مهرجان الأطلس للفيلم الدولي بإيموزار كندر: السينما حين تتحول إلى ذاكرة للمكان وقوة لإعادة تشكيل التنمية والوعي

0
140

في إيموزار كندر، حيث تتقاطع الطبيعة مع الذاكرة، يواصل مهرجان الأطلس للفيلم الدولي ترسيخ حضوره كموعد سينمائي وثقافي يتجاوز منطق التظاهرة إلى منطق المشروع. فالدورة الرابعة، التي تنظمها جمعية مهرجان الأطلس للفيلم الدولي، لا تبدو مجرد محطة سنوية لعرض الأفلام، بل حلقة متقدمة في مسار يسعى إلى تثبيت هوية مهرجان ناشئ يراكم ملامحه الخاصة داخل المشهد السينمائي المغربي، عبر مزاوجة دقيقة بين الجمالي والتنموي، وبين الفرجة والتفكير.

منذ انطلاقه، تحرك هذا المهرجان في منطقة تتقاطع فيها السينما مع محيطها الاجتماعي والثقافي، واضعاً في صلب اختياراته فكرة الانفتاح على الفاعلين السينمائيين والنقاد والباحثين والجمهور في آن واحد. وهو ما جعل منه فضاءً لا يكتفي بعرض الصور، بل يطرح أسئلة الصورة ذاتها، ويستدرج النقاش حول أدوارها الممكنة في إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان ومجاله، وبين الفن وامتداداته في الحياة اليومية.

وتنعقد الدورة الرابعة ما بين 7 و10 ماي 2026 تحت شعار لافت ومكثف: “السينما في خدمة السياحة”. غير أن هذا الشعار، في عمقه، يتجاوز بعده الترويجي المباشر، ليحمل دلالة أوسع تتصل بقدرة السينما على إعادة اختراع المكان، وتحويل الجغرافيا إلى خطاب بصري، وإلى ذاكرة قابلة للقراءة والتأويل. فإيموزار كندر، بما تختزنه من مؤهلات طبيعية ومجالية، تتحول هنا إلى مادة سردية مفتوحة، تستعيد عبر العدسة السينمائية طاقتها على الحكي، وتستعيد معها المدينة موقعها داخل الخيال الثقافي.

داخل هذا السياق، يقدم المهرجان برمجة متعددة الأبعاد، تتقدمها المسابقات الدولية للأفلام القصيرة، الروائية منها والوثائقية، باعتبارها قلب التظاهرة النابض. هذه المسابقات لا تكتفي باستعراض تجارب مختلفة من بلدان وسياقات متعددة، بل تكشف أيضاً عن تحولات الكتابة السينمائية المعاصرة، وعن أسئلة الجيل الجديد من المبدعين الذين يبحثون عن لغاتهم البصرية الخاصة، بين التجريب والواقع، وبين الحكاية والوثيقة. وتضطلع لجان تحكيم مهنية، تضم أسماء في النقد والبحث والممارسة السينمائية، بمهمة تقييم هذه الأعمال وفق معايير جمالية وفكرية دقيقة، تعكس حرص المهرجان على ترسيخ منطق الجودة بدل منطق الكم.

غير أن ما يميز هذه التظاهرة لا يقف عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى فضاء الفكر، حيث تُفتح السينما على أسئلتها النظرية والأنثروبولوجية. وفي هذا الإطار، تحتضن الدورة ندوة فكرية تتمحور حول “توظيف الطقوس الروحية في السينما المغربية”، وهو موضوع يكشف عن رغبة في مساءلة العلاقة بين الصورة والمقدس، وبين التمثيل السينمائي والعمق الثقافي للطقس داخل المجتمع المغربي. هنا، لا تُفهم السينما فقط كأداة للحكي، بل كوسيط يعيد التفكير في الرموز، وفي تمثلات الروحي داخل المخيال البصري المعاصر. ويتعزز هذا البعد عبر إصدار كتاب جماعي يوثق مداخلات الندوة، في خطوة ترسخ تقليداً معرفياً يربط الحدث السينمائي بالفعل التوثيقي والنقدي.

وإلى جانب البعد الفكري، يفتح المهرجان مساحات للتكوين من خلال ورشات موجهة للشباب والمهتمين، تشمل مجالات متعددة مثل كتابة السيناريو، الإخراج، التصوير، المونتاج، وإدارة الممثل. هذه الورشات لا تقدم فقط مهارات تقنية، بل تشتغل على بناء حس سينمائي جديد، يربط بين الممارسة والتفكير، وبين التعلم والتجربة، في محاولة لتأهيل جيل قادر على الاندماج في صناعة سينمائية تتطور بسرعة وتتطلب كفاءات متعددة.

وفي لحظة رمزية موازية، يحرص المهرجان على تكريم أسماء فنية تركت بصمتها في السينما والتلفزيون، في اعتراف ضمني بقيمة الذاكرة الفنية ودورها في بناء الاستمرارية. فالتكريم هنا لا يُختزل في لحظة احتفالية، بل يتحول إلى فعل رمزي يعيد ربط الأجيال، ويستحضر مسارات رواد شكلوا جزءاً من الذاكرة البصرية المغربية، في مقابل تجارب جديدة تبحث عن طريقها الخاص.

بهذا المعنى، لا يبدو مهرجان الأطلس للفيلم الدولي مجرد منصة للعرض، بل فضاء مفتوح لإعادة التفكير في موقع السينما داخل المجتمع. إنه محاولة لبناء جسر بين الصورة والتنمية، بين الإبداع والمجال، وبين الفن وأسئلته الكبرى. وفي خلفية هذا التراكم، يتشكل المهرجان كورشة مستمرة لإعادة تعريف دور السينما، ليس فقط كفن للفرجة، بل كقوة رمزية قادرة على اقتراح طرق جديدة لرؤية العالم، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه الثقافي والرمزي.