الدعوة إلى حلّ البيجيدي تشعل أخطر معركة بالمغرب.. هل تحوّل التخوين إلى سلاح لضرب التعددية تحت غطاء حماية الملكية؟

0
79

لم يكن الفيديو الذي حمل عنوان “البيجيدي وتصرفات الملك في السياسة.. لماذا يزايد الصنايبي على المؤسسات السيادية في المغرب؟” مجرد محتوى يوتوبي عابر يدخل في خانة السجال السياسي التقليدي، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة رسم الحدود الفاصلة بين الدولة والسياسة، بين الشرعية والاختلاف، وبين المؤسسة الحزبية والمؤسسة السيادية. فحين يخرج شخص يقدَّم باعتباره “محللاً استراتيجياً” أو “خبيراً في الأمن القومي” للمطالبة بشكل غير مباشر بحل حزب سياسي قاد الحكومة المغربية لولايتين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحزب العدالة والتنمية، بل يتحول إلى نقاش أعمق حول طبيعة النموذج السياسي المغربي نفسه، وحول حدود الاختلاف داخل دولة اختارت منذ سنوات إدارة تناقضاتها عبر منطق التوازن لا منطق الاجتثاث.

الفيديو منذ دقائقه الأولى لم يُخفِ نبرته الهجومية. اللغة المستعملة لم تكن لغة تحليل سياسي هادئ، بل لغة تعبئة وتحريض واستدعاء لمفاهيم ثقيلة من قبيل “الأمن القومي”، “الأجندات الخارجية”، “الاستئصال”، “الخيانة”، “الاختراق”، و”التقصير الأمني”. وهي مفردات لا تدخل عادة في خانة النقاش الديمقراطي الطبيعي، بل تُستعمل غالباً في اللحظات التي يراد فيها خلق حالة خوف جماعي أو إعادة تشكيل وعي سياسي قائم على منطق العدو الداخلي. وهنا بالضبط تبدأ خطورة الخطاب، لأن الانتقال من نقد حزب سياسي إلى تصويره كتهديد وجودي للدولة يفتح الباب أمام إعادة إنتاج مناخات عربية مأزومة دفعت فيها مجتمعات بأكملها ثمن تحويل السياسة إلى معركة بقاء.

اللافت في الفيديو أنه لم يهاجم العدالة والتنمية باعتباره حزباً أخطأ في التدبير أو فشل في ملفات اقتصادية أو اجتماعية، وهي أمور تدخل ضمن العمل السياسي الطبيعي، بل ذهب أبعد من ذلك، حين حاول الإيحاء بأن الحزب يشكل خطراً بنيوياً على الدولة والمجتمع. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا يتم تصوير حزب اشتغل لسنوات داخل المؤسسات الدستورية، وتحت إشراف المؤسسة الملكية نفسها، وكأنه تنظيم معادٍ للدولة؟ وإذا كان الحزب خطراً بالفعل، فلماذا تم تمكينه من رئاسة الحكومة لعقد كامل؟ وهل يُعقل أن تكون الدولة التي تدير توازناتها بدقة عاجزة عن فهم طبيعة حزب اشتغلت معه لعشر سنوات؟

هذه الأسئلة تكشف التناقض الكبير داخل الخطاب المطروح في الفيديو. فمن جهة، يتم تقديم الدولة المغربية كمؤسسة قوية، ذكية، متحكمة في توازناتها، قادرة على إدارة الملفات الإقليمية والدولية المعقدة، ومن جهة أخرى يُراد إقناع المتلقي بأن هذه الدولة نفسها “تساهلت” مع حزب يشكل خطراً على وجودها. هذا التناقض لا يضرب فقط مصداقية الخطاب، بل يضع المؤسسات السيادية نفسها في موقع الاتهام الضمني بالعجز أو سوء التقدير، وهو ما يجعل الفيديو، paradoxalement، أقرب إلى المزايدة على الدولة منه إلى الدفاع عنها.

في العمق، يبدو أن صاحب الفيديو لا يخوض معركة ضد حزب العدالة والتنمية بقدر ما يخوض معركة ضد فكرة “الإسلام السياسي المندمج داخل الدولة”. فالمشكلة بالنسبة لهذا النوع من الخطاب ليست في المعارضة أو النقد، بل في وجود تيار إسلامي قبل بقواعد اللعبة المؤسساتية، واعترف بالملكية، واشتغل داخل النظام، ونجح في الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. لأن هذا النموذج يُربك سرديات إقليمية كاملة قامت لعقود على معادلة بسيطة: إما الإسلاميون أو الدولة. بينما التجربة المغربية حاولت تقديم صيغة مختلفة قائمة على الاحتواء والتدبير والتوازن.

ولهذا لم يكن غريباً أن يربط الفيديو بين العدالة والتنمية وبين أجندات خارجية، أو أن يلمح إلى وجود “مختبرات إقليمية” تتحرك في الخلفية. فالصراع الحقيقي هنا ليس فقط مغربياً، بل هو جزء من صراع عربي أوسع حول مستقبل التيارات الإسلامية بعد مرحلة الربيع العربي. منذ سقوط تجارب الإسلام السياسي في بعض الدول العربية، ظهرت موجة إقليمية تعتبر أن أي حضور سياسي للإسلاميين—even داخل المؤسسات—يجب أن يُحاصر أو يُفكك أو يُستأصل. وفي هذا السياق يمكن فهم الإشارات المتكررة إلى أبوظبي وتل أبيب وغيرها، باعتبارها رموزاً لمحاور إقليمية ترى في أي تجربة سياسية ذات مرجعية إسلامية تهديداً استراتيجياً، حتى وإن كانت مندمجة داخل النظام الملكي المغربي.

لكن المفارقة أن المغرب تاريخياً لم يبنِ استقراره على منطق الإلغاء الكامل. قوة الدولة المغربية كانت دائماً في قدرتها على امتصاص التناقضات، وفتح المجال أمام مختلف التيارات للتعبير والمشاركة ضمن سقف الثوابت. ولذلك فإن الدعوات المتكررة إلى حل الأحزاب أو تجريم الاختلاف السياسي تصطدم مع طبيعة النموذج المغربي نفسه، الذي حافظ على توازنه لأنه لم يتحول إلى دولة الحزب الواحد أو الصوت الواحد.

الجزء الأكثر حساسية في الفيديو كان ذلك المتعلق بالمؤسسة الملكية. فالمتحدث حاول أن يطرح فكرة مفادها أن حزب العدالة والتنمية يميز بين “الملكية كشرعية” و”التدبير السياسي كبشر واجتهاد”. واستحضر لذلك كتاب “تصرفات الرسول بالإمامة” للعلامة أحمد الريسوني ليشرح كيف يمكن التمييز بين المقدس والبشري داخل العمل السياسي. هنا يدخل النقاش منطقة شديدة التعقيد في المغرب، لأن أي حديث عن حدود النقد السياسي المرتبط بالمؤسسة الملكية يُعتبر من أكثر الملفات حساسية داخل المجال العمومي.

لكن الخطير أن الفيديو لم يكتفِ بعرض هذا النقاش الفكري، بل حاول تقديمه وكأنه تمرد على الملكية نفسها، رغم أن التجربة السياسية للعدالة والتنمية منذ تأسيسه كانت قائمة على الاعتراف الصريح بإمارة المؤمنين وبالملكية الدستورية. بل إن الحزب، حتى في أشد لحظات خلافه مع بعض القرارات أو السياسات، لم يدخل أبداً في مواجهة مع شرعية النظام. لذلك يبدو أن الهدف الحقيقي ليس الدفاع عن المؤسسة الملكية، بل استعمالها كأداة لإحراج الخصوم السياسيين ووضعهم في زاوية الشبهة الوطنية.

ومن هنا نفهم لماذا بدا الفيديو وكأنه يوزع شهادات الوطنية والخيانة. فكل من يختلف مع بعض السياسات العمومية يُقدَّم كأنه ضد الدولة، وكل من يعارض توجهاً معيناً يصبح متهماً بخدمة أجندات خارجية. هذا النوع من الخطاب خطير لأنه يقتل السياسة نفسها. السياسة بطبيعتها قائمة على الاختلاف، أما حين يصبح الاختلاف خيانة، فإن النتيجة الطبيعية هي الخوف والصمت واغتيال المجال العمومي.

الفيديو حمل أيضاً بُعداً شخصياً واضحاً في تعامله مع عبد الحق الصنايبي. المتحدث لم يقدمه فقط كمحلل أو معلق سياسي، بل كشخص يحمل جراحاً قديمة مرتبطة بخروجه من وزارة الداخلية، ويحاول تصفية حساباته مع مرحلة كاملة. الإلحاح على فكرة “القائد المطرود” لم يكن تفصيلاً بريئاً، بل محاولة لربط مواقفه الحالية بعقدة شخصية أكثر منها بقناعة فكرية أو سياسية. وهنا يتحول التحليل السياسي إلى نوع من التشخيص النفسي لشخصية تعتبر أن معركتها مع حزب أو تيار هي امتداد لمعركة ذاتية مع الماضي.

لكن حتى هذا البعد الشخصي لا يمكن فصله عن السياق الإعلامي الجديد في المغرب والعالم العربي. فاليوم لم تعد المعارك تُخاض فقط داخل الأحزاب أو المؤسسات، بل أيضاً عبر اليوتيوب ومنصات التواصل، حيث تتحول الشخصيات المثيرة للجدل إلى فاعلين سياسيين مؤثرين. وكلما كان الخطاب أكثر صدامية واتهامية، ارتفعت نسب المشاهدة والتفاعل. ولذلك فجزء من هذا التصعيد مرتبط أيضاً باقتصاد الانتباه، حيث تصبح الإثارة السياسية وسيلة لبناء النفوذ الرقمي.

غير أن أخطر ما في الفيديو ربما هو محاولته خلق تعارض بين الدولة والمجتمع، عبر الإيحاء بأن هناك “مؤامرة” تستهدف الوطنيين والمثقفين والمعارضين للإسلاميين، وأن المؤسسات لا تقوم بواجبها في الحماية. هذا الخطاب يزرع الشك داخل الرأي العام، ويُنتج صورة لدولة مترددة أو مخترقة أو عاجزة، وهو ما قد يضر بصورة المؤسسات أكثر مما يضر الأحزاب المستهدفة.

وفي المقابل، يحاول الفيديو تقديم المغرب كأنه يقف على حافة “الاختراق الإخواني”، رغم أن الواقع السياسي المغربي أكثر تعقيداً من هذه الصور المبسطة. فالعدالة والتنمية نفسه خسر الانتخابات الأخيرة بشكل قاسٍ، وتراجع حضوره الشعبي، وتعرض لعقاب انتخابي واضح. أي أن المجتمع مارس حقه الديمقراطي في المحاسبة عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر الإقصاء الأمني أو الحل الإداري. وهذه نقطة جوهرية، لأن قوة المغرب كانت دائماً في قدرته على تدبير انتقالات السلطة والخلافات السياسية عبر المؤسسات، لا عبر منطق التصفية.

في النهاية، يبدو أن المعركة الحقيقية التي يكشفها هذا الفيديو ليست معركة ضد حزب بعينه، بل معركة حول طبيعة المغرب الذي يريده المغاربة. هل هو مغرب التعددية والتوازنات والتعايش بين المختلفين؟ أم مغرب التخوين والاستقطاب الحاد حيث يتحول كل خلاف سياسي إلى تهديد للأمن القومي؟ وهل المطلوب حماية الدولة فعلاً، أم احتكار الحديث باسم الدولة؟

ما يكشفه هذا السجال أيضاً أن المغرب يدخل مرحلة جديدة من التوتر الرمزي والإيديولوجي، حيث لم تعد المعركة حول البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية فقط، بل حول من يملك تعريف الوطنية، ومن يحق له الكلام باسم الملكية، ومن يحدد من هو “الوطني الحقيقي” ومن هو “الطابور الخامس”. وهي معركة خطيرة، لأن الدول التي تنزلق نحو تقسيم مواطنيها إلى وطنيين وخونة، غالباً ما تفقد بالتدريج قدرتها على إنتاج سياسة صحية ومتوازنة.

ولذلك فإن السؤال الذي يظل معلقاً بعد نهاية الفيديو ليس: هل يجب حل العدالة والتنمية؟ بل: ماذا يحدث للمجال السياسي المغربي حين تتحول الدعوة إلى الإقصاء إلى مادة إعلامية عادية؟ وماذا يحدث للديمقراطية حين يصبح المطلوب من الأحزاب ليس التنافس، بل إثبات الولاء المستمر؟ هنا بالضبط تكمن العقدة الحقيقية التي حاول الفيديو إخفاءها خلف الضجيج العالي واللغة الحادة والشعارات الثقيلة.