كيف تحوّل المغرب إلى “مصنع الصين الجديد”؟ عندما أصبحت المملكة عقدة الصراع العالمي على مستقبل السيارات الكهربائية

0
95

قبل سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن المغرب في التقارير الاقتصادية الدولية يرتبط أساساً بالفلاحة والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج. أما اليوم، فإن اسم المملكة يظهر في تقارير كبرى المؤسسات المالية والصحف الاقتصادية العالمية ضمن ملف مختلف تماماً: مستقبل السيارات الكهربائية، وصناعة البطاريات، وإعادة رسم خرائط التصنيع العالمي.

لم يعد المغرب مجرد بلد يصدّر السيارات أو يستقطب بعض المصانع الأجنبية. ما يجري اليوم أعمق من ذلك بكثير. فالمملكة تتحول تدريجياً إلى نقطة التقاء بين ثلاث قوى اقتصادية كبرى: الصين التي تبحث عن منافذ جديدة للحفاظ على نفوذها الصناعي العالمي، وأوروبا التي تسعى إلى حماية صناعاتها الإستراتيجية، والولايات المتحدة التي تخوض مع بكين معركة طويلة الأمد حول سلاسل التوريد والتكنولوجيا والطاقة.

هذا التحول لم يحدث بالصدفة، بل هو نتيجة مسار طويل من بناء البنية التحتية الصناعية واللوجستية. فمن طنجة إلى القنيطرة وصولاً إلى الدار البيضاء والجرف الأصفر، تشكلت خلال العقدين الأخيرين منظومة اقتصادية جعلت المغرب قادراً على استضافة صناعات كانت إلى وقت قريب حكراً على آسيا وأوروبا.

في قلب هذه التحولات تقف مدينة محمد السادس طنجة تيك، التي أصبحت عنواناً بارزاً للحضور الصناعي الصيني داخل المملكة. فالشركات الصينية لم تعد تكتفي بإنشاء وحدات إنتاج صغيرة أو مكاتب تجارية، بل بدأت تبني منظومات صناعية متكاملة تشمل تصنيع مكونات السيارات الكهربائية والبطاريات ومعالجة المعادن والمواد الكيميائية المرتبطة بها.

وتتجاوز أهمية هذه الاستثمارات مجرد حجم الأموال المعلنة، والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، إلى طبيعة القطاعات المستهدفة نفسها. فالعالم يعيش حالياً سباقاً محموماً للسيطرة على صناعة البطاريات، باعتبارها القلب النابض للسيارات الكهربائية، والسلاح الصناعي الجديد في معركة الانتقال الطاقي.

لهذا السبب تحديداً بدأت بروكسل تتابع بقلق متزايد ما يحدث داخل المغرب.

فالاتحاد الأوروبي لا ينظر إلى الاستثمارات الصينية من زاوية اقتصادية بحتة، بل من منظور استراتيجي يتعلق بمستقبل الصناعة الأوروبية نفسها. أوروبا التي فرضت رسوماً جمركية مرتفعة على السيارات الكهربائية الصينية ترى أن بكين قد تكون بصدد اعتماد إستراتيجية جديدة تقوم على نقل جزء من إنتاجها إلى دول شريكة، ثم إعادة تصدير المنتجات نحو السوق الأوروبية بصفة مختلفة.

وبالنسبة للعديد من صناع القرار الأوروبيين، فإن المغرب يمثل الموقع المثالي لهذه الإستراتيجية.

فالمملكة لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن القارة الأوروبية، وتتوفر على واحد من أكبر الموانئ المتوسطية وأكثرها تطوراً، كما ترتبط بشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح الوصول إلى أسواق تضم مليارات المستهلكين.

لكن قراءة المشهد من زاوية الالتفاف على الرسوم الجمركية وحدها قد تكون قراءة ناقصة.

فما يحدث في المغرب يعكس تحولات أعمق في الاقتصاد العالمي. فمنذ جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، بدأت الشركات العالمية تعيد النظر في سلاسل التوريد الطويلة التي كانت تعتمد بشكل شبه كامل على آسيا.

ظهر مفهوم جديد في الاقتصاد الدولي يعرف بـ”القرب الصناعي” أو “التصنيع القريب”، حيث تبحث الشركات عن مواقع إنتاج أقرب إلى الأسواق المستهدفة وأكثر استقراراً سياسياً وأقل عرضة للصدمات الجيوسياسية.

في هذا السياق بالذات برز المغرب كأحد أكبر الرابحين.

فبينما كانت دول كثيرة تتنافس على استقطاب الاستثمارات الأجنبية عبر الحوافز الضريبية فقط، كان المغرب يبني منظومة متكاملة تجمع بين الموانئ الحديثة والطرق السيارة وخطوط السكك الحديدية والطاقة المتجددة والاستقرار السياسي والانفتاح التجاري.

والنتيجة أن الشركات الصينية وجدت نفسها أمام عرض يصعب تجاهله.

فبدلاً من تصدير المنتجات مباشرة من الصين وتحمل الرسوم الأوروبية المتزايدة، أصبح بإمكانها الاستثمار داخل المغرب، والاستفادة من القرب الجغرافي من أوروبا، ومن الكفاءات المحلية، ومن بيئة أعمال أكثر تنافسية.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمصالح الصين وحدها، بل بمصالح المغرب نفسه.

فهل يتحول المغرب إلى مجرد منصة عبور للمنتجات الصينية؟ أم أنه ينجح في تحويل هذه الاستثمارات إلى رافعة حقيقية لنقل التكنولوجيا وبناء صناعة وطنية متقدمة؟

هذا السؤال يحدد الفرق بين نموذجين اقتصاديين مختلفين تماماً.

النموذج الأول يقوم على استقبال المصانع الأجنبية كمجرد وحدات إنتاج منخفضة التكلفة، دون خلق قيمة مضافة محلية كبيرة.

أما النموذج الثاني فيقوم على استغلال الاستثمارات الأجنبية لبناء منظومة صناعية وطنية قادرة على إنتاج المعرفة والخبرة والتكنولوجيا وتطوير البحث العلمي وخلق مقاولات محلية مرتبطة بسلاسل القيمة العالمية.

المؤشرات الحالية توحي بأن المغرب يحاول السير في الاتجاه الثاني.

فالمملكة لا تستقطب مصانع تجميع فقط، بل تعمل على جذب مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، من معالجة المواد الأولية إلى تصنيع المكونات الدقيقة وصولاً إلى التجميع النهائي. وهي إستراتيجية تهدف إلى رفع نسبة الإدماج المحلي وتقليص التبعية للخارج.

كما أن الرهان المغربي لا يقتصر على السيارات الكهربائية وحدها. فالمعركة الحقيقية تدور حول موقع المملكة في الاقتصاد الأخضر العالمي.

أوروبا تتجه نحو فرض معايير بيئية أكثر صرامة على الواردات الصناعية، والمنتجات المصنعة باستخدام الطاقة النظيفة ستحظى بأفضلية متزايدة خلال السنوات المقبلة. وهنا يبرز عامل آخر يمنح المغرب قوة تفاوضية إضافية: الطاقات المتجددة.

فكلما ارتفعت حصة الكهرباء المنتجة من الشمس والرياح، ازدادت قدرة المغرب على تسويق نفسه كقاعدة صناعية منخفضة الانبعاثات الكربونية، وهو عنصر سيصبح أكثر أهمية من تكلفة اليد العاملة نفسها في المستقبل القريب.

لكن النجاح المغربي يضع المملكة أيضاً أمام تحديات جديدة.

فكلما ارتفع وزن المغرب داخل سلاسل التوريد العالمية، ازداد تعرضه لضغوط القوى الكبرى المتنافسة. أوروبا تريد شريكاً صناعياً موثوقاً يحافظ على توازن السوق الأوروبية. الصين تريد قاعدة إنتاج متقدمة تضمن استمرار حضورها العالمي. والولايات المتحدة تراقب بحذر أي ترتيبات قد تسمح لبكين بالحفاظ على نفوذها داخل الصناعات الإستراتيجية.

وهكذا يجد المغرب نفسه في موقع غير مسبوق في تاريخه الاقتصادي الحديث.

لم يعد مجرد بلد نامٍ يبحث عن الاستثمارات، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها رهانات الطاقة والتكنولوجيا والصناعة والجغرافيا السياسية.

ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: لماذا تستثمر الصين في المغرب؟

السؤال الحقيقي هو: هل أصبح المغرب لاعباً في الاقتصاد العالمي الجديد، أم أنه لا يزال مجرد أرض تتنافس فوقها القوى الكبرى؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل صناعة السيارات الكهربائية في المملكة، بل ستحدد أيضاً طبيعة الدور الذي سيؤديه المغرب في النظام الاقتصادي العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا، حيث لم تعد الثروة تقاس بما تملكه الدول من مواد خام فقط، بل بما تستطيع السيطرة عليه من سلاسل إنتاج ومعرفة وتكنولوجيا ونفوذ صناعي.