الجامعة تُحاصَر من بوابة العدالة: مشروع قانون المحاماة يفجّر مواجهة “قاتلة” بين وهبي والأساتذة ويعيد رسم خريطة النخبة القانونية في المغرب

0
99

لم تعد المعركة الدائرة حول مشروع قانون المحاماة مجرد خلاف تقني حول مواد قانونية تنظم شروط الولوج إلى المهنة أو تضبط حالات التنافي بين الوظائف، بل تحولت، في عمقها، إلى مواجهة مكشوفة حول طبيعة الدولة القانونية التي يُراد بناؤها في المغرب، وحول موقع الجامعة داخل هندسة العدالة نفسها. فالمشهد الذي ارتسم، صباح الأربعاء، أمام البرلمان، حيث احتشد عشرات أساتذة العلوم القانونية والباحثين الجامعيين القادمين من مختلف المدن المغربية، لم يكن مجرد وقفة احتجاجية عابرة، بل بدا أشبه بإعلان حالة استنفار داخل الحقل القانوني ضد ما يعتبره المحتجون “إعادة رسم مقصودة” للعلاقة بين المعرفة القانونية والممارسة المهنية، بطريقة تهدد بتحويل الجامعة إلى فضاء نظري معزول عن نبض القضاء والمحاكم.

اللافت في هذا التصعيد أن الغضب الجامعي لم ينطلق فقط من الاعتراض على مقتضيات تقنية تخص مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، بل من إحساس متزايد داخل الأوساط الأكاديمية بأن وزارة العدل، بقيادة عبد اللطيف وهبي، تتجه نحو صياغة تصور جديد للمهن القانونية قائم على الانغلاق المهني أكثر من الانفتاح المؤسساتي، وعلى بناء حدود فاصلة بين الجامعة وهيئات العدالة، بدل تعزيز الجسور بينهما. ولذلك لم تكن الشعارات المرفوعة، من قبيل “الجامعة جزء من العدالة” أو “الأستاذ الباحث ليس دخيلاً على المحاماة”، مجرد عبارات احتجاجية، بل كانت تعبيراً عن خوف حقيقي من أن يتحول الإصلاح القانوني إلى عملية “إقصاء مقنّن” للكفاءات الأكاديمية من المجال المهني.

وفي العمق، تكشف هذه الأزمة عن سؤال أكبر من مجرد التنافي بين التدريس الجامعي والمحاماة: هل تنظر الدولة إلى الأستاذ الباحث باعتباره شريكاً في إنتاج العدالة أم مجرد موظف أكاديمي معزول عن الواقع القضائي؟ فالمواد المثيرة للجدل، وخاصة المادتين 13 و14، لا تكتفي بالإبقاء على حالة التنافي، بل تفرض، وفق المحتجين، شروطاً توصف بأنها تعجيزية، من قبيل اشتراط الاستقالة الكاملة من الجامعة بالنسبة للراغبين في ولوج المهنة، إلى جانب تحديد سقف سن الولوج في 55 سنة. وهي شروط يعتبرها الأساتذة ليس فقط تضييقاً مهنياً، بل أيضاً هدراً استراتيجياً للرأسمال البشري القانوني الذي راكمته الجامعات المغربية لعقود.

ومن هنا، تبدو المفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن إصلاح العدالة وتحديث المنظومة القضائية وتأهيل الكفاءات لمواكبة التحولات الكبرى المرتبطة بالرقمنة والتحكيم والاستثمار والقانون الدولي، يجري ـ وفق المنتقدين ـ إبعاد الفئة الأكثر التصاقاً بالإنتاج المعرفي القانوني عن قلب الممارسة المهنية. وهذا ما يفسر الحدة غير المسبوقة في خطاب الأساتذة المحتجين، الذين يرون أن المشروع لا يعكس فقط توجهاً تنظيمياً، بل يكشف فلسفة كاملة تعتبر الجامعة فضاء نظرياً منفصلاً عن “السوق المهني”، في تناقض واضح مع التجارب المقارنة في عدد من الأنظمة القانونية الحديثة.

فالعديد من الدول الأوروبية، التي تُستحضر اليوم في النقاش المغربي، تعتبر الجمع بين التدريس الجامعي وممارسة المحاماة عنصر قوة لا نقطة ضعف، لأنه يسمح بتغذية القضاء والمحاماة بالبحث العلمي والاجتهاد الأكاديمي، وفي المقابل يُدخل إلى الجامعة الخبرة العملية وتطورات المحاكم وسيرورة الاجتهاد القضائي. أما في المغرب، فيخشى المحتجون أن يتحول المشروع الحالي إلى آلية لعزل الجامعة عن التحولات الحقيقية التي يعرفها الحقل القضائي، بما يؤدي تدريجياً إلى إنتاج تعليم قانوني نظري فاقد للاتصال بالممارسة اليومية للعدالة.

لكن خلف هذا الجدل القانوني الظاهر، تبرز أبعاد أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة العلاقة المتوترة أصلاً بين وزارة العدل ومكونات الحقل القانوني. فمشروع قانون المحاماة ليس أول ملف يفجر الاحتقان داخل القطاع، إذ سبقه توتر مع العدول، ونقاشات حادة حول تعديلات مرتبطة بالمهن القضائية، ما يكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة بنصوص معزولة، بل بطريقة تدبير ورش العدالة نفسه. فثمة شعور متنامٍ لدى عدد من الفاعلين بأن الإصلاحات تُصاغ بمنطق فوقي، أكثر مما تُبنى عبر توافقات مهنية ومؤسساتية واسعة، وهو ما يفسر اتساع دائرة الرفض والتوجس.

وفي هذا السياق، يبدو أن معركة أساتذة القانون تتجاوز الدفاع عن “حق مهني” ضيق، لتتحول إلى مواجهة حول هوية الجامعة المغربية نفسها. فحين يُطلب من أستاذ باحث قضى سنوات في التكوين والبحث والإشراف الأكاديمي أن يستقيل نهائياً من الجامعة فقط لممارسة المحاماة، فإن الرسالة التي تُلتقط داخل الأوساط الجامعية هي أن الدولة لم تعد ترى في الجامعة خزّاناً استراتيجياً للعدالة، بل مجرد مؤسسة منفصلة عن دينامية المهن القانونية. وهذا ما يفسر استعمال المحتجين لعبارات من قبيل “تجفيف الجامعة من كفاءاتها”، باعتبار أن دفع الأساتذة إلى الاختيار الحاد بين الجامعة والمحاماة قد يؤدي عملياً إلى نزيف صامت داخل كليات الحقوق.

الأخطر من ذلك أن هذا الجدل يأتي في لحظة يعيش فيها المغرب تحولات قانونية وقضائية متسارعة، تفرض الحاجة إلى نخب قانونية تجمع بين العمق النظري والخبرة التطبيقية. فالقضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتحكيم الدولي، والنزاعات العابرة للحدود، لم تعد تحتمل الفصل التقليدي بين الأكاديمي والمهني، لأن العدالة الحديثة أصبحت قائمة على التكامل بين البحث والممارسة، بين الجامعة والمحكمة، وبين الفكر القانوني والاجتهاد القضائي.

ومن هنا، فإن ما يجري اليوم أمام البرلمان لا يمكن قراءته كاحتجاج فئوي محدود، بل كمؤشر على أزمة ثقة آخذة في الاتساع داخل الحقل القانوني المغربي. أزمة تكشف أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من يحق له ممارسة المحاماة؟ بل أصبح: أي نموذج للعدالة يريد المغرب بناءه؟ عدالة منفتحة على الجامعة والمعرفة والخبرة التراكمية، أم منظومة مغلقة تحاصر نفسها داخل حدود مهنية ضيقة؟

وفي انتظار ما ستؤول إليه مناقشات مشروع القانون، يبدو واضحاً أن المعركة مرشحة لمزيد من التصعيد، ليس فقط لأن الأساتذة يرفضون مواد قانونية بعينها، بل لأنهم يعتبرون أن المشروع يمس بصورة الجامعة ووظيفتها داخل الدولة الحديثة. ولذلك فإن استمرار سياسة “الآذان الصماء”، كما يصفها المحتجون، قد لا يؤدي فقط إلى تعميق أزمة مشروع المحاماة، بل إلى توسيع الشرخ بين مؤسسات يفترض أنها تشكل معاً العمود الفقري لمنظومة العدالة المغربية.