حين تُصدَّر الطماطم وتُستنزف القدرة الشرائية: هل أصبح المواطن آخر أولويات السوق؟

0
125
صورة: و.م.ع

في قلب معادلة تبدو للوهلة الأولى تقنية—قرار إداري بوقف تصدير الطماطم—تتوارى أسئلة أعمق تمس جوهر النموذج الاقتصادي والاجتماعي: من يُفترض أن يكون في صدارة الأولويات؟ المواطن الذي يئن تحت وطأة الغلاء، أم التاجر الذي يتحرك داخل منطق السوق والالتزامات الدولية؟ بين هذين القطبين، تتكشف أزمة مركبة تتجاوز مجرد “سعر الطماطم” لتلامس اختلالات بنيوية في السياسات الفلاحية وسلاسل الإنتاج والتوزيع.

الإضراب الذي يخوضه المصدرون ليس فقط رد فعل مهني على قرار مفاجئ، بل مؤشر على هشاشة التوازن بين السوق الداخلية والرهانات التصديرية. فالمصدر، كما يعبر عنه الفاعلون في القطاع، لا يرى في وقف التصدير حلا سحريا لخفض الأسعار، بل إجراءً قد يعمّق الأزمة عبر ضرب الثقة مع الشركاء الدوليين، وتعريض منظومة بأكملها—من الفلاح إلى الناقل—لاختلالات مالية قد يصعب احتواؤها. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بخسارة صفقات، بل بتآكل “مصداقية” تشكل أحد أعمدة الحضور المغربي في الأسواق الخارجية، خصوصا الإفريقية.

في المقابل، ينهض خطاب جمعيات حماية المستهلك على منطق مغاير، يستحضر أولوية “الأمن الغذائي” في سياق يتسم بتراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة التذمر الاجتماعي. هذا الطرح لا يعادي التصدير في حد ذاته، لكنه يعيد ترتيب الأولويات: تأمين السوق الداخلية أولا، ثم الانفتاح على الخارج. غير أن هذا المنطق، رغم وجاهته الاجتماعية، يصطدم بواقع تعاقدي واقتصادي معقد، حيث ترتبط الصادرات الفلاحية المغربية بشبكة من الالتزامات السنوية التي يصعب كسرها دون كلفة دبلوماسية ومالية.

ما بين هذين المنظورين، تتكشف “المنطقة الرمادية” للأزمة: ليست المشكلة في التصدير بحد ذاته، ولا في الاستهلاك المحلي فقط، بل في خلل أعمق يطال سلاسل الإنتاج. فارتفاع أسعار الخضر بشكل عام—بما فيها منتجات غير معنية بالتصدير—يشير إلى أن العطب هيكلي، مرتبط بكلفة الإنتاج، وتدبير الموارد المائية، وسلاسل الوساطة، وربما أيضا بضعف آليات الضبط والمراقبة. هنا، يتحول النقاش من سؤال “من أولى؟” إلى سؤال أكثر إلحاحا: لماذا يعجز النظام برمته عن تحقيق التوازن؟

الأبعاد المضمرة للأزمة تكشف بدورها عن مفارقة لافتة: دولة تسعى لتعزيز حضورها في الأسواق الدولية وجلب العملة الصعبة، لكنها تجد نفسها أمام ضغط داخلي يطالب بإعادة توجيه الإنتاج نحو الداخل. هذا التوتر بين “اقتصاد التصدير” و”اقتصاد الحاجيات” ليس جديدا، لكنه اليوم يكتسب حدة أكبر بفعل تقلبات الأسعار العالمية، وتغيرات المناخ، وارتفاع كلفة المدخلات الفلاحية.

في العمق، تبدو أزمة الطماطم مجرد مرآة مكبرة لنقاش استراتيجي مؤجل: هل يمتلك المغرب فعلا سيادة غذائية تسمح له بالموازنة بين الداخل والخارج؟ أم أنه لا يزال عالقا في نموذج يجعل من التصدير أولوية—even على حساب الاستقرار الاجتماعي؟ الإجابة لا تكمن في قرارات ظرفية بوقف التصدير أو استئنافه، بل في إعادة بناء رؤية فلاحية متكاملة، تعيد الاعتبار للإنتاج الموجه للسوق المحلية، دون التفريط في المكتسبات التصديرية.

في النهاية، لا يمكن اختزال المعادلة في مواجهة بين “المواطن” و”التاجر”، لأن الخاسر الحقيقي قد يكون الاثنين معا، إذا استمر التعامل مع الأزمة بمنطق رد الفعل بدل التخطيط الاستراتيجي. السؤال الذي يفرض نفسه ليس من أولى اليوم، بل كيف يمكن بناء نموذج يجعل من أولوية المواطن رافعة—وليس عائقا—لقوة الاقتصاد الوطني.