إسبانيا تنقل قضية سبتة إلى الملاعب.. وقميص «كلنا سبتة» يتحول إلى اختبار سياسي للاعبين

0
108

لم تكن الصورة التي خرج بها كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناتي من نفق ملعب مارتينيز فاليرو مجرد لقطة عابرة في مباراة إلتشي وريال مدريد. القميص الأبيض كان موجوداً، لكن الرسالة المكتوبة عليه لم تكن ظاهرة بالطريقة نفسها التي ظهرت بها على أجساد بقية اللاعبين. وبعد الصورة الجماعية، نزع مبابي وفينيسيوس القميص قبل التحية البروتوكولية، بينما احتفظ كوناتي به خلال المصافحة. هكذا انتقلت مبادرة «Todos somos caballas» من خانة التضامن الرياضي إلى نقاش حول ما إذا كان اللاعب ملزماً بإظهار رسالة تحمل، إلى جانب بعدها الاجتماعي المعلن، حمولة مرتبطة بقضية سبتة.

المبادرة لم تبدأ من ريال مدريد. أطلقتها جمعية رجال الأعمال في فالنسيا، وقبلت بها رابطة الدوري الإسباني، وظهرت في ثلاث مباريات هي ليفانتي وبرشلونة، وفياريال وبيتيس، ثم إلتشي وريال مدريد. وكان برشلونة الفريق الوحيد بين المشاركين في هذه المباريات الذي لم يرتدِ القميص مؤسسياً. أما في مباراة فياريال وبيتيس، فقد ارتداه الفريقان، وبينهما الدولي المغربي عبد الصمد الزلزولي.

العبارة التي تحملها القمصان هي «Todos somos caballas»، مع إشارة إلى سبتة وإلى «فرسان البحر» في النص الكامل للحملة. بالنسبة إلى منظمي المبادرة، الرسالة تضامن مع سكان المدينة بعد أزمة الهجرة التي شهدتها نهاية يوليوز. لكن وضعها في مباريات الدوري الإسباني، وتكرار اسم سبتة ورمزها داخل الملاعب، يجعل من الصعب فصل الرمز الرياضي تماماً عن القضية التي تحيط بالمدينة، خصوصاً عندما يدخل إليه لاعبون من جنسيات وخلفيات مختلفة.

هذا ما ظهر قبل أن يصل الجدل إلى لاعبي ريال مدريد.

عبد الصمد الزلزولي ارتدى القميص مع ريال بيتيس، ثم وجد نفسه أمام موجة من الانتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب. لم يقل اللاعب إن مشاركته تعني تبني موقف بشأن سيادة سبتة، بل قدم تفسيراً اجتماعياً وإنسانياً للمبادرة، وأكد في الوقت نفسه اعتزازه بالمغرب وتمثيله للمنتخب الوطني. وتلقت حالته دعماً من بيتيس ورابطة الليغا بعد الهجمات التي تعرض لها.

بعدها جاءت مباراة إلتشي وريال مدريد، لكن اتجاه الجدل انقلب.

هذه المرة، لم يكن اللاعب المغربي هو الذي ارتدى القميص كاملاً، بل ثلاثة من لاعبي ريال مدريد لم يظهروا به بالطريقة نفسها التي ظهر بها زملاؤهم. ووفق Cadena SER، أكدت مصادر رسمية لها أن ريال مدريد قبل مقترح إلتشي، لكنه يحترم «حساسية كل لاعب». كما أوضحت الإذاعة أن مبابي وفينيسيوس أبقيا القميص عند مستوى الصدر بحيث لا تظهر الرسالة كاملة، قبل أن ينزعاه في الممر المؤدي إلى التحية مع المنافسين.

المهم هنا أن النادي لم يقدم الواقعة باعتبارها موقفاً سياسياً موحداً لريال مدريد، ولم يقدم اللاعبون الثلاثة تفسيراً سياسياً مباشراً. لذلك لا يمكن تحويل الصور وحدها إلى إعلان عن موقفهم من وضع سبتة. ما يمكن إثباته هو أن المبادرة لم تُنفذ بالطريقة نفسها من جميع اللاعبين، وأن النادي اختار احترام اختلاف مواقفهم الشخصية.

وهذا التفصيل هو الذي جعل القميص نفسه أكثر تعقيداً مما أراده منظموه.

فلو كان الأمر مجرد إجراء تضامني رياضي لا يحتمل أكثر من معنى، لما أصبحت طريقة ارتدائه موضوعاً للنقاش في إسبانيا، ولما اضطر لاعب مغربي إلى شرح مشاركته أمام جمهور بلده، ولما أصبح امتناع ثلاثة لاعبين عن إظهار الرسالة بالكامل مادة إعلامية بحد ذاتها.

لكن قصة القميص بدأت خارج كرة القدم أصلاً.

في 30 و31 يوليوز، شهدت سبتة أزمة دخول جماعي كبيرة. وتشير نتائج بارومتر سبتمبر الصادر عن مركز البحوث السوسيولوجية الإسباني إلى أن 86.3 في المائة من الإسبان الذين شملهم الاستطلاع يعتبرون التفاهم مع المغرب «مهماً جداً أو مهماً إلى حد ما» لضمان أمن الحدود، مقابل 10.1 في المائة يرونه قليل الأهمية أو عديمها. وشمل الاستطلاع 4042 مقابلة بين 1 و4 شتنبر، أي بعد الأزمة بأسابيع قليلة. وفي الوقت نفسه، قال 82.2 في المائة إن من الضروري تعزيز الحدود لمنع دخول جماعي مماثل.

الأرقام لا تقول إن الإسبان متفقون على كل شيء بشأن المغرب أو سبتة. بالعكس، هي تضع أمام النقاش معادلة أكثر تعقيداً: مطالبة بتشديد الحدود، بالتوازي مع اعتبار التفاهم مع الرباط مهماً لأمن تلك الحدود. وحتى في مسألة وضع سبتة ومليلية، أفادت نتائج البارومتر بأن 77.1 في المائة يرونهما «إسبانيتين مثل أي إقليم آخر»، مقابل 14.3 في المائة اعتبروا وضعهما «غامضاً وخاصاً» يستدعي التفاهم والاتفاق مع المغرب.

ذلك يعني أن أزمة يوليوز لم تنتج خطاباً واحداً داخل إسبانيا، حتى عندما يتعلق الأمر بمدينتين تعتبرهما الدولة الإسبانية جزءاً من أراضيها.

ثم انتقلت المسألة إلى بروكسيل.

خلال جلسة في البرلمان الأوروبي في 15 شتنبر، قالت النائبة الإيطالية إيلاريا ساليس، العضو في مجموعة «The Left»، إن «سبتة ليست إسبانيا، وسبتة ليست أوروبا»، وربطت موقفها بموقع المدينة الجغرافي في إفريقيا وبما وصفته ببقايا الاستعمار الأوروبي. تصريحاتها أثارت ردود فعل في إسبانيا، لأنها دخلت مباشرة في منطقة ظل الخطاب الرسمي الإسباني يتعامل معها باعتبارها محسومة.

لم تكن أهمية كلام ساليس في كونه غيّر الوضع القانوني أو السياسي لسبتة؛ فهو لم يفعل ذلك. أهميته جاءت من المكان الذي قيل فيه ومن كونه أظهر أن العبارة التي تبدو بديهية داخل الخطاب الإسباني ليست بالضرورة محل إجماع داخل الفضاء الأوروبي نفسه.

وبين ملعب مارتينيز فاليرو والبرلمان الأوروبي، بدأت القضية تأخذ شكلاً مختلفاً.

في الملعب، يتحول الرمز السياسي إلى قميص. في البرلمان، تتحول المدينة إلى موضوع نقاش حول الجغرافيا والاستعمار. وفي استطلاع الرأي، تظهر علاقة أكثر براغماتية مع المغرب، حيث يرى 86.3 في المائة أن التفاهم مع الرباط مهم لأمن الحدود، بينما يطالب 82.2 في المائة بتعزيز الحدود. هذه الوقائع لا تنتج موقفاً إسبانياً واحداً بقدر ما تكشف تعدد مستويات التعامل مع الأزمة.

حتى المقارنة مع جبل طارق تكشف اختلافاً في طبيعة النقاش. جبل طارق مدرج لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتعتبره الأمم المتحدة إقليماً تديره المملكة المتحدة في إطار مسار تصفية الاستعمار، مع استمرار الخلاف الإسباني البريطاني حول السيادة.

لكن المقارنة لا تعني أن وضعي سبتة وجبل طارق متطابقان قانونياً أو تاريخياً. ما تكشفه فقط هو أن قضايا الأراضي المتنازع عليها يمكن أن تبقى حاضرة في العلاقات الدولية حتى عندما تبدو محسومة داخل الخطاب الوطني للدولة التي تدير الإقليم.

في حالة سبتة، حاولت مبادرة «كلنا سبتة» أن تقدم صورة جماعية داخل ملاعب كرة القدم. غير أن القميص لم ينتج الإجماع الذي يفترضه الرمز الجماعي. لاعب مغربي ارتداه فتعرض لانتقادات من بعض المغاربة، وثلاثة لاعبين من ريال مدريد لم يظهروه بالطريقة نفسها فدخلوا في نقاش إعلامي إسباني، وبرشلونة لم يشارك مؤسسياً في المبادرة، فيما خرج صوت من البرلمان الأوروبي يشكك صراحة في الصياغة الإسبانية للمدينة.

لا يعني ذلك أن كل هذه المواقف متساوية في طبيعتها أو في وزنها السياسي. ولا توجد أدلة تسمح بالقول إن مبابي أو فينيسيوس أو كوناتي أرادوا إعلان موقف من السيادة على سبتة. كما لا يمكن اعتبار ارتداء الزلزولي للقميص اعترافاً منه بموقف سياسي لم يعلنه.

لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً من تسلسل الأحداث: عندما يُنقل رمز يحمل اسم سبتة وهويتها إلى أرضية الملعب، فإنه لا يبقى بالضرورة مجرد قطعة قماش تضامنية. الجمهور يقرأه، اللاعب يتعامل معه، النادي يحدد مساحة الحرية داخله، والإعلام يقرر أي تفصيل يستحق أن يتحول إلى قصة.

وفي حالة سبتة، كانت السياسة موجودة قبل أن تدخل الكرة إلى الملعب. القميص لم يصنعها، لكنه حملها معه إلى العشب.