في الصباح الباكر، يخرج آلاف الشباب المغاربة من أحياء هامشية وقرى بعيدة، يحملون شهادات أو خبرات بسيطة أو حتى مجرد أمل غامض، يتزاحمون أمام مقاهٍ صغيرة، أو يقفون قرب ورشات البناء، أو يفتحون هواتفهم بحثاً عن فرصة عمل جديدة في مجموعات “واتساب” و”فيسبوك”. بعضهم درس لسنوات، وبعضهم غادر المدرسة مبكراً، لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو ذلك السؤال الثقيل الذي صار جزءاً من الحياة اليومية المغربية: كيف يمكن لبلد يبني مصانع الطائرات والسيارات أن يعجز عن منح شبابه عملاً مستقراً؟
هذا السؤال لم يعد مجرد انطباع شعبي أو خطاب احتجاجي في الشارع، بل تحول اليوم إلى خلاصات تصدر حتى من مراكز التفكير الغربية نفسها. فالتقرير الأمريكي الصادر عن Stimson Center لا يتحدث عن دولة فاشلة اقتصادياً، بل عن مفارقة مغربية معقدة: بلد نجح في بناء واحد من أكثر الاقتصادات التصديرية اندماجاً في إفريقيا والعالم العربي، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذا النجاح إلى عدالة اجتماعية وفرص شغل واسعة ومستقرة.
المغرب، خلال العقدين الأخيرين، لم يكن بلداً ساكناً. الطرق السيارة تمددت، الموانئ تضخمت، القطارات فائقة السرعة ظهرت، والمناطق الصناعية الحرة تحولت إلى واجهة جديدة للمملكة. مصانع السيارات في طنجة والقنيطرة، وصناعات الطيران في الدار البيضاء، والاستثمارات الأجنبية المتدفقة، كلها جعلت من المغرب نموذجاً يثير إعجاب المؤسسات المالية الدولية. الصورة الخارجية بدت لسنوات وكأنها قصة نجاح إفريقية نادرة: استقرار سياسي، تضخم مضبوط، بنية تحتية متطورة، وقدرة على جذب المستثمرين في منطقة مليئة بالاضطرابات.
لكن داخل هذه الصورة اللامعة، كانت هناك قصة أخرى أقل ظهوراً. قصة شباب لا يجدون مكانهم داخل هذا الاقتصاد الجديد. فحين يقول التقرير إن بطالة الشباب تجاوزت 37 في المائة، فهو لا يتحدث فقط عن رقم إحصائي، بل عن جيل كامل يعيش حالة انتظار طويلة. انتظار وظيفة، انتظار استقرار، انتظار قدرة على الزواج أو بناء حياة طبيعية. الأخطر أن التقرير يرى بأن هذا الرقم نفسه لا يكشف الحقيقة كاملة، لأن آلاف الشابات والشبان غادروا أصلاً فكرة البحث عن العمل، بعدما فقدوا الثقة في السوق وفي الوعود المتكررة.
هنا تظهر المفارقة المغربية الكبرى: الاقتصاد الرسمي يتطور بسرعة، بينما الاقتصاد الحقيقي الذي يعيش فيه أغلب المغاربة ظل هشاً وغير مهيكل. فحين يكشف التقرير أن حوالي 80 في المائة من العمال يشتغلون خارج أي حماية قانونية أو اجتماعية، فإننا لا نتحدث عن استثناء، بل عن القاعدة نفسها. البائع المتجول، العامل اليومي، الحرفي الصغير، مستخدم المقهى غير المصرح به، عامل البناء الموسمي، النساء العاملات في وحدات غير مهيكلة… هؤلاء ليسوا هامش الاقتصاد المغربي، بل قلبه الحقيقي.
المثير في تحليل الخبير الأمريكي Paul Dyer أنه لا يهاجم فقط نتائج النموذج الاقتصادي، بل يشكك في فلسفته العميقة. فالمغرب، بحسبه، بنى نموذجاً قائماً على “الأقطاب التنافسية المغلقة”: مدن ساحلية تستفيد من الاستثمارات، ومناطق داخلية تظل خارج الدورة الاقتصادية الحديثة. وهنا لا يعود الحديث عن مجرد تفاوت جغرافي بين الرباط والدار البيضاء وطنجة من جهة، والقرى والمناطق الداخلية من جهة أخرى، بل عن تصور كامل للتنمية يقوم على خلق “جزر اقتصادية” متطورة وسط محيط اجتماعي هش.
ولهذا، فإن المصانع التي تبهر العالم لا تنعكس دائماً على حياة الناس البسطاء. فالعديد من فرص الشغل الصناعية الجديدة تتطلب مهارات محددة، أو تبقى محدودة عددياً مقارنة بحجم الطلب الاجتماعي الهائل. في المقابل، يستمر الاقتصاد غير المهيكل في ابتلاع ملايين المغاربة لأنه الأكثر قدرة على امتصاص البطالة، حتى ولو كان ذلك على حساب الكرامة الاجتماعية والاستقرار المهني.
التقرير يذهب أبعد من ذلك حين يفتح ملفاً شديد الحساسية: قوانين الشغل نفسها. فهنا يدخل المغرب في واحدة من أكثر المفارقات تعقيداً داخل العالم العربي. فالقوانين التي وُضعت لحماية الأجراء، وضمان التعويضات والتغطية الاجتماعية والحقوق النقابية، تحولت – بحسب التحليل – إلى عبء يدفع عدداً من المقاولات الصغيرة والمتوسطة نحو الهروب إلى القطاع غير الرسمي. ليس لأن أرباب العمل ضد الحماية الاجتماعية بالضرورة، بل لأن كلفة الامتثال للقوانين، والضرائب، والتصريح، وتعقيدات التشغيل والفصل، تجعل التوسع داخل الاقتصاد الرسمي مكلفاً ومخيفاً بالنسبة للكثيرين.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: هل يمكن حماية العمال داخل سوق شغل لا يدخل إليه أغلب العمال أصلاً؟
التقرير لا يقدم إجابات سهلة، لكنه يكشف التناقض الذي تعيشه الدولة المغربية منذ سنوات. فمن جهة، هناك ضغط اجتماعي ونقابي قوي للمحافظة على المكتسبات الاجتماعية وعدم تفكيك حقوق الأجراء. ومن جهة أخرى، هناك اقتصاد يحتاج إلى مرونة أكبر لاستيعاب ملايين الشباب العاطلين. وبين الطرفين، تتحرك الحكومات المغربية منذ سنوات داخل حقل ألغام اجتماعي وسياسي شديد الحساسية.
ولذلك لم يكن غريباً أن يثير قانون الإضراب لسنة 2025 كل ذلك الجدل والاحتجاجات. فالقضية لم تكن تقنية أو قانونية فقط، بل تعبيراً عن خوف جماعي أعمق: الخوف من أن يتحول إصلاح سوق الشغل إلى مدخل لتوسيع الهشاشة بدل تقليصها. فالمغربي الذي يعيش أصلاً تحت ضغط الغلاء، وارتفاع تكاليف السكن، وضعف الخدمات العمومية، لا يرى في “مرونة سوق العمل” مفهوماً اقتصادياً مجرداً، بل احتمالاً لفقدان ما تبقى من الأمان الاجتماعي.
وفي قلب هذا النقاش، يظهر سؤال التعليم والتكوين. فالمغرب أنفق لعقود على برامج الإدماج المهني والتكوين ودعم التشغيل، وأطلق مبادرات متتالية بشراكات دولية ضخمة، آخرها اتفاق بـ500 مليون دولار مع World Bank لدعم خارطة الطريق الوطنية للتشغيل. لكن التقرير الأمريكي يعتبر أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب البرامج فقط، بل في غياب التحول البنيوي الحقيقي داخل الاقتصاد نفسه.
فالاقتصاد الذي ينتج الثروة دون أن ينتج شغلاً واسعاً، يتحول تدريجياً إلى اقتصاد بأرقام قوية ومجتمع قلق. وهذا بالضبط ما يجعل التجربة المغربية معقدة ومثيرة للاهتمام في الوقت نفسه. لأن المملكة ليست دولة منهارة اقتصادياً، بل دولة نجحت في جزء كبير من معركة الاستقرار والاستثمار والبنية التحتية، لكنها لم تحسم بعد معركة “تقاسم ثمار النمو”.
ولهذا يستحضر التقرير تجارب شرق آسيا، مثل South Korea وSingapore وTaiwan، ليس بهدف المقارنة السطحية، بل للتذكير بأن المعجزة الصناعية الحقيقية ليست فقط في عدد المصانع أو حجم الصادرات، بل في قدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى طبقة وسطى واسعة وشغل مستقر وحراك اجتماعي حقيقي.
لكن العالم تغير. فالمنافسة الدولية أصبحت أعنف، وسلاسل الإنتاج العالمية أكثر تعقيداً، والذكاء الاصطناعي والأتمتة يقلصان الحاجة إلى اليد العاملة التقليدية. وهذا يعني أن المغرب يدخل اليوم سباقاً أكثر صعوبة مما واجهته دول آسيا في الثمانينيات.
ومع ذلك، يبقى السؤال المغربي قائماً بإلحاح: هل يمكن بناء قوة صناعية حقيقية دون بناء قوة اجتماعية موازية؟ وهل يكفي أن ترتفع أرقام الصادرات إذا ظل الشباب يشعر بأن المستقبل مغلق أمامه؟
في النهاية، لا يكشف هذا التقرير فقط أزمة شغل، بل يكشف أزمة معنى داخل النموذج التنموي نفسه. فالدولة التي تنجح في إقناع العالم بجاذبيتها الاقتصادية، مطالبة أيضاً بإقناع مواطنيها بأنهم جزء من هذا النجاح، لا مجرد متفرجين عليه من خلف أبواب المصانع والمناطق الحرة.
وربما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي اقتصاد ليس الفقر وحده، بل أن يتحول النمو نفسه إلى مشهد لا يرى الناس فيه أنفسهم.