رحيل عبد الوهاب الدكالي… حين فقد المغرب آخر الأصوات التي كانت تُغنّي روحه

0
145
صورة : هسبريس

لم يكن خبر وفاة عبد الوهاب الدكالي مجرد إعلان عابر عن رحيل فنان كبير، بل بدا وكأن المغرب يودّع جزءًا من ذاكرته الوجدانية، وصوتًا ظل لعقود طويلة يختصر صورة الوطن في لحظات الحب والحنين والأسى والأمل. ومع الساعات الأولى لتأكيد خبر الوفاة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء جماعي للحزن، حيث لم يكن المغاربة ينعون فقط مطربًا أو ملحنًا، بل كانوا يستعيدون مرحلة كاملة من تاريخهم الثقافي، حين كانت الأغنية المغربية تصنع المعنى، وتحمل مشروعًا فنيًا وهوية حضارية تتجاوز حدود الترفيه.

رحيل صاحب “مرسول الحب” أعاد إلى الواجهة سؤالًا أعمق من مجرد فقدان قامة فنية: ماذا تبقى من الزمن الذي كانت فيه الأغنية المغربية جزءًا من القوة الناعمة للمملكة؟ فالدكالي لم يكن مجرد صوت ناجح جماهيريًا، بل كان مدرسة فنية متكاملة استطاعت أن تؤسس لجسر بين التراث المغربي والحداثة الموسيقية العربية. لقد جاء من جيل آمن بأن الأغنية ليست سلعة استهلاكية سريعة، بل بناء ثقافي طويل النفس، يحمل روح المجتمع وتحولاته وأحلامه الجماعية.

ولعل ما جعل وفاة الدكالي تهز وجدان المغاربة بهذا الشكل، هو أن الرجل ارتبط بمرحلة ذهبية من الفن المغربي، حين كانت الأسماء الكبيرة تشتغل على الكلمة واللحن والأداء باعتبارها مشروعًا حضاريًا متكاملًا. فقد استطاع أن يمنح الأغنية المغربية شخصية مستقلة داخل الفضاء العربي، بعيدًا عن الذوبان في النموذجين المصري أو المشرقي، وهو ما جعل أعماله تبدو وكأنها دفاع هادئ عن الخصوصية المغربية في زمن كانت فيه معارك الهوية الفنية محتدمة بصمت.

وتشير قراءات نقدية حديثة إلى أن تجربة الدكالي لم تكن فقط تجربة موسيقية، بل مساهمة في إعادة تشكيل الذوق العام المغربي والعربي، من خلال مزج المقامات العربية بالإيقاعات المغربية واللمسات المتوسطية، ما جعل مشروعه الفني أقرب إلى “ديوان موسيقي مغربي” يوثق لتحولات المجتمع والوجدان الجماعي.

الصدمة التي خلفها خبر الوفاة تضاعفت أيضًا بسبب التناقض المؤلم بين الحضور الرمزي القوي للدكالي وبين هشاشة الوضع الذي يعيشه الفن المغربي اليوم. فبينما كان اسم الراحل يعود بقوة في الأشهر الأخيرة عبر حفلات التكريم والاحتفاء الجماهيري، كانت الساحة الفنية تكشف في المقابل عن أزمة عميقة تتعلق بغياب مشاريع حقيقية لحفظ الذاكرة الفنية الوطنية. وقد شهدت الرباط والدار البيضاء مؤخرًا أمسيات موسيقية خاصة احتفت بمساره الفني، في إشارة إلى أن الأجيال الجديدة ما زالت تعتبره مرجعًا فنيًا وأحد آخر حراس “الزمن الجميل”.

غير أن رحيل الدكالي لا يفتح فقط ملف الوفاء للرموز الفنية، بل يطرح أيضًا أسئلة ثقيلة حول مستقبل الأغنية المغربية نفسها. فالرجل كان ينتمي إلى جيل يصنع الأغنية ببطء، ويؤمن بأن العمل الفني يعيش لعقود، بينما يعيش الفن اليوم تحت ضغط السرعة والاستهلاك الرقمي والخوارزميات. ومن هنا، فإن الحزن الجماعي على وفاته يخفي في عمقه خوفًا من انطفاء آخر الأصوات التي كانت تمنح للأغنية المغربية بعدها الإنساني والروحي، بعيدًا عن منطق “الترند” والاستهلاك اللحظي.

لقد تحول عبد الوهاب الدكالي، مع مرور الزمن، من مجرد فنان إلى رمز ثقافي عابر للأجيال. فحين يستمع المغاربة إلى “ما أنا إلا بشر” أو “مرسول الحب”، فهم لا يستحضرون فقط أغاني قديمة، بل يستعيدون زمنًا بكامله: البيوت المغربية القديمة، الإذاعات الوطنية، حفلات العائلة، ومراحل تشكل الوعي العاطفي والجمالي لجيل كامل. ولهذا بدا رحيله وكأنه انطفاء لجزء من الذاكرة الوطنية المشتركة.

ورغم الموت، فإن المفارقة الكبرى في مسيرة الدكالي تكمن في أن رحيله الجسدي قد يعيد بعث إرثه الفني من جديد. فالفنان الذي ظل لعقود يرفض الابتذال الفني ويصر على احترام ذوق الجمهور، يبدو اليوم أكثر حضورًا من كثير من الأسماء التي تملأ المشهد الرقمي. وربما لهذا السبب لم يكن الحزن على وفاته مجرد تعاطف مع إنسان رحل، بل كان أيضًا نوعًا من الحنين الجماعي إلى مغرب ثقافي كان يرى في الفن رسالة، لا مجرد صناعة عابرة.

ويؤكد متابعون للشأن الثقافي أن عبد الوهاب الدكالي ظل حتى سنواته الأخيرة يحتفظ بمكانته الرمزية داخل الوجدان المغربي، حيث استمرت حفلات التكريم والاحتفاء بأعماله الخالدة، كما ظهر في مناسبات فنية وإنسانية مؤثرة رغم وضعه الصحي الصعب.

ويؤكد متابعون للشأن الثقافي أن عبد الوهاب الدكالي ظل حتى سنواته الأخيرة يحتفظ بمكانته الرمزية داخل الوجدان المغربي، حيث استمرت حفلات التكريم والاحتفاء بأعماله الخالدة، كما ظهر في مناسبات فنية وإنسانية مؤثرة رغم وضعه الصحي الصعب.