حين تصبح الصورة امتيازاً مُقنَّناً: المغرب يعيد هندسة من يملك حق إنتاج السينما في عصر العبور العالمي

0
90

في صباحٍ يبدو عادياً في كواليس الصناعة السينمائية، يصل منتج أجنبي أو مغربي إلى المغرب محمّلاً بملف مشروع فيلم جديد. يتساءل أول ما يتساءل عنه ليس القصة ولا مواقع التصوير، بل: من يحق له تنفيذ هذا الإنتاج؟ ومن يملك مفاتيح الاشتغال داخل هذا المجال الذي يبدو حرّاً في ظاهره، لكنه محكوم بشبكة دقيقة من القواعد في عمقه؟ من هنا تبدأ الحكاية.

داخل هذا المشهد اليومي البسيط ظاهرياً، يطلّ موضوع “الاعتماد” ليس كإجراء إداري عابر، بل كآلية تنظيمية تُعيد رسم حدود الفعل السينمائي داخل المغرب، وتفصل بين ما هو وطني وما هو دولي، وبين من يملك صفة التنفيذ ومن يظل خارج الدائرة المهنية المعترف بها.

في العمق، يضع المركز السينمائي المغربي إطاراً واضحاً لا لبس فيه: تنفيذ الإنتاج السينمائي داخل المملكة ليس مجالاً مفتوحاً بلا شروط، بل هو نشاط منظم يرتبط بمنظومة اعتماد دقيقة. فالإنتاجات الوطنية لا تُنفذ إلا عبر شركات حاصلة على الاعتماد الوطني، بينما الإنتاجات الأجنبية تمر حصراً عبر حاملي الاعتماد الدولي، وكلاهما لا يُمنح إلا لشركات إنتاج تتوفر على ترخيص قانوني لمزاولة النشاط السينمائي.

https://www.ccm.ma/en/actualite.php?id=2295   

لكن خلف هذا التقسيم الإداري الظاهر، يتشكل سؤال أوسع: هل نحن أمام مجرد تنظيم تقني للسوق السينمائية، أم أمام هندسة دقيقة لاقتصاد ثقافي يحاول ضبط التوازن بين الانفتاح على الإنتاج العالمي وحماية البنية المهنية المحلية؟

المعطى القانوني هنا ليس تفصيلاً ثانوياً. فاشتراط الاعتماد يرتبط بمنطق أعمق يتعلق بالحوكمة الثقافية، وبكيفية توزيع المسؤولية داخل قطاع بات يجذب استثمارات دولية متزايدة، خاصة مع تحوّل المغرب إلى وجهة تصوير عالمية. هذا التحول يفرض بدوره رقابة مؤسساتية تضمن الشفافية، وتحمي الجودة المهنية، وتمنع الفوضى في سوق حساس يجمع بين الفن والاستثمار والسمعة الدولية.

اقتصادياً، يبدو أن هذا التنظيم يهدف أيضاً إلى خلق طبقة مهنية واضحة المعالم داخل قطاع الإنتاج، بما يسمح بتتبع المسؤولية القانونية والمالية لكل مشروع، ويضمن أن أي إنتاج—سواء وطني أو أجنبي—يمر عبر بوابات مؤهلة ومعترف بها. وهو ما يعكس رغبة في تحويل الصناعة السينمائية إلى مجال قابل للقياس والتقنين، بدل أن يبقى فضاءً مفتوحاً للاجتهادات الفردية غير المضبوطة.

اجتماعياً، يحمل هذا الإطار رسالة غير مباشرة حول مهنة الإنتاج نفسها: فهي ليست مجرد وساطة تقنية بين فكرة وصورة، بل مسؤولية مؤسساتية تستلزم الاعتراف، والتأهيل، والانخراط في نظام قانوني واضح. وهنا يظهر البعد الحاسم: السينما ليست فقط إبداعاً، بل أيضاً بنية تنظيمية تحكمها قواعد الدولة مثل أي قطاع اقتصادي آخر.

وفي خلفية هذا كله، يظل المغرب في موقع مزدوج: بلد يستقبل الإنتاجات الأجنبية بكثافة، وفي الوقت نفسه يسعى إلى حماية سيادته المهنية والتنظيمية على هذا القطاع. وهي معادلة دقيقة بين الانفتاح الاقتصادي والضبط المؤسساتي، بين جذب الاستثمار وعدم التفريط في معايير المهنة.

هكذا، لا يعود “الاعتماد” مجرد وثيقة إدارية، بل يتحول إلى علامة على من يحق له أن يكون داخل المشهد السينمائي ومن يبقى على هامشه، في صناعة لم تعد تُقاس فقط بالكاميرا والسيناريو، بل أيضاً بمدى احترامها لمنظومة تنظيمية تُحدد من يبدأ الحكاية ومن يملك حق إنهائها.

ويبقى السؤال الأعمق معلقاً خارج النص: حين تتحول السينما إلى مجال مُقنن بهذا الشكل، هل نحن أمام حماية للمهنة… أم أمام إعادة تشكيل هادئة لمن يملك حق إنتاج الصورة أصلاً؟