في سياقٍ تتداخل فيه النقاشات المهنية مع ضجيج التأويلات المتداولة على منصات التواصل، خرج المركز السينمائي المغربي بموقفٍ واضح يسعى إلى إعادة ضبط الإيقاع العام للجدل الدائر حول دعم إنتاج الأعمال السينمائية، بعدما تم تداول رسالة مجهولة المصدر تُنسب إليها مضامين تشكك في قرارات لجنة الدعم، وتضعها في دائرة الاتهام غير الموثق.
المركز، في بلاغه التوضيحي، لا يكتفي بمجرد النفي التقني لواقعة التوصل بأي مراسلة رسمية في الموضوع، بل يذهب أبعد من ذلك نحو تفكيك أصل الإشكال: مصدره، ومساره، وطريقة تضخيمه خارج القنوات المؤسساتية. إذ يؤكد أنه لم يتوصل بأي رسالة عبر القنوات الإدارية المعتمدة، لا ورقياً ولا إلكترونياً، وأنه تعامل مع مضمون القضية مثل باقي المتتبعين، عبر ما تم تداوله في الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يضع النقاش منذ البداية في خانة “المعلومة غير المؤطرة مؤسساتياً”.
في عمق هذا البلاغ، تظهر محاولة لإعادة تثبيت وظيفة المركز السينمائي المغربي كهيئة تنظيمية لا تنخرط في الاصطفافات المهنية، ولا تُدار بمنطق “الجهة ضد الجهة”، بقدر ما تشتغل ضمن منظومة دعم عمومي مؤطرة بمساطر وقوانين دقيقة. فالمركز يرفض بشكل صريح إدخاله في أي سياق يُفهم منه أنه طرف في “تصفية حسابات” بين فاعلين مهنيين داخل الحقل السينمائي، وهو توصيف يعتبره خطيراً لأنه يمسّ جوهر الحياد المؤسساتي الذي يفترض أن يحكم تدبير الدعم العمومي.
البلاغ يضع أيضاً نقطة أساسية في صلب النقاش: لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية ليست جهازاً فردياً أو امتداداً لقرار إداري أحادي، بل هي لجنة مستقلة، متعددة التمثيل، تضم شخصيات تعكس تنوع الحقل الثقافي والفكري المغربي. هذه الإشارة ليست تقنية فقط، بل تحمل بعداً رمزياً واضحاً، مفاده أن عملية اتخاذ القرار داخل منظومة الدعم لا تخضع للاجتهاد الفردي، بل لآلية جماعية مؤطرة بالتعدد والاختلاف.
ومن زاوية الحكامة، يشير المركز إلى أن هذه المنظومة ليست فقط داخلية، بل تخضع كذلك لرقابة مؤسساتية سنوية، بما في ذلك المفتشية العامة للمالية، إضافة إلى آليات أخرى مرتبطة بمراقبة المال العام. هذا التذكير يبدو بمثابة رد غير مباشر على أي إيحاء بوجود اختلالات خارج الأطر الرقابية، حيث يتم تقديم النظام برمته كمنظومة مغلقة قانونياً على المساءلة المؤسساتية، لا على الانطباعات أو التسريبات.
لكن خلف هذا التوضيح الرسمي، يبرز سؤال أعمق لا يطرحه البلاغ بشكل مباشر، لكنه يطفو ضمنياً في سياق الجدل: كيف يتم إنتاج الثقة داخل قطاع حساس مثل السينما، حيث تتقاطع الاعتبارات الفنية مع الدعم العمومي والمنافسة المهنية؟ فالمشكل، كما يوحي السياق العام، لا يتعلق فقط بواقعة رسالة مجهولة، بل بمنظومة التلقي نفسها، وبمدى قدرة المؤسسات على احتواء التأويلات التي تُولد خارج المساطر الرسمية.
في النهاية، يحاول المركز السينمائي المغربي من خلال هذا البلاغ أن يعيد ترتيب العلاقة بين “المعلومة المتداولة” و”الحقيقة الإدارية”، وبين “النقاش المهني” و”التأويل الرقمي”، في محاولة لتثبيت صورة مؤسسة تقول إنها تشتغل داخل القانون، وتحت الرقابة، وبمنطق المساواة بين الجميع، بعيداً عن أي تموقعات أو حسابات ظرفية داخل الحقل السينمائي.