في سياق سياسي مشحون بالأرقام والوعود، اختار عزيز أخنوش أن يختزل حصيلة خمس سنوات في معادلة مزدوجة: “50 إنجازاً” من جهة، ونداء مباشر إلى “الكسّابة” بعدم ترك السوق في يد “الشناقة” من جهة أخرى. تصريح يبدو، في ظاهره، دعوة أخلاقية لضبط السوق، لكنه في عمقه يكشف عن توتر بنيوي بين منطق الدولة الاجتماعية كما تقدّمه الحكومة، ومنطق السوق كما يعيشه المواطن يومياً في أسعار اللحوم والمواد الأساسية.
الرواية الحكومية تُبنى على سردية متماسكة: استقرار مالي، توازنات ماكرو-اقتصادية، توسيع للبنيات التحتية، وتكريس تدريجي لما تسميه “الدولة الاجتماعية”. ضمن هذا الإطار، يتم تقديم الاتفاق الاجتماعي لـ30 أبريل 2022 كعلامة فارقة في العلاقة مع الطبقة الشغيلة، إلى جانب إجراءات مثل الزيادة في معاشات المتقاعدين والإعفاء الضريبي. هي سردية تسعى إلى إقناع الرأي العام بأن التحول ليس فقط في الأرقام، بل في الفلسفة العامة لتدبير الشأن العام.
لكن، خارج هذه السردية الرسمية، تتشكل قصة أخرى أكثر التصاقاً باليومي: أسعار لحوم تضاعفت تقريباً خلال سنوات قليلة، قدرة شرائية متآكلة، وشعور عام بأن “الإنجازات” لم تترجم بالقدر الكافي إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين. هنا، يتحول تصريح “لا تتركوا المجال للشناقة” من مجرد دعوة تنظيمية إلى اعتراف ضمني بوجود اختلال في سلاسل التوزيع، بل وبفشل جزئي في ضبطها رغم ضخ مليارات الدراهم كدعم مباشر للقطاع.
اللافت في خطاب رئيس الحكومة ليس فقط تحميل “الشناقة” مسؤولية جزء من الأزمة، بل أيضاً نقل جزء من العبء إلى “الكسّابة” أنفسهم، عبر استدعاء مفردات المسؤولية الوطنية: “أمام الملك، أمام الوطن، أمام الحكومة”. هذا التحويل في الخطاب يعكس محاولة لإعادة توزيع المسؤولية داخل المنظومة، بدل حصرها في السياسات العمومية أو آليات السوق غير المنظمة. لكنه، في المقابل، يثير سؤالاً جوهرياً: هل يمكن فعلاً ضبط الأسعار عبر النداء الأخلاقي، أم أن الأمر يتطلب إصلاحاً عميقاً في بنية السوق، من الإنتاج إلى الوساطة إلى التوزيع؟
في العمق، تكشف هذه اللحظة عن مفارقة حادة: الدولة التي تؤكد أنها ضخت حوالي 13 مليار درهم لدعم مربي الماشية، تجد نفسها مضطرة للاعتراف بأن الأسعار لم تنخفض بالشكل المتوقع. هذا يعني أن جزءاً من الدعم قد تم “امتصاصه” داخل حلقات غير شفافة، حيث يلعب الوسطاء دوراً حاسماً في تحديد الأسعار النهائية. وهنا، يصبح “الشناق” ليس مجرد فاعل هامشي، بل عرضاً لخلل هيكلي أعمق في الاقتصاد غير المهيكل.
سياسياً، يحاول أخنوش ترسيخ فكرة أن “التاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالقرارات”، في مواجهة معارضة تشكك في الأثر الحقيقي لهذه القرارات. غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في كسب هذا الجدل الخطابي، بل في ردم الفجوة بين المؤشرات الماكرو-اقتصادية والانطباع الاجتماعي العام. فالمواطن لا يقيس “الدولة الاجتماعية” بعدد الاتفاقيات، بل بسعر الكيلوغرام من اللحم، وبقدرته على الحفاظ على مستوى عيش مستقر.
اقتصادياً، يعيد هذا النقاش طرح إشكالية الحكامة داخل سلاسل الإنتاج الفلاحي: من يحدد السعر؟ من يستفيد من الدعم؟ وأين تتسرب القيمة المضافة؟ وهي أسئلة تتجاوز قطاع اللحوم لتشمل مجمل النموذج التنموي، الذي يظل، رغم الإصلاحات، رهين توازن هش بين تدخل الدولة وحرية السوق.
أما اجتماعياً، فإن استمرار هذا الوضع يهدد بتآكل الثقة في السياسات العمومية، خاصة عندما يتكرر التباين بين الخطاب الرسمي والتجربة المعيشية. فحين يُطلب من “الكسّابة” لعب دور في خفض الأسعار، يفهم المواطن ضمنياً أن أدوات الدولة لم تعد كافية وحدها لضبط السوق، وأن المسؤولية أصبحت موزعة بشكل قد يفتقد للوضوح والمساءلة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة تصريح “لا تتركوا المجال للشناقة” كجملة عابرة في خطاب سياسي، بل كعلامة على لحظة مفصلية في علاقة الدولة بالسوق والمجتمع. لحظة تختبر فيها الحكومة قدرتها ليس فقط على إعلان “الإنجازات”، بل على تحويلها إلى واقع محسوس، حيث يصبح الانخفاض الحقيقي في الأسعار هو المعيار الوحيد لنجاح أي سياسة، مهما كان حجم الأرقام المعلنة.


