، ويمر عبر حوار صريح، وينتهي بثقة تُبنى ولا تُفرض.