بين الدعم الاجتماعي والرهان الانتخابي… الأحرار يعيدون تموضع “مول الحانوت” والصناع التقليديين

0
130
صور: موقع هيسبريس

في لحظة سياسية تتقاطع فيها الحسابات الاجتماعية مع إيقاع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يطفو إلى السطح تحرّك لافت داخل المشهد الحزبي المغربي، حيث يعلن حزب التجمع الوطني للأحرار التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة، عن اهتمام متزايد بفئتي “مول الحانوت” والصناع التقليديين، في سياق خطاب رسمي يضعهما في قلب النموذج التنموي والعدالة الاجتماعية.

غير أن هذا الخطاب، رغم ما يحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية مشروعة، يفتح في الوقت ذاته باباً واسعاً للتأويل السياسي: هل نحن أمام إعادة اعتبار لفئات مهملة تاريخياً؟ أم أمام إعادة تموضع انتخابي ذكي يستهدف إحدى أكثر الكتل الاجتماعية كثافة وتأثيراً في الحياة اليومية للمغاربة؟

فئات في قلب الاقتصاد… وعلى هامش السياسة

الأرقام المتداولة حول القطاع تكشف حجم الرهان. فالصناعة التقليدية تضم ما يقارب 2.7 مليون مهني ومهنية، بينما يُقدَّر عدد محلات البقالة والتجارة القريبة (الحوانت) بما بين 200 ألف و250 ألف وحدة، إضافة إلى مئات الآلاف في أنشطة موازية غير مهيكلة.

هذه ليست مجرد أرقام تقنية، بل كتلة اجتماعية واسعة تنتشر في كل الأحياء والقرى والمدن، وتشتغل في تماس مباشر مع المواطنين. ومع ذلك، فهي تاريخياً:

  • ضعيفة التأطير النقابي والسياسي

  • شديدة التأثر بالقرارات الاقتصادية (الأسعار، الضرائب، الدعم)

  • غير ممثلة بوزنها الحقيقي داخل النقاش العمومي

وهنا تكمن المفارقة: فئة “موجودة في كل مكان”، لكنها “غائبة نسبياً عن القرار”.

“مول الحانوت”… من التاجر الصغير إلى فاعل اجتماعي

في الخطاب الرسمي، لم يعد “مول الحانوت” مجرد بائع قرب، بل يُقدَّم باعتباره عنصراً أساسياً في الاستقرار الاجتماعي وضمان الأمن الغذائي. هذا التحول في التوصيف ليس تفصيلاً لغوياً، بل يعكس إعادة تعريف لدور اقتصادي-اجتماعي حساس.

فـ”الحانوت” في البنية المغربية ليس فقط فضاءً تجارياً، بل:

  • نقطة توزيع يومية للغذاء والمواد الأساسية

  • فضاء ثقة وعلاقة مباشرة مع الأسر

  • مرآة فورية للقدرة الشرائية والتضخم

وبالتالي، فإن أي خطاب سياسي يقترب منه، يقترب تلقائياً من “المعيشة اليومية” للناخب، وليس من مجرد قطاع اقتصادي معزول.

خطاب حكومي بلغة الدعم… في موسم انتخابي حساس

تصريحات مسؤولين في الحكومة المنتمية إلى التجمع الوطني للأحرار، من بينهم لحسن السعدي وكريم زيدان، ركزت على تثمين دور هذه الفئات، والإشارة إلى إجراءات مثل التغطية الصحية، والبطاقة المهنية للصناع التقليديين، وآليات دعم المقاولات الصغيرة.

هذه الإجراءات تُقدَّم رسمياً كجزء من ورش اجتماعي-اقتصادي طويل الأمد، غير أن توقيتها السياسي يكتسب دلالة خاصة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، حيث تصبح كل سياسة اجتماعية قابلة للقراءة من زاويتين:

  • زاوية الإصلاح العمومي طويل المدى

  • وزاوية الأثر الانتخابي المباشر

وهنا يظهر السؤال الذي يفرض نفسه في التحليل السياسي: هل نحن أمام سياسات عمومية تُسوَّق في لحظة انتخابية؟ أم أمام خطاب انتخابي يتغلف بلغة السياسات العمومية؟

اقتصاد غير مهيكل… وكتلة انتخابية قابلة للتحريك

من زاوية أعمق، لا يمكن فهم هذا التوجه دون التوقف عند طبيعة هذه الفئات داخل الاقتصاد المغربي. فجزء كبير من الحرفيين وأصحاب الحوانت ينتمي إلى ما يُسمى بالاقتصاد غير المهيكل أو شبه المهيكل، وهو قطاع يتميز بثلاث خصائص مركزية:

  • انتشار جغرافي واسع في كل التراب الوطني

  • هشاشة اقتصادية تجعل الاستجابة للسياسات الاجتماعية سريعة

  • ضعف الارتباط بالأحزاب والمؤسسات الوسيطة

وهذا ما يجعل هذه الكتلة الاجتماعية “مرنة سياسياً”، بمعنى أنها قابلة للتأثير السريع عبر أدوات الدعم، أو التسهيلات، أو الرسائل الاجتماعية المباشرة.

بعبارة أخرى، نحن أمام فئة ليست فقط اقتصادية، بل أيضاً “قابلة للتعبئة السياسية” بشكل غير مباشر.

بين الاعتراف الاجتماعي والرهان الانتخابي

لا يمكن إنكار أن هذه الفئات ظلت لعقود في هامش السياسات العمومية، وأن الاعتراف بدورها اليوم يمثل تصحيحاً لمسار طويل من الإهمال النسبي. لكن في المقابل، فإن دخولها المكثف إلى الخطاب السياسي في لحظة انتخابية يفرض قراءة مزدوجة:

  • قراءة تعتبره تصحيحاً اجتماعياً متأخراً

  • وقراءة تعتبره استثماراً سياسياً في قاعدة انتخابية واسعة وغير مؤطرة

وهنا بالضبط تتجلى حساسية اللحظة: حيث يصبح الخط الفاصل بين “السياسة العمومية” و”الرسالة الانتخابية” أكثر ضبابية.

خلاصة مفتوحة على التأويل

ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في كونه مجرد احتفاء بـ”مول الحانوت” أو بالصناع التقليديين. نحن أمام إعادة تموضع لقطاع اجتماعي واسع داخل الخطاب الرسمي، في لحظة سياسية دقيقة.

فإذا كان الاعتراف بدور هذه الفئات خطوة ضرورية لتصحيح اختلالات تاريخية، فإن توقيتها وسياقها الانتخابي يجعلانها أيضاً جزءاً من دينامية سياسية أوسع، حيث تتحول الفئات الاقتصادية الهشة إلى مفاتيح محتملة في هندسة التوازنات الانتخابية المقبلة.

وبين هذين المستويين—الإصلاح والانتخاب—يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام إدماج حقيقي لهذه الفئات في السياسات العمومية؟ أم أمام إعادة اكتشافها سياسياً في الوقت المناسب فقط؟