بسبب موقع المغرب ودعمه لباماكو… الشاحنات المغربية تحترق في قلب حرب الساحل

0
98

لم تعد الشاحنات المغربية التي تعبر نحو العمق الإفريقي مجرد وسائل لنقل البضائع بين الموانئ والمدن الإفريقية، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى جزء من معركة جيوسياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز التجارة نحو إعادة رسم موازين النفوذ في منطقة الساحل وغرب إفريقيا. فالهجوم الذي استهدف عشرات الشاحنات المغربية قرب الحدود المالية ـ الموريتانية لا يمكن قراءته فقط كحادث أمني عابر أو كفعل إجرامي معزول، بل يبدو، في عمقه، رسالة سياسية مشفّرة موجهة إلى الرباط في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، خاصة بعد الموقف المغربي الواضح في دعم باماكو وإدانة الهجمات التي تضرب المنطقة.

في الظاهر، تبدو العملية امتدادا للفوضى الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل، حيث تنشط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والارتزاق العابر للحدود، غير أن التوقيت وطبيعة الاستهداف وتركيزه على الشاحنات المغربية تحديدا يفتح الباب أمام فرضية “العقاب السياسي غير المباشر”.

فالمغرب لم يعد بالنسبة إلى كثير من الفاعلين في الساحل مجرد شريك اقتصادي أو دبلوماسي، بل أصبح رقما مؤثرا في معادلة النفوذ الإقليمي، سواء عبر استثماراته، أو حضوره الديني والاقتصادي، أو عبر دعمه المتزايد للدول التي تواجه تمدد الجماعات المسلحة.

تصريحات الكاتب المالي وخبير شؤون الساحل حمدي جوارا تعكس هذا الإدراك المتصاعد داخل المنطقة، حين اعتبر أن استهداف الشاحنات المغربية يدخل في إطار “محاولة لمعاقبة الرباط” بسبب اصطفافها الواضح إلى جانب باماكو. وهي قراءة تكشف أن الحرب في الساحل لم تعد فقط حرب بنادق ومتفجرات، بل أيضا حرب رسائل وضغوط اقتصادية ونفسية، يكون المدنيون والسائقون في مقدمة ضحاياها.

لكن أخطر ما في هذه الاعتداءات ليس فقط احتراق ست شاحنات أو تعطّل أخرى، بل الأثر الإنساني الصامت الذي لا يظهر في البلاغات الرسمية. خلف كل شاحنة محترقة توجد أسرة مغربية تنتظر عودة أب أو أخ أو معيل قضى أسابيع في طرق صحراوية خطيرة من أجل لقمة العيش. فالسائق الدولي المغربي لم يعد مجرد مهني في قطاع النقل، بل أصبح يعيش يوميا على تماس مباشر مع مناطق النفوذ المسلح والانقلابات والتوترات الإقليمية. هؤلاء الرجال الذين يقطعون آلاف الكيلومترات بين المغرب ومالي وساحل العاج والسنغال وغينيا، يحملون فوق ظهورهم اقتصاد أسر كاملة، وأحيانا اقتصاد مدن صغيرة تعتمد على حركة التصدير نحو إفريقيا.

إن الحديث عن عدم تسجيل خسائر بشرية لا يلغي حجم الصدمة النفسية التي تعرض لها السائقون. فمشهد النيران المشتعلة في الشاحنات، وأصوات الرصاص، والخوف من الموت أو الاختطاف، كلها تتحول لاحقا إلى ذاكرة ثقيلة ترافق السائق وعائلته لسنوات. هنا يصبح السؤال الحقيقي: من يعوض الخوف؟ ومن يعوض أطفالا عاشوا ساعات من الرعب وهم ينتظرون اتصالا يؤكد أن آباءهم ما زالوا على قيد الحياة؟

كما أن هذه الهجمات تضرب في العمق واحدا من أهم التحولات الاستراتيجية التي راهن عليها المغرب خلال العقدين الأخيرين، وهو التوجه الاقتصادي نحو إفريقيا. فالممرات التجارية التي تربط المغرب ببلدان الساحل وغرب إفريقيا ليست فقط خطوطا لنقل الطماطم والأسماك والمنتجات الصناعية، بل هي شرايين مشروع جيواقتصادي ضخم تسعى الرباط من خلاله إلى تثبيت حضورها داخل القارة. لذلك فإن استهداف الشاحنات المغربية يحمل أيضا رسالة مفادها أن النفوذ الاقتصادي لا يمكن فصله عن التحديات الأمنية والعسكرية.

وفي خلفية هذا المشهد، تبرز معركة النفوذ الكبرى التي تعيشها منطقة الساحل بين قوى إقليمية ودولية متعددة. فكل اصطفاف سياسي جديد داخل المنطقة يولد تلقائيا ردود فعل مضادة، سواء عبر الإعلام أو الاقتصاد أو حتى عبر الفوضى المسلحة. ولذلك يبدو استهداف الشاحنات المغربية وكأنه محاولة لضرب صورة “المغرب الآمن والمؤثر” داخل إفريقيا، وإرسال إشارة إلى أن الانخراط في ملفات الساحل قد يكلّف الرباط ثمنا أمنيا واقتصاديا متزايدا.

غير أن اللافت في كل هذه الأحداث هو إصرار السائقين المغاربة على مواصلة الرحلات نحو مالي ودول الجوار رغم المخاطر. هذا الإصرار يكشف أن الأمر تجاوز منطق التجارة إلى ما يشبه “معركة صمود اقتصادية” يخوضها مهنيون بوسائل بسيطة في مواجهة واقع إقليمي معقد. فالسائق الذي يعبر الصحراء اليوم يعرف أنه قد لا يعود بشاحنته، لكنه يعود لأنه يدرك أيضا أن توقف هذا الخط التجاري يعني خنق مئات المقاولات الصغيرة والأسر التي تعيش من التصدير والنقل والخدمات المرتبطة به.

وفي مقابل ذلك، يطرح الحادث أسئلة محرجة حول مستوى الحماية الأمنية واللوجستية التي ترافق قوافل النقل المغربي نحو إفريقيا. فهل أصبح ضروريا التفكير في مواكبة أمنية إقليمية لهذه القوافل؟ وهل يمكن الاستمرار في الاعتماد على طرق توصف بأنها من أخطر الممرات في الساحل دون استراتيجية حماية مشتركة بين الدول المعنية؟ ثم إلى أي حد بات الاقتصاد المغربي الإفريقي رهينة للتقلبات الأمنية والعسكرية في المنطقة؟

إن ما جرى قرب الحدود المالية ليس مجرد حادث استهدف شاحنات نقل، بل إنذار سياسي وأمني يكشف أن المغرب، كلما تعمق حضوره داخل إفريقيا، أصبح أيضا أكثر عرضة لاستهدافات غير مباشرة من قوى ترى في تمدده تهديدا لمصالحها. وبين حسابات الجغرافيا السياسية ولهيب الشاحنات المحترقة، يبقى السائق المغربي الحلقة الأضعف في حرب نفوذ لا يراها على الخرائط، لكنه يعيشها كل يوم فوق طرق الموت الممتدة بين نواكشوط وباماكو.

ولا تعد هذه الحادثة الأولى من نوعها التي تستهدف سائقي الشاحنات المغاربة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، إذ شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الهجمات وعمليات الخطف والقتل التي طالت مهنيي النقل البري المغاربة.

ففي أغسطس الماضي، أعلنت السلطات المالية، بالتنسيق مع الوكالة الوطنية لأمن الدولة والمديرية العامة للدراسات والمستندات المغربية، تحرير أربعة سائقين مغاربة كانوا قد اختُطفوا في يناير 2025 على يد جماعة مسلحة شمال شرق بوركينا فاسو قرب الحدود مع النيجر.

وفي يناير من العام الماضي، تعرضت قافلة شاحنات مغربية لهجوم قرب الحدود المالية ـ الموريتانية، تبنته جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الموالية لتنظيم القاعدة.

أما في عام 2021، فقد قُتل سائقان مغربيان قرب العاصمة المالية باماكو داخل شاحنتين محملتين بالمواد الغذائية والأدوية، فيما أصيب آخرون بجروح متفاوتة.

وبحسب منظمات مهنية عاملة في قطاع النقل واللوجستيك، بلغ عدد الشاحنات المغربية التي تعرضت لهجمات واعتداءات من قبل الجماعات المسلحة في المنطقة نحو 30 شاحنة خلال عام 2023 وحده، في مؤشر يعكس تصاعد المخاطر الأمنية على طرق التجارة العابرة لمنطقة الساحل.