حين تتكلم السرية… وتؤجَّل الحقيقة: الأمم المتحدة تعد بكشف إحاطتي دي ميستورا وإيفانكو حول مسار الصحراء المغربية

0
142

في منعطف سياسي دقيق يتقاطع فيه المسار الدبلوماسي مع حسابات السرية الأممية، عادت قضية الصحراء إلى واجهة الاهتمام داخل أروقة الأمم المتحدة، لكن هذه المرة من بوابة “الصمت المؤقت” أكثر مما هي من بوابة التصريحات العلنية. فبينما انعقد مجلس الأمن في 24 أبريل 2026 في جلسة مغلقة خُصصت لتتبع تنزيل القرار 2797، بدا أن المنظمة الدولية اختارت إدارة ما يجري خلف الأبواب الموصدة بقدر محسوب من الغموض، قبل أن تتعهد لاحقاً بنشر الإحاطات الرسمية للمبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا، ورئيس بعثة المينورسو ألكسندر إيفانكو.

هذا التعهد، الذي جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك خلال الإحاطة الصحفية اليومية، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل يعكس طبيعة المرحلة التي دخلها الملف، حيث تتقدم الدبلوماسية الهادئة على حساب التسريب الإعلامي، في محاولة واضحة لضبط إيقاع التوترات المحيطة بالنزاع، ومنح مسار المفاوضات فرصة للتحرك بعيداً عن ضغط العلن.

دوجاريك أكد أن الإحاطتين قد قُدّمتا فعلاً أمام مجلس الأمن، سواء من طرف دي ميستورا أو من طرف قائد بعثة “المينورسو”، لكنه امتنع عن تقديم أي تفاصيل، مكتفياً بالإشارة إلى أن المعلومات ستُنشر لاحقاً عبر القنوات الرسمية للأمم المتحدة. هذا الصمت المعلن لا يبدو عارضاً، بل يدخل في سياق استراتيجية أممية باتت تميل إلى تقليص التسريبات المرتبطة بملفات التفاوض الحساسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسارات سياسية لا تزال في طور التشكّل.

الاجتماع الأخير لمجلس الأمن يأتي في سياق متابعة تنفيذ القرار 2797، الذي دعا بشكل صريح إلى إطلاق مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية بالنزاع، انطلاقاً من مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007. هذا التحول في المرجعية التفاوضية يعكس، وفق قراءات دبلوماسية متعددة، انتقال النقاش من منطق “إدارة النزاع” إلى منطق “تحديد الإطار الواقعي للحل”، وهو ما بدأت ترجمته العملية في جولات تفاوضية احتضنتها واشنطن تحت رعاية مشتركة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، سبق للأمم المتحدة أن أكدت أن الأطراف المشاركة في مفاوضات مدريد السابقة حول الصحراء، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، كانت حاضرة أيضاً في جولة واشنطن، في إشارة إلى محاولة إعادة بناء مسار تفاوضي شامل يستند إلى نفس الفاعلين التقليديين، ولكن ضمن هندسة سياسية جديدة يُراد لها أن تكون أكثر إلزاماً وأقل قابلية للتجميد.

غير أن اللافت في هذه المرحلة هو ما وصفه دوجاريك بـ”الطابع الحذر” للمسار التفاوضي، حيث أشار بوضوح إلى أن المبعوث الأممي يفضل التزام الصمت في الوقت الراهن، بهدف “منح المفاوضات أفضل فرصة للنجاح”. هذه العبارة، في عمقها السياسي، تعكس إدراكاً أممياً بأن أي تسريب أو إفراط في التصريحات قد يعيد تعقيد مسار يُراد له أن يبقى تحت سقف التهدئة والتحكم الدبلوماسي.

ومن زاوية تحليلية أوسع، يمكن قراءة هذا التوجه الأممي باعتباره انتقالاً من دبلوماسية “التصريح المفتوح” إلى دبلوماسية “إدارة التوقعات”، حيث تصبح المعلومة نفسها جزءاً من أدوات التفاوض، وليس مجرد وسيلة للإخبار. وهو ما يفسر الإصرار على تأجيل نشر تفاصيل الإحاطات، رغم تقديمها فعلياً أمام مجلس الأمن.

وفي خلفية هذا المشهد، يظل القرار 2797 بمثابة الإطار المرجعي الذي يحاول إعادة تشكيل مسار النزاع، عبر الدفع نحو مفاوضات مباشرة تحت إشراف أممي ورعاية أمريكية، في وقت تتزايد فيه حساسية التوازنات الإقليمية المرتبطة بالملف. وبين السرية المؤقتة والتصريحات المعلنة، تتحرك الأمم المتحدة في مساحة دقيقة، تحاول فيها الحفاظ على خيط التفاوض دون أن تقطعه ضغوط السياسة أو ضجيج الإعلام.

وبينما ينتظر الرأي العام نشر الإحاطات الرسمية لدي ميستورا وإيفانكو، يبقى السؤال الأعمق معلقاً: هل نحن أمام مرحلة تمهيد لحل سياسي تدريجي، أم أمام إعادة ترتيب جديدة لإدارة زمن النزاع دون حسمه؟ وهو سؤال يبدو أن الإجابة عنه، حتى داخل أروقة الأمم المتحدة نفسها، ما تزال قيد التشكّل أكثر مما هي جاهزة للإعلان.