حين يصبح الشغب هو المباراة: الدار البيضاء أمام انهيار الحدّ الفاصل بين الملعب والشارع

0
63

في أحياء كثيرة بالدار البيضاء، يكفي أن تسمع صوت مفرقعة في منتصف الليل حتى يبدأ الناس بإغلاق النوافذ قبل أن يسألوا عمّا يحدث. لم يعد الصوت مجرد “شهاب ناري” يُستعمل في احتفال عابر، بل صار عند كثيرين إشارة خوف، ورسالة غير معلنة بأن الشارع دخل مرة أخرى في منطقة التوتر. هكذا تحوّلت كرة القدم، التي يفترض أن تكون مساحة للفرح الجماعي، إلى لحظات قلق يومي يعيشها سكان بعض الأحياء كلما اقترب موعد مباراة أو احتكاك بين فصائل المشجعين.

في الساعات الأولى من صباح الأحد، تدخلت عناصر الشرطة بمنطقة أمن مولاي رشيد بمدينة الدار البيضاء لتوقيف ثلاثة شبان تتراوح أعمارهم بين 19 و24 سنة، للاشتباه في تورطهم في أعمال عنف مرتبطة بالشغب الرياضي، بعد تداول شريط فيديو يوثق تبادل العنف باستعمال السلاح الأبيض والرشق بالشهب النارية.

التدخل الأمني كان سريعاً، لكنه أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من مجرد حادث معزول: لماذا تتحول بعض مباريات الكرة في المغرب إلى فضاءات لإنتاج العنف بدل احتواء الاحتقان الاجتماعي؟

القضية هنا لا تتعلق فقط بمجموعة شبان خرجوا عن القانون، بل ببنية اجتماعية كاملة تجد في “الألتراس” أحياناً بديلاً عن أشياء كثيرة غائبة. فالشاب الذي يقضي ساعات طويلة في الشارع، أو يعيش بطالة مقنعة، أو يشعر بأنه غير مرئي داخل المجتمع، يجد في فصيل المشجعين هوية جاهزة، وانتماءً فورياً، وصوتاً جماعياً يمنحه شعور القوة والاعتراف. ولهذا يصبح الصدام بين الفصائل أكثر من مجرد تنافس رياضي؛ يتحول إلى معركة رمزية حول النفوذ والانتماء وإثبات الوجود داخل المجال الحضري.

المثير أن العنف المرتبط بالشغب الرياضي لم يعد محصوراً داخل الملاعب. في السنوات الأخيرة، بدأت المواجهات تنتقل إلى الأزقة ومحطات الترام والحافلات والأحياء الشعبية، ما يعني أن الظاهرة خرجت من إطار “التشجيع المنفلت” إلى شكل من أشكال العنف الحضري المنظم أحياناً. وهذا التحول يكشف أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الظاهرة، لأن الاعتقالات المتكررة لا تنهي دائماً أسباب الاحتقان التي تعيد إنتاج نفس المشاهد.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه الأحداث عن مفارقة مغربية لافتة: الدولة تستثمر بشكل متزايد في البنيات الرياضية الكبرى، وتستعد لرهانات قارية ودولية ضخمة، بينما ما تزال بعض الفضاءات الاجتماعية المحيطة بكرة القدم تعاني هشاشة عميقة على مستوى التأطير والتربية الرياضية والثقافة المدنية. كأن الملاعب تتطور بسرعة أكبر من الإنسان الذي يجلس داخلها.

كما أن انتشار مقاطع العنف على مواقع التواصل الاجتماعي منح هذه الظاهرة بعداً جديداً. فبعض المشاركين في أعمال الشغب لم يعودوا يبحثون فقط عن “الانتصار” على فصيل منافس، بل عن صناعة صورة رقمية للهيبة والقوة داخل العالم الافتراضي. هنا يصبح الفيديو جزءاً من المعركة نفسها، وتتحول المنصات الرقمية إلى فضاء لإعادة إنتاج العنف وتضخيمه واستعراضه.

قانونياً، تدخل مثل هذه الأفعال ضمن جرائم يعاقب عليها القانون المغربي، خاصة عندما يتعلق الأمر بحيازة السلاح الأبيض أو تعريض سلامة المواطنين للخطر أو تخريب الممتلكات العامة والخاصة. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في العقوبة، بل في منع تشكل البيئة التي تجعل العنف يبدو للبعض وسيلة طبيعية للتعبير أو لإثبات الذات.

وربما أخطر ما تكشفه هذه الوقائع ليس عدد الموقوفين، بل ذلك الاعتياد الجماعي التدريجي على مشاهد العنف. حين يصبح خبر الشغب الرياضي خبراً عادياً، وحين يتعلم الأطفال التمييز بين أصوات المفرقعات وأصوات المواجهات، فالمشكلة لم تعد تخص كرة القدم وحدها، بل تخص صورة المدينة نفسها، وعلاقة الشباب بالفضاء العام، وقدرة المجتمع على تحويل الانتماء الرياضي من طاقة غضب إلى طاقة حياة.

في النهاية، لا يطرح شغب الملاعب سؤال الأمن فقط، بل يطرح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث داخل مجتمع تصبح فيه بعض الفصائل الرياضية أكثر قدرة على منح الشباب الإحساس بالهوية والانتماء مما تمنحه المدرسة أو الأسرة أو الفضاء الثقافي؟