حين تُهزم “الرمزية” أمام الصندوق… هل قرأ محمد أوزين مستقبل مصطفى لخصم مبكرًا؟
في السياسة، ليست كل الهزائم تُقاس بعدد الأصوات، فبعض النتائج تتحول إلى رسائل سياسية جارحة، تُعيد ترتيب الأحجام وتكشف ما كان مخفيًا خلف الضجيج الإعلامي والشعبية الافتراضية. وما وقع في الانتخابات الجماعية الجزئية بإيموزار كندر لا يبدو مجرد تعثر انتخابي عابر للمصطفى لخصم، بل أقرب إلى لحظة سياسية فارقة، قد تعيد رسم مستقبله السياسي بالكامل، وتفتح الباب أمام قراءة جديدة لموقف الأمين العام لحزب حزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، الذي رفض منحه التزكية لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة.
النتيجة كانت صادمة بكل المقاييس: أربعة أصوات فقط لمرشح مدعوم مباشرة من طرف لخصم، بل ويحمل اسمه الشخصي وينتمي إلى دائرته العائلية الضيقة. في الأعراف السياسية المغربية، حين يفشل رئيس جماعة في إيصال مرشح “من البيت” إلى الحد الأدنى من الحضور الانتخابي، فذلك لا يُقرأ فقط كهزيمة لمرشح، بل كاختبار حقيقي لمدى النفوذ الشعبي والسياسي لصاحب المشروع نفسه. وهنا بالضبط تتحول الانتخابات الجزئية الصغيرة إلى “مختبر سياسي” يكشف الحجم الحقيقي بعيدًا عن الأضواء والكاميرات.
ما يجعل هذه النتيجة أكثر قسوة، أنها جاءت مباشرة بعد خروج مصطفى لخصم إعلاميًا للحديث عن “خذلان” قيادة الحركة الشعبية له، واتهامها بالمماطلة وعدم الوضوح بشأن منحه التزكية البرلمانية. يومها، بدا لخصم مقتنعًا بأن الحزب لم يُقدّر وزنه السياسي، وأنه قادر على فرض نفسه انتخابيًا سواء من داخل الحزب أو خارجه. لكن صناديق إيموزار كندر جاءت لتطرح سؤالًا معاكسًا: ماذا لو كان محمد أوزين يرى ما لم يكن يراه لخصم نفسه؟
في السياسة، الأحزاب لا تُدار بالعاطفة ولا بالشعبية الرقمية ولا حتى بالنجومية الرياضية، بل بمنطق “القدرة على جلب الأصوات”. وربما هذا ما جعل قيادة الحركة الشعبية تتردد في منح التزكية لرجل صنع لنفسه صورة قوية في الإعلام، لكنه لم ينجح في تحويل تلك الصورة إلى آلة انتخابية حقيقية على الأرض. فالأحزاب، خصوصًا في مرحلة ما قبل الانتخابات التشريعية، لا تبحث عن الأسماء اللامعة فقط، بل عن المرشحين القادرين على ضمان التوازنات المحلية، وضبط الشبكات الانتخابية، وفهم التعقيدات القبلية والعائلية والحزبية التي تتحكم في المزاج الانتخابي المغربي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: مصطفى لخصم نجح في بناء “رمزية فردية” كرجل رياضة وصوت احتجاجي داخل الجماعة، لكنه ربما لم ينجح في بناء “تنظيم سياسي” قادر على الصمود داخل المعارك الانتخابية الحقيقية. فالسياسة المغربية، خصوصًا في المدن الصغيرة والمتوسطة، لا تُحسم دائمًا بالكاريزما، بل بمن يملك النفوذ الهادئ، والعلاقات المتجذرة، والقدرة على تعبئة الناخبين في اللحظات الحاسمة.
الرسالة الأعمق في هذه الانتخابات لا تتعلق فقط بمستقبل لخصم، بل أيضًا بتحول العلاقة بين “المشاهير” والسياسة في المغرب. فخلال السنوات الأخيرة، دخل عدد من الوجوه الرياضية والفنية والإعلامية إلى المجال السياسي انطلاقًا من شعبيتهم الجماهيرية، لكن التجربة أظهرت أن الشهرة لا تتحول تلقائيًا إلى أصوات انتخابية. هناك فرق كبير بين جمهور يصفق في مواقع التواصل، وناخب يذهب صباحًا إلى صندوق الاقتراع.
كما أن ما وقع بإيموزار كندر يكشف شيئًا آخر أكثر حساسية: المواطن المحلي أصبح أكثر براغماتية وأقل انبهارًا بالصورة. فالناخب اليوم لا يصوت فقط للشخصية المعروفة، بل لمن يعتقد أنه قادر على حل مشاكله اليومية، من الماء والطرقات إلى التشغيل والخدمات. وهذا ما يجعل الانتخابات المحلية أكثر تعقيدًا من الخطابات الشعبوية أو الحضور الإعلامي.
في المقابل، قد يحاول البعض تقديم ما حدث باعتباره مجرد “حادث انتخابي صغير”، لكن توقيته السياسي يجعل منه أكبر من ذلك بكثير. فالمصطفى لخصم كان يبحث عمليًا عن تقديم نفسه كورقة انتخابية قوية قبل التشريعيات المقبلة، وكانت هذه الانتخابات فرصة لإرسال رسالة قوة إلى الأحزاب. غير أن الرسالة انقلبت عليه، وأصبحت الصناديق نفسها تُستخدم الآن كدليل ضد طموحه البرلماني.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل أخطأ مصطفى لخصم في تقدير حجمه السياسي؟ بل أيضًا: هل كان محمد أوزين يمارس نوعًا من “الفقه السياسي البارد” حين رفض منحه التزكية؟ أي هل قرأ الرجل مبكرًا حدود المشروع الانتخابي للخصم، وفضّل حماية الحزب من مغامرة قد تتحول إلى عبء انتخابي في دائرة حساسة مثل صفرو؟
السياسة في النهاية ليست حلبة قتال تُحسم بالاندفاع والقوة الرمزية، بل لعبة توازنات معقدة، يُكافأ فيها من يقرأ الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون. وما حدث في إيموزار كندر قد يكون لحظة اكتشاف مؤلمة لمصطفى لخصم: الفرق بين صناعة “الصورة” وصناعة “النفوذ”.