“وجوه المغرب” بين رمزية التتويج وأسئلة صناعة النخبة: حين يتحول الاحتفاء إلى قراءة في صورة الوطن الناعم

0
120

في سياق يتزايد فيه الاهتمام بإبراز النماذج الفردية الناجحة كمرآة لتمثّل صورة المغرب الحديثة، نظّمت منصة “وجه المغرب” (Visage du Maroc) مساء 15 أبريل 2026 بالدار البيضاء حفلها السنوي لتوزيع جوائز “وجوه التميز المغربي لعام 2025”، في حدث بدا، في ظاهره، احتفاءً ثقافياً وفنياً واقتصادياً، لكنه في عمقه يعكس دينامية أوسع تتعلق بكيفية إنتاج الرمزية داخل المجال العام، ومن يملك حق تعريف “التميز” في السياق المغربي المعاصر.

الاحتفال، الذي احتضنه أحد فنادق العاصمة الاقتصادية، جمع نحو خمسين مدعواً من عوالم الثقافة والفن والرياضة والاقتصاد، في فضاء أقرب إلى “صالون نخبة” منه إلى تظاهرة جماهيرية. هذا الاختيار في حد ذاته يعكس طبيعة الرسالة: الاحتفاء لا يُقدَّم كحدث شعبي واسع، بل كعملية انتقاء دقيقة لوجوه يُراد لها أن تمثل المغرب في صورته الأكثر إشراقاً وهدوءاً، بعيداً عن ضجيج اليومي وتعقيدات الواقع الاجتماعي.

افتتحت الأمسية بكلمة لمؤسسة المنصة هند شواط، التي شددت على أن الجائزة لا تكتفي بتكريم النجاح المهني أو الشخصي، بل تسعى إلى تثمين منظومة قيم تعتبرها المؤسسة جوهرية: الصمود، التواضع، التميز، والحب العميق للوطن. غير أن هذا الخطاب، وإن بدا توافقياً، يفتح في خلفيته سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام تكريم للإنجاز الفردي، أم أمام صياغة معيار رمزي جديد لـ“المواطنة المثالية” كما تراها المنصات الإعلامية والمؤسسات الثقافية؟

الدعم الذي حظي به الحدث من طرف شركاء مؤسساتيين، وفي مقدمتهم مجلس الجالية المغربية بالخارج، يضيف طبقة أخرى من الدلالة. فإشراك الجالية في هذا النوع من المبادرات لا يقتصر على البعد الاحتفائي، بل يعكس أيضاً رغبة في ربط “المغرب الداخلي” بـ“المغرب العالمي”، ضمن سردية واحدة قوامها النجاح والتمثيل الإيجابي في الخارج. لكن هذا الربط يثير بدوره تساؤلاً مضمراً حول مدى توازن هذه الصورة مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها فئات واسعة داخل البلاد.

قائمة المكرمين، التي ضمت شخصيات من مجالات متعددة بينها الفن والرياضة والإعلام والثقافة، تعكس بدورها توجه المنصة نحو بناء “بانوراما رمزية” للنجاح المغربي. غير أن هذا التنوع، رغم غناه، يطرح سؤالاً آخر حول معايير الاختيار: هل هي معايير تأثير فعلي في المجتمع، أم معايير حضور إعلامي وإشعاع رمزي؟ وهل يتم قياس “التميز” بناءً على الأثر الاجتماعي العميق أم على قابلية التمثيل الإعلامي؟

الحضور الشخصي لبعض المكرمين، مثل شخصيات دبلوماسية ورياضية وفنية، إلى جانب مشاركات افتراضية عبر رسائل مصورة، أضفى على الحفل طابعاً مزدوجاً: محلياً ودولياً في آن واحد. وهو ما يعكس تحوّل مثل هذه التظاهرات إلى منصات لإعادة إنتاج صورة المغرب في الخارج بقدر ما هي مساحة للاحتفاء الداخلي.

في ختام الأمسية، جرى التقاط صورة جماعية للمكرمين، تلتها لحظة تواصل إعلامي وحفل عشاء، في مشهد يختزل ما يمكن وصفه بـ“اقتصاد الرمزية” حيث تتحول اللحظة الاحتفالية إلى مادة قابلة للاستهلاك الإعلامي وإعادة التدوير الرقمي، أكثر مما هي لحظة تكريم فقط.

من الناحية التحليلية، يمكن النظر إلى مبادرة “وجه المغرب” باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في المشهد الثقافي والإعلامي المغربي، حيث تتزايد المبادرات الخاصة التي تسعى إلى إنتاج “سردية النجاح الوطني” خارج الأطر الرسمية التقليدية. غير أن هذا التحول يفتح أيضاً نقاشاً ضرورياً حول التوازن بين الاحتفاء بالنجاحات الفردية وبين مساءلة السياقات الاجتماعية التي تنتجها أو تعيقها.

وبينما تؤكد المؤسسة المنظمة التزامها بتثمين قيم الاستمرارية والتميز والإشعاع، يبقى السؤال الأعمق معلقاً: هل يكفي الاحتفاء بالوجوه اللامعة لرسم صورة مكتملة عن المغرب، أم أن “التميز” الحقيقي يبدأ أيضاً من مساءلة ما لا يظهر في الصور الجماعية؟