حين تنخفض الأسعار عالميًا… لماذا تتجمّد في محطات Shell وTotalEnergies؟ لغز المحروقات يكشف اختلال سوقٍ يضغط على جيوب المغاربة

0
120

لليوم الثالث على التوالي، يطفو إلى السطح مشهد يعكس أكثر من مجرد تفاوت في أسعار المحروقات بمحطات التوزيع، ليكشف في العمق عن اختلالات بنيوية في إيقاع السوق، وعن سؤال أوسع يتعلق بمدى شفافية وآليات تمرير أثر التقلبات الدولية إلى السوق المغربية.

ففي الوقت الذي بادرت فيه غالبية شركات التوزيع إلى خفض أسعار الغازوال والبنزين بنحو درهم واحد للتر، عقب تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية، اختارت محطات تابعة لكل من Shell وTotalEnergies الإبقاء على مستوياتها السعرية دون تعديل، في ما يشبه “تجميداً انتقائياً” يثير أكثر من علامة استفهام لدى المستهلكين والمهنيين على حد سواء.

هذا التباين في السلوك السعري لا يبدو مجرد تفصيل تقني عابر، بل يعكس تبايناً في قراءة لحظة السوق: هل يتعلق الأمر بتأخر تقني في التحيين؟ أم باستراتيجية تجارية تستثمر الفارق الزمني بين دورات المراجعة؟ أم أن الأمر يرتبط بهوامش ربح مرنة تُدار وفق اعتبارات داخلية لكل شركة على حدة؟

بين السوق الدولية والسوق المحلية: معادلة غير مكتملة

المعطيات الدولية تشير إلى أن أسعار النفط عرفت خلال الفترة الأخيرة تراجعاً نسبياً، مدفوعة بتهدئة في بعض بؤر التوتر الجيوسياسي، خاصة في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس على سعر خام برنت الذي يُعد المرجع الأساسي في التسعير العالمي.

وتوضح تقارير صادرة عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن أسواق النفط خلال هذه المرحلة تتسم بـ”حساسية عالية” تجاه الأخبار الجيوسياسية، لكنها في الوقت ذاته تشهد تصحيحاً تدريجياً بعد موجات ارتفاع سابقة.

في الحالة المغربية، تصبح هذه التحولات أكثر تعقيداً، بحكم أن المملكة تستورد أكثر من 94% من حاجياتها الطاقية، ما يجعلها مرتبطة مباشرة بتقلبات الأسواق الدولية، سواء على مستوى الخام أو تكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد.

تحرير الأسعار… بين منطق السوق وحدود الضبط

منذ قرار تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، دخل المغرب مرحلة جديدة من تدبير هذا القطاع، قائمة على مرونة الأسعار وربطها بالسوق الدولية، لكن هذه المرونة سرعان ما كشفت عن إشكال بنيوي يتعلق بسرعة نقل الانخفاضات مقارنة بسرعة تمرير الزيادات.

فبينما تُمرر الزيادات إلى السوق بشكل شبه فوري، غالباً في دورات زمنية لا تتجاوز 15 يوماً، يتأخر في المقابل انعكاس الانخفاضات، ما يخلق إحساساً عاماً بعدم التوازن في العلاقة بين السوق والمستهلك.

هذا الوضع أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود “التنظيم الذاتي” للقطاع، ودور مؤسسات الرقابة، وعلى رأسها مجلس المنافسة، في ضمان توازن فعلي بين الفاعلين وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

المستهلك بين ضغط الأسعار وتآكل القدرة الشرائية

انعكاسات هذا الوضع لا تتوقف عند حدود محطات الوقود، بل تمتد إلى الاقتصاد اليومي للمواطن. فارتفاع أسعار النقل والخدمات اللوجستية ينعكس مباشرة على أسعار المواد الاستهلاكية، ما يخلق سلسلة تضخمية غير مباشرة تمس الأسر بشكل يومي.

مهنيون في قطاع النقل والخدمات يؤكدون أن تقلبات أسعار المحروقات أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في كلفة التشغيل، وهو ما يدفعهم أحياناً إلى مراجعة أسعار الخدمات بشكل متكرر، في غياب آليات تعويض أو دعم مستقر.

سؤال الشفافية وإيقاع السوق

في خلفية هذا المشهد، يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل يعكس اختلاف سلوك الشركات مجرد حرية تنافسية طبيعية داخل سوق محررة، أم أنه يكشف عن اختلال في شفافية نقل المعلومة السعرية وفي سرعة الاستجابة لتقلبات السوق الدولية؟

يرى عدد من المتتبعين أن استمرار هذا التفاوت، في سياق سوق يفترض أنها موحدة المرجعيات، يعزز الحاجة إلى إعادة تقييم آليات التسعير غير المعلنة، وإلى تعزيز أدوات الرقابة لضمان ألا تتحول مرونة السوق إلى عبء دائم على المستهلك.

في المحصلة، لا يبدو أن النقاش حول أسعار المحروقات في المغرب هو نقاش تقني صرف، بل هو في جوهره نقاش حول توازن السوق، وعدالة الانتقال السعري، وحدود التفاعل بين الاقتصاد العالمي والقدرة الشرائية المحلية، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات التجارية مع رهانات اجتماعية حساسة.