سوس ماسة تُدار بالفرنسية: حين تتحول المؤسسات الجهوية إلى مفترق صادم بين الدستور والهوية الأمازيغية

0
122

في تدوينة رصدها مراسلوا جريدة “المغرب الآن” على منصة “إكس”، للصحافي محمد واموسي، طُرح موضوع حساس يعيد إلى الواجهة سؤال اللغة داخل المؤسسات المنتخبة بالمغرب، وحدود التوازن بين التعدد اللغوي والرمزية الهوياتية في الفضاء العمومي. يتعلق الأمر باجتماع لمجلس جهة سوس ماسة بأكادير، حيث أُثير أن أشغال الدورة جرت باللغة الفرنسية، في سياق إداري رسمي يفترض أنه يمثل ساكنة تنتمي في غالبيتها إلى فضاء لغوي أمازيغي وعربي.

هذا المعطى، كما ورد في التدوينة، لا يتوقف عند مستوى الشكل اللغوي للاجتماع، بل يفتح نقاشاً أوسع حول دلالات اختيار اللغة داخل المؤسسات الجهوية، خصوصاً في جهة تُعد من أبرز الحواضن التاريخية والثقافية للأمازيغية في المغرب. فبين من يرى في اعتماد الفرنسية امتداداً عملياً لاعتبارات تقنية وإدارية مرتبطة بالتكوين والتواصل المؤسساتي، وبين من يعتبره استمراراً غير معلن لهيمنة لغوية قد لا تعكس بشكل دقيق الهوية اللغوية للساكنة، يتجدد الجدل حول معنى “التمثيلية” داخل القرار الجهوي.

من زاوية أعمق، يطرح هذا النقاش إشكالية تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية كلغة دستورية، ومدى حضورها الفعلي في تدبير الشأن المحلي والجهوي. فالدستور المغربي اعترف بالأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، غير أن مسار تفعيل هذا الاعتراف ما يزال، حسب متابعين، يراوح بين التقدم التدريجي والاختلالات في التطبيق داخل المؤسسات العمومية، بما فيها المجالس المنتخبة.

وفي السياق ذاته، تعكس هذه الحالات توتراً صامتاً بين منطق التدبير الإداري القائم على “الفعالية التواصلية” كما يُبرر أحياناً، ومنطق “الرمزية الثقافية” المرتبطة بالهوية المحلية. وهو توتر لا يقتصر على جهة سوس ماسة، بل ينسحب على عدة مجالات ترابية حيث تتقاطع العربية والأمازيغية والفرنسية في فضاء واحد، دون حسم نهائي لمكانة كل لغة في الوظيفة العمومية اليومية.

كما تثير الواقعة، كما تم تداولها، سؤالاً آخر يتعلق بإدماج المواطنين فعلياً في النقاش العمومي الجهوي، عندما تصبح اللغة حاجزاً غير مرئي أمام الفهم الكامل لمجريات الاجتماعات بالنسبة لشرائح واسعة من الساكنة. وهو ما يعيد طرح إشكالية الترجمة المؤسساتية، ليس فقط كخدمة تقنية، بل كآلية لضمان المشاركة الديمقراطية في صناعة القرار المحلي.

وبينما تُختتم التدوينة بإشارة رمزية إلى هوية بعض الفاعلين السياسيين باعتبارهم “أمازيغ في الجوهر”، فإن النقاش الحقيقي الذي تفتحه يتجاوز الأفراد ليصل إلى بنية القرار اللغوي داخل المؤسسات: من يحدد لغة الاشتغال؟ وبأي معيار تُختار؟ وهل يمكن تحقيق توازن فعلي بين النجاعة الإدارية واحترام التعدد اللغوي كجزء من الهوية الوطنية المركبة؟

إنها أسئلة لا تُطرح فقط في سياق حادثة معزولة، بل في إطار تحولات أوسع يعيشها المغرب في تدبير تنوعه اللغوي والثقافي، حيث يصبح المجلس الجهوي مرآة مصغرة لصراع هادئ بين الذاكرة والحداثة، وبين الهوية كما تُعاش، واللغة كما تُدار.