«جوج رواح».. حين تعيد الكوميديا الشعبية الجمهور إلى القاعات وتكتب فصلاً جديداً في السينما المغربية
في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية تنافس القاعات السينمائية على كل دقيقة من وقت المشاهد، لا يبدو الوصول إلى نصف مليون متفرج مجرد رقم عابر في سجل فيلم مغربي. إنه حدث ثقافي واجتماعي يستحق التوقف عنده طويلاً. فالفيلم المغربي «جوج رواح» للمخرج علاء أكعبون لم يكتف بتحقيق نجاح تجاري لافت، بل تحول إلى ظاهرة جماهيرية أعادت طرح أسئلة قديمة وجديدة حول طبيعة السينما التي يريدها المغاربة، وحول قدرة الكوميديا الشعبية على استعادة ثقة جمهور طالما اشتكى من ضعف الإنتاج أو ابتعاده عن همومه اليومية.
تجاوز الفيلم عتبة 500 ألف متفرج داخل القاعات السينمائية المغربية، بعدما حافظ لأسابيع طويلة على حضوره ضمن صدارة شباك التذاكر الوطني، في مشهد نادر نسبياً في سوق سينمائية تواجه تحديات متراكمة تتعلق بتغير عادات الاستهلاك الثقافي وصعود المنصات الرقمية وتراجع الإقبال على القاعات في كثير من دول العالم.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد التذاكر المباعة فقط، بل بما يكشفه هذا الرقم عن المزاج الثقافي للمجتمع المغربي. فنجاح «جوج رواح» لم يأت من فراغ، ولم يكن مجرد نتيجة حملة ترويجية ناجحة أو توقيت عرض مناسب تزامن مع عيد الفطر. ما حدث يعكس وجود جمهور واسع ما زال يبحث عن نفسه على الشاشة الكبيرة، ويريد أن يرى قصصه ومشاكله ولهجته اليومية داخل عمل فني قادر على الإضحاك دون أن ينفصل عن واقعه.
قصة الفيلم تبدو في ظاهرها بسيطة: شاب وفتاة يحلمان بالزواج، لكن العراقيل الاقتصادية والاجتماعية تقف في طريقهما. يوافقان على خوض تجربة علمية مقابل مبلغ مالي يساعدهما على تحقيق حلم الارتباط، غير أن خطأ تقنياً يؤدي إلى تبادل روحيهما، لتنطلق سلسلة من المفارقات الكوميدية والمواقف الساخرة. غير أن هذه الحبكة الخيالية تخفي تحتها طبقات أعمق من الدلالات الاجتماعية.
فالزواج هنا ليس مجرد خلفية درامية للأحداث، بل يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه شريحة واسعة من الشباب المغربي. تكاليف المعيشة، صعوبة توفير السكن، متطلبات تأسيس الأسرة، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، كلها عناصر تجعل حلم الزواج مشروعاً مؤجلاً بالنسبة لكثيرين. ومن خلال الكوميديا والفانتازيا، ينجح الفيلم في الاقتراب من هذه الهواجس دون الوقوع في خطاب مباشر أو وعظي.
الأكثر إثارة في العمل هو أن تبادل الأرواح بين جعفر وفنيدة يتحول إلى أداة سردية تسمح بإعادة اكتشاف الآخر. فالرجل يجد نفسه داخل تجربة المرأة، والمرأة تعيش تفاصيل حياة الرجل. وبين الضحك والمواقف العبثية، يطرح الفيلم سؤالاً اجتماعياً عميقاً: هل نفهم حقاً الضغوط التي يعيشها الطرف الآخر داخل المجتمع المغربي؟ وهل يمكن للتعاطف أن يبدأ عندما نرى العالم من زاوية مختلفة؟
هذه الفكرة بالذات تفسر جانباً من النجاح الجماهيري للفيلم. فالمشاهد لا يتابع مجرد سلسلة من النكات، بل يجد نفسه أمام مرآة ساخرة تعكس تفاصيل الحياة اليومية داخل الأحياء الشعبية والطبقة المتوسطة. إنها كوميديا تنطلق من الواقع وتعود إليه، وهو ما أشار إليه المخرج علاء أكعبون عندما أكد أن طبيعة الكوميديا الموظفة في الفيلم مستمدة من الوسط الشعبي ومن تطلعات الجمهور المغربي نفسه.
ومن زاوية أخرى، يكشف نجاح «جوج رواح» عن تحوّل مهم في الصناعة السينمائية المغربية. فطوال سنوات، ظل الجدل قائماً بين من يدافع عن السينما الفنية الموجهة للمهرجانات والنقاد، وبين من يطالب بأفلام قادرة على جذب الجمهور العريض. وقد نجح الفيلم في احتلال مساحة وسطى بين الطرفين؛ فهو عمل تجاري بامتياز، لكنه في الوقت نفسه لا يعتمد فقط على النكتة السهلة أو الإثارة المجانية، بل يبني قصته على حبكة واضحة وشخصيات قريبة من المتلقي.
كما أن اختيار طاقم التمثيل لعب دوراً محورياً في هذا النجاح. فقد استطاع أيوب أبو النصر وفدوى الطالب، إلى جانب باقي الممثلين، خلق حالة من الانسجام جعلت الشخصيات تبدو طبيعية وقريبة من الجمهور. ولم يكن صدفة أن يشدد أبو النصر على أن الفيلم عمل عائلي حرص صناعه على احترام الخصوصية الثقافية المغربية، وهو عنصر أصبح عاملاً حاسماً في جذب شرائح واسعة من المتفرجين الباحثين عن ترفيه يناسب جميع أفراد الأسرة.
اقتصادياً، يحمل هذا النجاح دلالات لا تقل أهمية عن أبعاده الفنية. فعندما يحقق فيلم مغربي هذه الأرقام داخل القاعات، فإنه يبعث برسالة قوية إلى المنتجين والمستثمرين مفادها أن السوق المحلية قادرة على خلق أرباح حقيقية عندما يلتقي المحتوى الجيد مع فهم حقيقي لانتظارات الجمهور. وقد أظهرت معطيات شباك التذاكر أن الفيلم حقق إيرادات مهمة خلال أسابيع قليلة، ما يعزز الثقة في إمكانية بناء صناعة سينمائية وطنية أكثر استدامة.
غير أن الأهمية الأكبر لـ«جوج رواح» قد لا تكون في عدد المشاهدين ولا في الإيرادات المالية، بل في ما أعاده إلى الواجهة من نقاش حول وظيفة السينما المغربية نفسها. هل المطلوب من الفيلم المغربي أن يكون مرآة للمجتمع؟ أم وسيلة للترفيه فقط؟ أم أداة لطرح الأسئلة الصعبة بلغة بسيطة يفهمها الجميع؟
ربما تكمن قوة «جوج رواح» في أنه لم يحاول تقديم إجابات جاهزة. لقد اختار أن يحكي قصة حب بسيطة، وأن يزرع داخلها أسئلة أكبر من أحداثها. ولهذا السبب بالذات وجد الجمهور نفسه داخل الفيلم، لا أمامه فقط.
وعندما يتمكن عمل سينمائي مغربي من دفع أكثر من نصف مليون شخص إلى مغادرة منازلهم وشراء تذكرة والدخول إلى قاعة مظلمة لمشاهدة قصة محلية، فإن القضية لم تعد قضية فيلم ناجح فحسب، بل قضية مجتمع ما زال يبحث عن نفسه في الشاشة الكبيرة، وما زال يؤمن بأن الضحك يمكن أن يكون طريقاً لفهم الواقع أكثر مما تفعله الخطب الطويلة والبيانات الرسمية.
وهنا يبرز السؤال الأعمق الذي يتركه «جوج رواح» خلفه: إذا كان الجمهور المغربي قد منح هذا القدر من الثقة لفيلم يتحدث بلغته ويحمل همومه ويضحكه من قلب حياته اليومية، فهل تكمن أزمة السينما المغربية أصلاً في الجمهور كما كان يُقال دائماً، أم في قدرة بعض الإنتاجات على الإصغاء إلى ذلك الجمهور وفهم ما يريد أن يراه على الشاشة؟