قضية “الفراقشية” في المغرب: من تدبير أزمة الماشية إلى اختبار الدولة الاجتماعية ومساءلة النموذج الاقتصادي

0
93

حين لا تعود السياسة العمومية تقنية بل تصبح سؤالاً في معنى الدولة:

لم تعد السياسات العمومية في السياق المغربي، كما في كثير من السياقات المعاصرة، تُقاس فقط بقدرتها على إنتاج حلول تقنية للأزمات القطاعية، بل بمدى قدرتها على إنتاج أثر اجتماعي محسوس، وعلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب قضية “الفراقشية” أهميتها الاستثنائية، لأنها لم تكن مجرد ملف يتعلق باستيراد الأغنام أو تدبير نقص في اللحوم الحمراء، بل تحولت إلى لحظة كاشفة لأسئلة أعمق تتعلق بكيفية اشتغال الاقتصاد السياسي، وبحدود تدخل الدولة في السوق، وبالخط الفاصل بين الدعم العمومي والريع الاقتصادي.

لقد جاءت هذه القضية في سياق مركب يتسم بتراكم سنوات من الجفاف، وتآكل المنظومة الفلاحية التقليدية، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع القطيع الوطني بشكل مقلق. وفي ظل هذا الوضع، اختارت الدولة سياسة التدخل عبر الاستيراد والإعفاءات والدعم المباشر، باعتبارها أدوات استعجالية لتأمين السوق. غير أن المفارقة التي ستشكل قلب الأزمة تكمن في أن هذه التدخلات، رغم ضخامتها، لم تُترجم إلى انخفاض ملموس في الأسعار النهائية للمستهلك، وهو ما فتح الباب أمام سؤال سياسي مركزي: أين تتسرب القيمة الاجتماعية للسياسات العمومية؟ من هنا، لم تعد القضية تقنية، بل أصبحت سياسية بامتياز، وأصبحت قضية “الفراقشية” مفهوماً يتجاوز المعنى المهني إلى معنى بنيوي يتعلق بكيفية توزيع الامتيازات داخل الاقتصاد الوطني.

كذلك ليست كل الأزمات الاقتصادية في المغرب مجرد ملفات قطاعية قابلة للحل عبر قرارات تقنية أو تدابير ظرفية. فبعضها يتحول بسرعة إلى مرآة تعكس أعطابا أعمق في بنية الاقتصاد السياسي، وإلى لحظة كشف لحدود العلاقة بين الدولة والسوق، وبين المال العام والعدالة الاجتماعية. هكذا تحديداً انفجرت ما بات يُعرف إعلامياً وشعبياً بـ”قضية الفراقشية”، التي تجاوزت بكثير موضوع استيراد الأغنام أو تدبير أزمة اللحوم الحمراء، لتصبح سؤالاً كبيراً حول الحكامة، وتضارب المصالح، وتوزيع الريع، وفعالية السياسات العمومية في لحظات الأزمة.

ثم إنّ القضية لم تنشأ في فراغ. فقد جاء تفجرها في سياق مناخي واقتصادي شديد التعقيد: سنوات متتالية من الجفاف، تراجع حاد في القطيع الوطني، ارتفاع غير مسبوق في أسعار الأعلاف، وتآكل القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المغاربة. وفي هذا السياق، اختارت الدولة التدخل عبر فتح الاستيراد، وإعفاءات جمركية وضريبية، ودعم مباشر للمستوردين قُدر في بعض المراحل بـ 500 درهم للرأس الواحد من الأغنام المستوردة.

لكن ما بدا في البداية كحل تقني لأزمة تموين، سرعان ما تحول إلى أزمة ثقة. إذ لم ينعكس حجم التدخلات على أسعار السوق بالشكل المتوقع، وبدأت الأسئلة تتكاثر: من استفاد؟ كيف صُرفت الأموال؟ ولماذا لم يشعر المواطن بالأثر؟ وهكذا وُلدت “قضية الفراقشية” بوصفها قضية سياسية بامتياز، لا مجرد ملف فلاحي.

سياق الأزمة: الجفاف كقوة إعادة تشكيل للاقتصاد الفلاحي المغربي:

إن فهم قضية “الفراقشية” يستدعي أولاً وضعها داخل سياق تحولات مناخية واقتصادية عميقة لم يعد بالإمكان اعتبارها ظرفية. فالجفاف، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً كحدث دوري، تحول خلال العقد الأخير إلى عامل بنيوي يعيد تشكيل قواعد الإنتاج الفلاحي في المغرب. فمع تراجع التساقطات، تقلصت المساحات الرعوية بشكل حاد، وارتفعت كلفة الأعلاف إلى مستويات غير مسبوقة، ما أدى إلى اختلال عميق في معادلة الإنتاج الحيواني.

إذ لم يؤد هذا التحول المناخي فقط إلى انخفاض القطيع الوطني، بل إلى إعادة توزيع داخلية للفاعلين في القطاع. فصغار المربين، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري التقليدي لتربية الماشية في البوادي، وجدوا أنفسهم خارج القدرة على الاستمرار، بفعل عجزهم عن مواجهة كلفة الأعلاف والتغذية. في المقابل، برزت فئة من الفاعلين الكبار الذين يمتلكون القدرة على التكيف مع السوق الجديدة عبر الاستيراد والتخزين وإعادة التوزيع، وهو ما أدى إلى نوع من “التمركز الرأسمالي” داخل القطاع الفلاحي. وبهذا المعنى، لم تكن أزمة الماشية مجرد نقص في العرض، بل كانت إعادة هيكلة صامتة للاقتصاد الفلاحي، حيث انتقلت القوة تدريجياً من الإنتاج المحلي التقليدي إلى شبكات استيراد وتوزيع أكثر تعقيداً وارتباطاً بالأسواق الخارجية.

التدخل العمومي: الدولة بين منطق الطوارئ ومنطق السوق:

حين تدخلت الدولة عبر فتح باب استيراد الأغنام والأبقار، وتعليق الرسوم الجمركية، ومنح إعفاءات ضريبية، وتقديم دعم مباشر للمستوردين، فإنها لم تكن تمارس سياسة اقتصادية عادية، بل كانت تدير حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية. فقد كان الهدف المعلن هو تجنب انهيار السوق وضمان وفرة العرض، خاصة في مواسم الطلب المرتفع.

غير أن هذا التدخل، رغم طابعه الاستعجالي، حمل في داخله تناقضاً بنيوياً: فالدولة من جهة تسعى إلى ضبط الأسعار، لكنها من جهة أخرى تعتمد على فاعلين مقربين لتنفيذ هذا الضبط. وهنا تظهر إشكالية الوساطة الاقتصادية، حيث يصبح المستورد حلقة مركزية في نقل أثر السياسة العمومية إلى السوق، دون أن تكون هناك بالضرورة آليات صارمة لضمان انعكاس هذا الأثر على السعر النهائي. ثم إن هذا الوضع خلق فجوة بين “النية السياسية” و”النتيجة على السوق”، وهي الفجوة التي ستتحول لاحقاً إلى محور الأزمة. فحين لا تصل آثار الدعم إلى المستهلك، تصبح السياسة العمومية نفسها موضوع مساءلة، وليس فقط طريقة تنفيذها.

الاقتصاد السياسي للدعم، من أداة اجتماعية إلى قناة لإعادة توزيع الريع:

في الأنظمة الاقتصادية الحديثة، يُفترض أن يكون الدعم العمومي أداة لتصحيح اختلالات السوق، وليس لإعادة إنتاجها. غير أن قضية “الفراقشية” تكشف عن احتمال آخر أكثر تعقيداً: حين لا تكون أدوات الرقابة والتتبع قوية بما يكفي، يمكن للدعم أن يتحول إلى قناة لإعادة توزيع الريع داخل الاقتصاد بدل تقليصه.

وفي هذه الحالة، يصبح الدعم ليس فقط مالاً يُنفق، بل بنية اقتصادية تُعيد تشكيل علاقات القوة داخل السوق. فبدلاً من أن يؤدي إلى تخفيض الأسعار، قد يؤدي إلى تعزيز أرباح الوسطاء والمستوردين، خاصة إذا كانت سلاسل التوزيع غير شفافة، وإذا كان الوصول إلى الامتيازات محكوماً بعلاقات اقتصادية أو سياسية أو شبكات نفوذ. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد الوساطة”، حيث لا يعود الربح مرتبطاً فقط بالإنتاج أو الكفاءة، بل بالقدرة على التحكم في مسارات الدعم والإمداد.

حرب الأرقام، حين يتحول الحساب التقني إلى صراع سياسي:

من أكثر ما ميز هذه القضية هو تحول الأرقام إلى ساحة صراع سياسي. فبينما تشير المعطيات الرسمية إلى دعم مباشر في حدود 437 مليون درهم، تتحدث أطراف أخرى عن رقم يصل إلى 13 مليار درهم عند احتساب الإعفاءات الجمركية والضريبية. إذ لا يعكس هذا التباين فقط اختلافاً في طرق الحساب، بل يعكس اختلافاً جذرياً في فهم طبيعة الاقتصاد نفسه. فهل الدعم هو فقط ما يُدفع من الخزينة؟ أم أن كل امتياز ضريبي هو شكل من أشكال الدعم غير المباشر؟

وبما أنه لا توجد إجابة تقنية بريئة لهذا السؤال في مجال الاقتصاد السياسي، لكون تعريف طريقة “الدعم” تحدد مسبقاً من المستفيد ومن المتهم. ولذلك تحولت الأرقام إلى أدوات في صراع الروايات، وليس فقط إلى مؤشرات محاسباتية، والأخطر من ذلك أن هذا الجدل الرقمي ساهم في إضعاف الثقة في الإحصاءات الرسمية، لأن المواطن العادي لم يعد قادراً على فهم الفارق بين الدعم المباشر والدعم غير المباشر، بل أصبح يقيس كل شيء بنتيجة واحدة بسيطة: هل انخفضت الأسعار أم لا؟

المستفيدون والبنية غير المرئية للامتياز:

إن أحد أكثر الأسئلة حساسية في هذه القضية يتعلق بهوية المستفيدين من هذه المنظومة. فحين يتعلق الأمر باستيراد مدعوم وإعفاءات واسعة، يصبح من الطبيعي أن تتجه الأنظار نحو الفاعلين الذين يمتلكون القدرة على الوصول إلى هذه الامتيازات. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في الأشخاص، بل في البنية نفسها. فاقتصاد يعتمد على الوساطة والترخيص والدعم الانتقائي، يخلق بالضرورة طبقة من الفاعلين الذين يتوسطون بين الدولة والسوق. وهذه الطبقة ليست بالضرورة غير قانونية، لكنها تستفيد من هندسة النظام نفسه. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”الامتياز غير المرئي”، أي ذلك الشكل من الأرباح الذي لا ينتج عن احتكار مباشر، بل عن قدرة على الاستفادة من القواعد نفسها التي يفترض أنها وُضعت لتحقيق التوازن.

المواطن كساحة اختبار، حين يصبح السوق هو الحَكَم النهائي:

في نهاية المطاف، لا تُقاس السياسات العمومية في نظر المواطن إلا من خلال أثرها المباشر على حياته اليومية. ولذلك فإن السؤال الذي طبع هذه القضية لم يكن تقنياً، بل بسيطاً ومباشراً: لماذا لم تنخفض الأسعار؟ إذ يعكس هذا السؤال تحولاً مهماً في الوعي الاجتماعي، حيث لم يعد المواطن يكتفي بتلقي التبريرات التقنية، بل أصبح يقيس فعالية الدولة من خلال تجربته في السوق. وهذا التحول يجعل من الأسعار نفسها مؤشراً سياسياً بامتياز، وليس فقط اقتصادياً. وحين لا يتطابق الخطاب الرسمي مع الواقع المعيشي، تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتبدأ الروايات البديلة في اكتساب قوة تفسيرية أكبر.

الفراقشية كرمز، من التاجر إلى المفهوم السياسي:

من أبرز نتائج هذه القضية هو التحول الرمزي لمصطلح “الفراقشية”. فالكلمة التي كانت تشير تقليدياً إلى تجار الماشية في الأسواق القروية، أصبحت اليوم تحمل دلالة سياسية واجتماعية أوسع بكثير. فـ”الفراقشي” في الخطاب الشعبي لم يعد مجرد فاعل اقتصادي، بل أصبح رمزاً لمنظومة كاملة من الامتيازات غير المتكافئة، وللأرباح التي تتحقق في لحظات الأزمات، وللفجوة بين من يتحمل الكلفة ومن يجني الفائدة. وهذا التحول الرمزي مهم للغاية، لأنه يعكس انتقال الأزمة من مستوى الاقتصاد إلى مستوى الوعي الجماعي، حيث تصبح الكلمات نفسها أدوات لفهم العالم السياسي.

من أزمة الماشية إلى سؤال الدولة الاجتماعية:

في النهاية، يمكن القول إن قضية “الفراقشية” ليست قضية استيراد أغنام، بل هي اختبار عميق لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين السوق والمجتمع، وبين الدعم العمومي والعدالة الاجتماعية. ولقد كشفت هذه القضية أن السياسات العمومية، مهما كانت دقيقة في تصميمها، تفقد فعاليتها إذا لم تنجح في تحقيق ثلاثة شروط أساسية: الشفافية في التوزيع، وضبط أثرها الاجتماعي، ثم بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.

لكن الأهم من ذلك هو أن القضية أعادت طرح سؤال أكبر: أي نموذج اقتصادي يريده المغرب في مواجهة الأزمات المتكررة؟ نموذج يعتمد على الوساطة والدعم الاستثنائي؟ أم نموذج أكثر شفافية وعدالة في توزيع الفرص؟ إن “الفراقشية” في الحقيقة ليست مجرد فئة، بل هي مرآة لنظام اقتصادي كامل، بكل تناقضاته وحدوده وإمكاناته. ومن هنا تأتي أهمية هذه القضية: ليست فيما تكشفه عن الأغنام، بل فيما تكشفه عن الدولة نفسها، من منح الامتيازات للتجار والمستوردين من المقربين، ومن الفاعلين الاقتصاديين الجدد الذين أفرزهم اقتصاد الريع.