“نساء الجناح ج” لمحمد نظيف: تحليل مشهدي لجماليات العزلة والوجه والجسد واستعادة الحياة

0
24
ملصق فيلم (نساء الجنا ج)
ملصق فيلم (نساء الجنا ج)

في ممرات العزلة، حين لا يعود المرض النفسي مجرد موضوع سينمائي:

ليس من السهل أن يقترب فيلم سينمائي من المرض النفسي من دون أن يقع في واحد من فخين متقابلين: فخ تحويل المريض إلى كائن غرائبي يستمد وجوده الدرامي من اضطرابه، أو فخ تحويل المعاناة النفسية إلى مجرد ذريعة عاطفية لاستدرار التعاطف. وفي هذا السياق، تأتي تجربة محمد نظيف في فيلمه “نساء الجناح ج” بوصفها محاولة للاقتراب من منطقة أكثر تعقيدا: منطقة الإنسان حين يفقد القدرة على الانسجام مع العالم، وحين يتحول المكان الذي يفترض أن يكون فضاءً للعلاج إلى امتداد آخر لعزلة داخلية أعمق من الجدران. تم إنجاز الفيلم سنة 2019، وهو من كتابة محمد نظيف وأسماء الحضرمي وديفيد فيلمين، تصوير كمال الدرقاوي، وموسيقى يونس ميكري. وقد عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان القاهرة السينمائي سنة 2019، قبل أن يصل إلى القاعات المغربية في نونبر 2021.

ينطلق الفيلم من وضعية تبدو بسيطة في ظاهرها: مجموعة من المريضات وممرضة داخل جناح للطب النفسي في الدار البيضاء، تجمعهن اختلافات العمر والوسط الاجتماعي والتجربة الشخصية، قبل أن تتحول العلاقة بينهن تدريجيا إلى نوع من الصداقة والتضامن، وتصبح مغامراتهن الليلية خارج المؤسسة وسيلة لاستعادة شيء من الحياة. غير أن أهمية الفيلم لا توجد في الحكاية وحدها، وإنما في الطريقة التي يعيد بها ترتيب العلاقة بين «المرض» و«الإنسان». فالشخصيات لا تدخل إطار الصورة (Le cadre) باعتبارها ملفات طبية، ولا تُختزل إلى تشخيصات للمرض النفسي، بل تأتي أولًا بوصفها ذواتا لها ماضٍ ورغبات وذاكرة وخوف وأجساد ونظرات. ومن هنا يصبح الجناح «ج» أقل شبها بمكان طبي محدد، وأكثر شبها باستعارة عن كل مكان يُغلق على الإنسان حين يعجز المجتمع عن فهم ألمه.

لا يبني محمد نظيف فيلمه على سؤال: “ما الذي تعاني منه هؤلاء النساء؟” بقدر ما يدفعنا إلى سؤال آخر أكثر إلحاحا: “ما الذي حدث لهن حتى أصبحن عاجزات عن العودة إلى العالم؟”. والفرق بين السؤالين جوهري، لأن الأول طبي وتشخيصي، بينما الثاني سينمائي وإنساني واجتماعي. الأول يبحث عن اسم للمرض، والثاني يبحث عن أثر الجرح. ولهذا فإن «نساء الجناح ج» لا يكتفي بتصوير الاكتئاب أو الانهيار النفسي، وإنما يجعل العزلة نفسها مادة بصرية: غرف، أبواب، نوافذ، ممرات، سيارات، وجوه نصف مضاءة، نظرات لا تصل إلى أصحابها، وأجساد تبحث باستمرار عن منفذ. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الرهان الجمالي للفيلم في أن يجعل الحالة النفسية قابلة للرؤية من خلال المكان والصورة والجسد، بدل أن يشرحها بالحوار وحده.

الجناح بوصفه متاهة داخلية:

يستمد عنوان الفيلم قوته من مفارقة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه. فكلمة «الجناح» تشير إلى مكان محدد داخل مؤسسة، لكنها تحمل في وعينا أيضا معنى الجهة المنفصلة، والمجال الذي يُفصل فيه شيء عن شيء آخر. أما الحرف «ج»، فيمنح المكان طابعا إداريا باردا، كأنه رقم في نظام مؤسساتي لا يعترف كثيرا بالفروق الدقيقة بين التجارب الفردية. وفي مقابل هذا التجريد الإداري، يضع الفيلم كلمة «نساء»، باعتبارها أجسادا ووجوها وأصواتا وذكريات. وهنا تحديدا تتأسس المفارقة المركزية للفيلم: تنظر المؤسسة إلى النساء باعتبارهن حالات، بينما تعيدهن السينما إلى مرتبة الشخصيات. وهذا التحول هو الذي يمنح الحكاية بُعدها الإنساني. فكلما اقتربت الكاميرا من الوجه، بدا أن النظام الذي يحيط بالشخصية يتراجع، وأن ما يتقدم إلى الواجهة هو الإنسان نفسه.

وتكشف الكثير من لقطات الفيلم ومَشاهده عن وعي واضح بهذه الوظيفة الدرامية للفضاء. حيث تظهر، في إحدى لقطات الفيلم، امرأة جالسة خلف مكتب، فيما يقطع المصباح الطاولة إلى جزأين بصريين، ويبدو وجهها واقعا في منطقة من الضوء والظل في الوقت نفسه. كما توجد خلف المرأة رسوم معلقة على الجدار، وهي رسومات ذات طابع طفولي، تضيف إلى المكان ملمحا غريبا، يجعل المؤسسة الطبية التي يفترض أن تكون مكانا للعلاج تحيط بها آثار عالم طفولي، بينما الشخصية الجالسة في المقدمة تحمل في وجهها ثقل تجربة ناضجة ومؤلمة. إذ لا يقدم الديكور هنا معلومة عن المكان فحسب، بل يصنع تناقضا بين براءة الصور المعلقة على الجدران وثقل العالم الداخلي للشخصية.

إنها إحدى الطرق التي يجعل بها الفيلم البيئة المحيطة بالشخصيات جزءا من حالتها النفسية. فالمكان هنا ليس محايدا، والكاميرا لا تتعامل معه باعتباره مجرد خلفية. ثمة إحساس بأن الجدران تراقب، وأن الأبواب تؤجل الخروج، وأن النوافذ تَعِدُ بشيء يقع في الخارج ولا يمكن الوصول إليه بسهولة. ولذلك فإن الخروج الليلي من المستشفى الذي تقترحه الشخصيات لاحقا لا يبدو مجرد مغامرة في الحبكة، وإنما يتحول إلى فعل سينمائي مضاد: هناك باب يُفتح مقابل كل باب مغلق، وهناك شارع مقابل كل ممر داخلي، ومقابل كل سقف منخفض هناك سماء، ومقابل كل نظام للمراقبة هناك فضاء يسمح للجسد بالحركة.

الكاميرا بين المراقبة والتعاطف:

من أكثر العناصر التي تستحق الانتباه في الفيلم طريقة تعامل المخرج مع المسافة بين الكاميرا والشخصية. ففي عدد من اللقطات الداخلية، لا تبدو الكاميرا بعيدة تماما ولا ملتصقة تماما بالشخصية إلى حد إلغاء الفضاء من حولها. هناك مسافة تسمح لنا بأن نرى الوجه، وفي الوقت نفسه نشعر بالمكان الذي يحاصره. وهذا اختيار تعبيري وجمالي بالغ الأهمية في فيلم يتناول المرض النفسي، لأن الكاميرا القريبة جدا يمكن أن تتحول إلى أداة اقتحام، فيما قد تجعل الكاميرا البعيدة الشخصية مجرد عنصر داخل المشهد. أما المسافة التي يعتمدها الفيلم في عدد من لقطاته فتخلق نوعا من التوازن بين المراقبة والتعاطف. نحن نرى الشخصية، لكننا لا نشعر بأننا نمتلكها أو نفككها من الخارج.

في اللقطة التي تظهر فيها إحدى النساء جالسة في فضاء داخلي، يشتغل الضوء الجانبي على الوجه بطريقة تجعل التعبير النفسي أكثر أهمية من الحوار. العينان متجهتان إلى خارج إطار الصورة، الفم مغلق، والكتف والذراع في حالة من السكون الظاهر. لكن هذا السكون ليس فراغا، بل سكون مشحون. لا “تفعل” الشخصية شيئا بالمعنى التقليدي، لكنها تؤدي حالة كاملة من الانتظار والقلق.

وهنا تظهر قيمة الأداء السينمائي الهادئ. فالممثلة لا تحتاج إلى رفع الصوت أو الحركة المبالَغ فيها لكي تجعلنا نقرأ اضطراب الشخصية، بل تكفي النظرة، وتوتر الفم، وطريقة تثبيت الرأس، والمسافة بين العينين وبين الشيء الذي تنظر إليه. إذ تمنح هذه العناصر الصغيرة الفيلم بعضا من أجمل لحظاته الأدائية. وبذلك ينجح فيلم “نساء الجناح ج” في أفضل لحظاته، عندما يثق بالصمت أكثر مما يثق بالتفسير. فالوجه في الفيلم لا يأتي ليؤكد ما قاله الحوار، وإنما ليضيف إليه ما لا يمكن أن يُقال.

الممثلة إيمان المشرفي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة إيمان المشرفي في إحدى لقطات الفيلم

الممثلات، الوجه كمساحة للمقاومة:

تحتل البطولة النسائية الجماعية قلب الفيلم، وتضم الأدوار الرئيسية: أسماء الحضرمي في دور أمل، وجليلة التلمسي في دور حليمة (الممرضة)، وإيمان المشرفي في دور ابتسام، وريم فتحي في دور ريم، إلى جانب فاطمة عاطف في دور زكية، وأسماء بن زاكور في دور ليلى، وممثلين وممثلات أخريات مثل مليكة العمري، وكنزة فريدو، ونسرين الراضي… وقد سبق لمحمد نظيف كمخرج للفيلم أن أشار إلى أن الفيلم كان جزءا من توجه يرى في النساء فريقا متماسكا، وأن علاقته بالموضوع النسائي تعود إلى تصور يعتبر المرأة والرجل شريكين متكاملين لا طرفين متنافرين.

لكن أهمية الأداء النسائي هنا لا تكمن فقط في كون النساء هن مركز الحكاية، بل في اختلاف درجات التعبير بين شخصية وأخرى. فالفيلم لا يطلب من جميع الممثلات أن يتكلمن اللغة الانفعالية نفسها. هناك من تحمل ألمها في العينين، وهناك من تجعل الجسد أكثر تعبيرا من الكلام، وهناك من تلجأ إلى الانفعال السريع أو التوتر، وأخرى تختار الانكماش والصمت. أذ تُعتبر هذه الفروق مهمة في الفيلم، لأنها تمنع الشخصيات من الذوبان في مفهوم عام اسمه “المرأة المريضة نفسيا”. كل شخصية تحتفظ بخصوصيتها، حتى عندما يجمعها المصير نفسه.

في لقطة أخرى من الفيلم، تظهر امرأة في فضاء مغلق (الممرضة)، ترتدي معطفا أبيض، وتضع يدها قرب فمها وذقنها. لا توجد حركة كبيرة في الجسد، لكن اليد نفسها تتحول إلى مؤشر درامي. فهي ليست يدا تستريح، وإنما يد تبحث عن نقطة تثبيت. حيث الأصابع قريبة من الفم، والعينان تواجهان شيئا خارج إطار الصورة، فيما يترك الضوء نصف الوجه واضحا والنصف الآخر في عتمة نسبية. وهنا لا تحتاج الشخصية إلى إعلان خوفها، لآن الخوف موجود في طريقة انقباض الجسد.

ثم تأتي لقطة أخرى للشخصية نفسها في وضع قريب، مع تغير بسيط في النظرة وارتفاع خفيف في الرأس. حيث يكشف هذا التغير الطفيف أن الأداء لا يبقى ثابتا، إذ تنتقل الممثلة من الخوف المباشر إلى محاولة استعادة السيطرة على الذات. وبذلك نجد أنفسنا كمشاهدين أمام تدرج انفعالي لا أمام انفعال واحد. وهذه واحدة من مزايا اللقطات القريبة: حين تكشف عن الزمن الداخلي للشخصية. بينما في اللقطة العامة، قد تمر ثانية من الفيلم بوصفها برهة زمنية عادية، أما في اللقطة القريبة، فإن تغيرا بسيطا في نظرة العين يمكن أن يجعل الثانية نفسها حاملة لتحول نفسي. 

الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم

جليلة التلمسي، حين يصبح الصمت أداءً سينمائيا بامتياز:

من اللافت للنظر أن أداء جليلة التلمسي في الفيلم، وخصوصا في اللقطات والمشاهد المرتبطة بتحولات التعبيرات الخاصة بالشخصية، لا يعتمد على الانفعال المفرط. بل ثمة اقتصاد في التعبير، ونوع من الكثافة التي تجعل الشخصية تبدو وكأنها تحمل تاريخا كاملا خلف كل نظرة، إذ يظهر الوجه، في إحدى اللقطات، في ضوء دافئ يميل إلى البرتقالي، بينما يبتلع الظلام معظم الخلفية. وهذا التكوين يضع الشخصية في حالة من الانفصال عن العالم. حيث يصبح الوجه وحده مساحة للمشهد، بينما يختفي كل شيء آخر تقريبا. وهنا لا يعود الضوء مجرد عنصر جمالي، بل رؤية تحدد ما يريد الفيلم أن نراه وما يريد أن يتركه خارج الإدراك.

الملامح في هذه اللقطة ليست ملامح انهيار مباشر. هناك شيء أكثر تعقيدا: حزن، تأمل، وربما محاولة لاستيعاب شيء حدث بالفعل. لا تنفتح الشفاه كليا، والعين لا تتحرك كثيرا، لكن الوجه كله يبدو في حالة تفكير. وهذا النوع من الأداء هو الذي يمنح الشخصية استقلالها النفسي. وقد وصفت جليلة التلمسي نفسها كممثلة تجربتها في الفيلم بأنها تجربة مرتبطة بموضوع الاكتئاب، وأشارت إلى أهمية تناول هذا الموضوع سينمائيا باعتباره قضية على قدر كبير الخطورة حين لا تحظى دائما بما يكفي من الاهتمام. ثم إنّ قوة هذا الأداء تأتي تحديدا من عدم تحويل المرض إلى “عرض” تمثيلي. حيث لا نجد استعراضا للاضطراب النفسي، بقدر ما نرى نساء يحاول التعايش معه.

تكشف الكثير من المشاهد واللقطات التي تظهر فيهما جليلة التلمسي عن أداء تمثيلي شديد الحساسية، يقوم أساسا على التعبير الداخلي وعلى تحويل الوجه والنظرة إلى أداتين للكشف، دون اللجوء إلى الانفعال الصاخب أو المبالغة في الحركة. وفي بعض اللقطات التي تظهر فيها التلمسي في هيئة ممرضة، مرتدية معطفها الأبيض، فهي لا تبدو في وضعية مهنية محايدة، فاليد التي تسندها إلى وجهها، والأصابع القريبة من الفم، تمنح الجسد كله حالة من التوتر والتردد والتفكير العميق. حركاتها في الفيلم ليست حركات عابرة، وإنما تبدو وكأنها محاولة لا إرادية للتماسك، أو ربما وسيلة لحجب انفعال تريد الشخصية ألا يظهر لنا بالكامل.

أما العينان، فهما مركز الثقل الحقيقي في اللقطات: نظرة مباشرة، قلقة، ومحمّلة بشيء من الحيرة والألم، فيما ينقبض الجبين قليلا وتظل الشفتان شبه ساكنتين. هكذا لا تقول الممثلة لنا إن الشخصية خائفة أو مرتبكة، وإنما تجعلنا نستشف ذلك من التوتر الدقيق الذي يسكن ملامحها. وفي سياق الفيلم، تكتسب هذه النظرة دلالة أعمق، لأن الشخصية المهنية التي يفترض أن تكون في موقع الرعاية والسيطرة تجد نفسها هي الأخرى متورطة وجدانيًا في عالم النساء اللواتي ترعاهن، فالجناح النفسي لا يبقى فضاءً يفصل بين “المريضة” و”الممرضة”، وإنما يتحول تدريجيا إلى فضاء إنساني تتصدع داخله الحدود بين من يراقب ومن يحتاج إلى أن يُفهَم.

كما تأتي في الفيلم لقطات لجليلة التلمسي أكثر كثافة من الناحية النفسية، إذ تضع الكاميرا، في إحدى اللقطات، وجه الممثلة في لقطة قريبة، فيما يحجب جزء من المشهد إطارٌ أو سطحٌ في المقدمة، وكأن الشخصية تُرى من وراء حاجز. إذ يضيف هذا الاختيار البصري إلى أدائها إحساسا بالعزلة والمراقبة، ويجعل الوجه نفسه يبدو محاصرا داخل الإطار. هنا تصبح العينان أكثر انفتاحا على الانفعال، ثمة لمعان واضح في العين، وشيء من البلل أو أثر الدمع، بينما تبدو الشفاه نصف مفتوحة كما لو أن الشخصية على وشك قول شيء ما، لكنها تتراجع في النهاية. إنها لحظة يكون فيها الكلام أقل أهمية من التردد الذي يسبق الكلام. والنظرة في هذه اللقطة لا تتجه إلى الكاميرا مباشرة، بل إلى شيء أو شخص خارج الإطار.

ولذلك فإن غياب ما تنظر إليه الشخصية يجعل النظرة مفتوحة على التأويل، قد تكون نظرة انتظار، أو خوف، أو تعاطف، أو إدراك مؤلم لحقيقة لا تستطيع تغييرها. وهذه إحدى نقاط قوة أداء جليلة التلمسي: فهي لا تمنح الانفعال شكله النهائي، بل تتركه في حالة تشكل، بحيث يستطيع المشاهد أن يقرأ في الوجه أكثر من معنى في الوقت نفسه. وإذا كانت بعض اللقطات تبرز القلق المكبوت من خلال وضعية الجسد واليد والنظرة، فإن لقطات أخرى تنقل هذا القلق إلى منطقة أكثر حميمية، حيث يصبح الوجه أشبه بسطح تنكشف عليه آثار ما يحدث في الداخل. ومن الناحية المشهدية، ثمة انتقال مهم من فضاء أوسع نسبيا إلى فضاء بصري شديد القرب، وكأن الفيلم ينتقل مع الشخصية من مستوى الوظيفة الاجتماعية إلى مستوى الذات.

في البداية نرى “الممرضة” داخل فضاء المستشفى، ثم نقترب منها لنرى المرأة خلف الممرضة. وهذا التحول يتناغم مع أحد الأبعاد الجوهرية في فيلم “نساء الجناح ج”، حيث لا تُختزل الشخصيات النسائية في أدوارها الاجتماعية أو المهنية، وإنما يكشف الفيلم تدريجيا عن الجروح والضغوط والأسئلة التي تختبئ خلف تلك الأدوار. ومن هنا يصبح أداء التلمسي قائما على مفارقة دقيقة: يوحي المعطف الأبيض بالتماسك والسلطة المهنية، بينما يكشف الوجه عن هشاشة إنسانية لا تستطيع تلك الهيئة إخفاءها بالكامل.  إذ لا تبدو نظرات عينيها في الفيلم تؤديان وظيفة جمالية فحسب، بل تقومان بنوع من السرد الصامت في الفيلم.

 فالعينان ترويان ما لا تقوله الشخصية، وتكشفان مقدار ما يتركه احتكاكها اليومي بألم النساء على وعيها ووجدانها. ولذلك يمكن القول بإن جليلة التلمسي تعتمد في هذا الأداء على “الاقتصاد والتكثيف التعبيري”: أداء بأقل قدر من الحركة، مقابل أكبر قدر من الدلالة. فهي لا تصرخ، لكنها تجعلنا نشعر بضغط الصرخة المؤجلة، لا تعلن خوفها، بل تتركه يمر عبر العينين وانقباض الجبين وتردد الشفاه. وبهذا تتحول النظرة عندها إلى مساحة مشتركة بين الشخصي والإنساني، وبين ما تعيشه الشخصية وما يعكسه الجناح كله من قلق وعزلة وألم نسائي، ليصبح وجهها في النهاية جزءا من البنية البصرية للفيلم: لا يعمل وجه جليلة على شرح المعاناة، وإنما يجعلنا نراها وهي تتشكل في الصمت. لذلك يمكنني القول بأن جليلة التلمسي وجهٌ يفاوض الصمت، ونظراتٌ تحمل ما يعجز عن قوله.

الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة جليلة التلمسي في إحدى لقطات الفيلم

أسماء الحضرمي، الجسد بين الانكسار والمقاومة:

أما أداء أسماء الحضرمي التي تؤدي دور شخصية أمل في الفيلم، والتي شاركت أيضا في كتابته، فيستحق منا قراءة خاصة لأن موقعها داخل المشروع يتجاوز حدود الأداء التمثيلي بالمعنى التقليدي، ليمتد إلى المساهمة في بناء العالم الدرامي الذي تتحرك داخله الشخصية. وهذا المعطى يمنح حضور أسماء داخل الفيلم كثافة إضافية، إذ يصبح الجسد الذي نراه أمام الكاميرا مرتبطا، بصورة أو بأخرى، بذاتٍ ساهمت في صياغة الشخصية ووعيها وموقعها داخل الحكاية. لذلك لا يبدو أداء الحضرمي مجرد تجسيد لشخصية مكتوبة سلفا، وإنما يبدو في بعض لحظاته كما لو أنه امتداد داخلي لعملية الكتابة نفسها، حيث تتقاطع معرفة الشخصية من الداخل مع التعبير عنها من الخارج.

تظهر الشخصية التي تجسدها أسماء الحضرمي (أمل) في إحدى اللقطات جالسة في السيارة أثناء مكالمة هاتفية. إذ تصبح السيارة هنا فضاءً وسيطا بين الداخل والخارج، بالقدر الذي يجعل السيارة ليست فضاء مغلقا، لكنها ليست فضاء حرا بالكامل أيضا. حيث الزجاج يفصل الشخصية عن العالم، فيما الهاتف يربطها بعالم آخر غير مرئي. كما يحمل الوجه في هذه اللقطة توترا مركبا: تتحرك العينان بحثا عن شيء ما، والفم نصف مفتوح، فيما تمسك اليد الهاتف بقوة.

وهنا لا نحتاج إلى معرفة مضمون المكالمة كي ندرك أن الشخصية ليست في وضع تواصل طبيعي. إذ أنّ الهاتف، الذي يفترض أن يكون أداة للاتصال، يصبح في الصورة أداة لكشف العزلة. وهنا تتجلى براعة التمثيل في كون الممثلة لا تبالغ في الخوف. هناك محاولة للتماسك. وهذا تحديدا ما يجعل الانفعال مقنعا: تحاول الشخصية أن تبدو عادية، لكن الوجه يفضح أنها ليست كذلك. وفي لقطة أخرى داخل السيارة، تتغير الإضاءة لتصبح أكثر قتامة. يظهر الوجه جزئيا، بينما يكاد الجانب الآخر يذوب في الظلام. إذ يبدو الانفعال هذه المرة أكثر انغلاقا. وكأن الشخصية لم تعد تبحث عن إجابة، وإنما دخلت إلى منطقة داخلية لا يستطيع الآخرون الوصول إليها.

ومن هنا يكون لحضور أسماء الحضرمي كممثلة مقتدرة في الفيلم خصوصية أخرى أكثر تعبيرا وجمالية، ففي نفس اللقطات التي تظهر فيها شخصية (أمل) جالسة داخل السيارة أثناء مكالمة هاتفية. للوهلة الأولى قد يبدو المشهد عاديا، بل مألوفا في السينما: شخصية تجلس في سيارة وتتحدث عبر الهاتف. غير أن القيمة الدرامية للصورة لا تكمن في الحدث الظاهر، وإنما في الطريقة التي يحوّل بها الفيلم هذا الفضاء اليومي إلى منطقة نفسية معلقة بين حالتين. فالسيارة هنا ليست مجرد وسيلة انتقال، وإنما تصبح فضاءً وسيطا بين الداخل والخارج، فضاءً مغلقا نسبيا لكنه يظل متصلا بالعالم الخارجي، ومتحركا في المكان دون أن يمنح الشخصية بالضرورة قدرة حقيقية على الحركة النفسية أو الخلاص. فهي، بهذا المعنى، مساحة للحركة الجسدية تقابلها حالة من الجمود الداخلي.

ويكتسب الزجاج في هذه اللقطة وظيفة بصرية ودلالية لافتة. فهو يفصل أمل عن العالم الخارجي من دون أن يعزلها عنه بصورة مطلقة. نراها، ونرى في الوقت نفسه العالم الذي يوجد خلفها، لكن هذا العالم يظل منفصلًا عنها، كما لو أن الشخصية موجودة في قلب الحياة وخارجها في آن واحد. هنا تتحول حدود السيارة إلى ما يشبه الحدود النفسية للشخصية نفسها: ثمة عالم في الخارج، لكن أمل لا تستطيع الاندماج فيه بصورة طبيعية. إنها محاطة بالآخرين، لكنها معزولة عنهم. ومن ثم فإن السيارة تصبح امتدادًا بصريًا لوضعية الشخصية، لا مجرد خلفية محايدة للحدث.

ويأتي الهاتف ليضاعف هذه المفارقة. فالهاتف، باعتباره أداة للتواصل، يفترض أن يختصر المسافة بين الأشخاص، وأن يجعل الغائب حاضرًا بالصوت. غير أن حضوره في هذه اللقطة ينتج دلالة معاكسة تقريبًا: كلما اقترب صوت الآخر عبر الهاتف، بدا جسد أمل أكثر انفصالًا عن محيطها المباشر. إن الشخص الذي تتحدث إليه غير مرئي، وصوته لا يظهر في الصورة، بينما يظهر وجه أمل وجسدها وحدهما بوصفهما مجال التلقي والاستجابة. وهكذا يتحول الهاتف من وسيلة للاتصال إلى أداة سينمائية لكشف العزلة. نحن لا نرى الآخر، لكننا نرى أثره على ملامح الشخصية. إن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح الأداء قوته، فالحضرمي لا تدفع الشخصية إلى منطقة الانهيار، ولا تجعل الخوف أو القلق مقروءا بصورة مباشرة، وإنما تترك الانفعال يعمل تحت سطح الوجه.

ولعل أكثر ما يلفت في هذا الأداء هو محاولة شخصية أمل الحفاظ على تماسكها. لا تبدو كشخصية فقدت السيطرة تماما، بل كشخصية تحاول جاهدة ألا تفقدها. وهذه المسافة بين ما تحاول الشخصية إظهاره وما يكشفه وجهها هي التي تمنح الأداء صدقيته السينمائية. فالشخصية تريد أن تبدو عادية، لكن الجسد يرفض أن يتواطأ معها في هذه الحالة. حيث تقوم العينان بفضح ما يحاول الصوت إخفاءه، واليد تكشف ما لا تقوله الكلمات، والصمت بين الجمل يصبح أحيانا أكثر تعبيرا من الكلام نفسه. فالممثلة هنا لا تجسد الخوف بقدر ما تمثل محاولة إخفائه، وهذه درجة أكثر تعقيدا في الأداء السينمائي، لأنها تقوم على بناء انفعال مزدوج: انفعال ظاهر محدود، وانفعال باطني أكثر اتساعا.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى أمل بوصفها شخصية تعيش حالة مستمرة من الانقسام بين الداخل والخارج. فما تقوله ليس بالضرورة ما تشعر به، وما يظهر على وجهها لا يتطابق بالضرورة مع ما تريد أن يراه الآخرون. وهذا الانقسام لا يُقدَّم عبر الحوار وحده، وإنما تصنعه الممثلة من خلال الاقتصاد في الحركة، ونظرات العين، وتوتر عضلات الوجه، وطريقة الإمساك بالهاتف. يصبح الجسد هنا نصا موازيا للنص المكتوب، وربما أكثر كشفا منه في بعض اللحظات.

وفي لقطة أخرى داخل السيارة، يتغير البناء البصري بصورة واضحة، إذ تصبح الإضاءة أكثر قتامة، ويظهر وجه أمل جزئيا بينما يكاد أحد جانبيه يذوب داخل الظلام. هنا لا تعود الإضاءة مجرد عنصر جمالي، وإنما تتحول إلى لغة نفسية موازية للأداء. فالوجه المنقسم بين الضوء والعتمة يترجم، بصورة بصرية، حالة شخصية لم تعد تقف في منطقة واضحة أو مستقرة. ثمة جزء منها لا يزال متاحا للرؤية، وجزء آخر ينكفئ إلى الداخل، ويقاوم كي لا يصبح مكشوفا أمام الكاميرا.

تبدو هذه الصورة أكثر عمقا إذا قرأناها في علاقتها باللقطة السابقة. ففي الأولى كان التوتر مرتبطا بالفعل الخارجي: مكالمة، انتظار، بحث عن إجابة، ومحاولة فهم ما يحدث. أما في الثانية، فيبدو أن الشخصية قد انتقلت من مرحلة البحث عن إجابة إلى مرحلة مواجهة شيء في داخلها. لم تعد العينان تبحثان بالضرورة عن الخارج، بل يبدو أن الشخصية دخلت إلى منطقة داخلية لا يستطيع الآخرون الوصول إليها. وكأن الظلام الذي يبتلع نصف الوجه ليس سوى ترجمة بصرية لما تخفيه أمل عن محيطها.

إن اختيار المخرج لإبقاء جزء من الوجه في الظل يحمل أيضا دلالة تتصل بفكرة المعرفة والبوح. فالسينما لا تمنحنا شخصية أمل كاملة، بقدر ما تكشف لنا جزءا منها فقط وتحتفظ بالجزء الآخر خلف العتمة. وهذا ما يجعل الشخصية مفتوحة على التأويل، لأن ما لا نراه يصبح، أحيانا، أكثر حضورا مما نراه. فالظل لا يعني فقط الحزن أو الخوف، وإنما يمكن أن يعني كذلك السر، والالتباس، والذاكرة، والرغبة في عدم الإفصاح. ومن هنا يصبح الوجه نفسه، في أداء أسماء الحضرمي، فضاء دراميا تتصارع داخله الرغبة في الكلام مع الرغبة في الصمت.

كما أن السيارة، في هذا المستوى من القراءة، تتحول من فضاء للعبور إلى فضاء للتوقف والتأمل والمواجهة الداخلية. تتحرك في العالم، لكن الشخصية تبدو عالقة داخل نفسها. وهذه المفارقة بين الحركة الخارجية والسكون الداخلي تمنح المشهد قوة رمزية واضحة، حيث يمكن للإنسان أن يكون في الطريق، وأن يقطع المسافات، وأن يغير المكان، بينما يظل عاجزا عن مغادرة وضع نفسي أو عاطفي معين.

ومن اللافت كذلك أن أسماء الحضرمي لا تعتمد على الحركة الجسدية الكبيرة لإثبات حضور الشخصية. إذ يبدو أداؤها، على العكس من ذلك، قائما على الاقتصاد في التعبير وتعميقه، وعلى جعل التفاصيل الدقيقة تقوم مقام الانفعال الصاخب. وهذا النوع من الأداء ينسجم مع طبيعة الشخصية التي لا تقدم ذاتها دفعة واحدة، وإنما تكشفها تدريجيا عبر الشقوق الصغيرة التي تظهر في الوجه والصمت والنظرة. إن قوة شخصية أمل لا تأتي من كونها شخصية تقول كل شيء، وإنما من كونها شخصية تترك أشياء كثيرة معلقة في المنطقة الفاصلة بين الصمت والكلام.

وهنا تتقاطع خصوصية الأداء مع خصوصية الكتابة. فإذا كانت أسماء الحضرمي قد شاركت في كتابة الفيلم، فإن حضورها أمام الكاميرا يكتسب حساسية إضافية، لأن الممثلة لا تؤدي فقط ما تقوله الشخصية، بل تبدو في بعض اللحظات وكأنها تعرف أيضا ما تخفيه. وهذه المعرفة الداخلية قد تفسر ذلك الاقتصاد اللافت في التعبير، إذ لا تحتاج الشخصية إلى أن تشرح نفسها بالكامل، لأن بناءها الدرامي يسمح للوجه والجسد والإيقاع البصري بأن يحملوا جزءًا من السرد.

وبذلك تصبح أمل واحدة من الشخصيات التي لا تُقرأ من خلال الحوار وحده، وإنما من خلال العلاقة بين الوجه والفضاء والضوء والصوت. يحضر الهاتف بوصفه صوتا للآخر الغائب، والزجاج يرسم حدا بين الشخصية والعالم، والسيارة تمنحها عزلة مؤقتة، بينما الضوء يكشف جزءًا منها ويخفي جزءًا آخر. وفي قلب هذه العناصر كلها يأتي أداء أسماء الحضرمي ليمنح الشخصية وحدتها النفسية: امرأة تحاول أن تبدو متماسكة بينما يتسرب القلق من عينيها، وتحاول التواصل بينما يكشف جسدها عن عزلتها، وتوجد في فضاء متحرك بينما تبدو في العمق عالقة أمام سؤال داخلي لم تجد له جوابا بعد.

وهنا تكمن قيمة هذه اللقطات: إذ لا تقدم أسماء الحضرمي أمل بوصفها شخصية منشغلة بما يحدث حولها فقط، وإنما بوصفها ذاتا تخوض معركة صامتة مع ما يحدث داخلها. ولذلك فإن وجهها لا يصبح مجرد سطح للتعبير، بل يتحول إلى مساحة درامية قائمة بذاتها، مساحة يتجاور فيها الخوف مع التماسك، والرغبة في الكلام مع الحاجة إلى الصمت، والاتصال بالآخر مع الإحساس العميق بالعزلة. ومن خلال هذا الاقتصاد التعبيري، تؤكد أسماء الحضرمي أن الأداء السينمائي لا يحتاج دائما إلى الانفعال العالي كي يكون قويا، وهذا واحد من عيوب الأداء في السينما المغربية، ففي بعض أكثر لحظاته تأثيرا، يكفي أن ترتجف نظرة، أو تتردد حركة، أو ينقسم الوجه بين الضوء والظل، لكي تقول الصورة ما تعجز عن قوله الكلمات.

الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة أسماء الحضرمي في إحدى لقطات الفيلم

إيمان المشرفي، الانفعال المكبوت:

لا تُبنى الشخصيات في فيلم “نساء الجناح ج” على الصراخ والمبالغة في الحركة (كما هو الشأن في الأداء المسرحي). وهذا خيار مهم نابع من رؤية فنية للمخرج، لأن المرض النفسي في السينما كثيرا ما يُختزل في نوبات هستيرية أو انفجارات عاطفية. أما هنا فإن مساحة كبيرة من الانفعال تحدث تحت السطح. وهذا ما يجعل التعبير عن الحزن أكثر تعقيدا. قذ تلمع العين دون أن تنهمر الدموع، وقد يرتجف الفم دون أن يتحول إلى بكاء، واليد قد تبحث عن الوجه كما لو أنها تحاول حماية الذات. هذا الاقتصاد في التعبير يجعل الممثلات يعملن داخل منطقة دقيقة بين «إظهار» الشعور و«إخفائه». وهذه المنطقة هي التي تعطي الفيلم نبرته النفسية. إذ أنّ الأداء هنا لا يقوم على فكرة كون الشخصية يجب أن تجعل المتفرج يعرف أنها مريضة، وإنما على أن تجعله يشعر بأن شيئا ما داخلها لا يجد طريقه إلى الخارج.

الممثلة إيمان المشرفي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة إيمان المشرفي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة إيمان المشرفي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة إيمان المشرفي في إحدى لقطات الفيلم

نسرين الراضي، حين تتحول النظرة إلى شهادة على العنف الخفي:

في الكثير من مَشاهد الفيلم، يكتسب أداء نسرين الراضي كثافة مختلفة، لأن الشخصية لا تبدو هنا منشغلة بمجرد سرد واقعة من ماضيها، وإنما تبدو وكأنها تستعيد أمام الآخر جرحا ما يزال حيّا في داخلها. إذ تمنح حضورها في العديد من اللقطات بُعده الدرامي، لكن قوة الحضور لا تأتي من مضمون الكلام وحده، بل من الطريقة التي يترجم بها وجه الممثلة هذا الكلام إلى إحساس بصري. فهي حين تجلس، في إحدى اللقطات، في مواجهة الشخصية المقابلة لها (ريم فتحي)، مائلة قليلا إلى الأمام، في وضعية توحي بالرغبة في أن تُسمَع وأن يُصدَّق كلامها، غير أن عينيها تحملان في الوقت نفسه أثرا واضحا لتجربة طويلة من الرفض والعزلة والشعور بالخيانة.

النظرة مباشرة، لكنها ليست هجومية، إنها نظرة امرأة تبحث عن الاعتراف بوجعها أكثر مما تبحث عن الانتصار في الحوار. وهذا التفصيل مهم جدا، لأن الشخصية تتحدث عن فعل الاتهام، أي عن لحظة واجهت فيها سلطة الأب والعائلة، لكنها تواجه الآن نتيجة تلك المواجهة: النبذ. لذلك تبدو العينان وكأنهما تتحركان بين قوتين متناقضتين: قوة امرأة امتلكت شجاعة الكلام، وهشاشة امرأة دفعت ثمن ذلك الكلام. نلاحظ في ملامح الوجه اقتصادا شديدا في التعبير لا بكاء، ولا انهيار، ولا انفعال مسرحي، وإنما حزن مكتوم يستقر خصوصا في العينين وفي استقرار الفم. وهذا الاقتصاد يجعل الألم أكثر صدقا، لأن الشخصية لا تطلب الشفقة من المتلقي، بل تروي ما حدث كما لو أنها اعتادت حمله لزمن طويل.

 لكن آثار هذا الثقل ما تزال واضحة على وجهها. كما أن اختيار الكاميرا لوضع الشخصية المقابلة في المقدمة، وترك جزء من جسدها يحجب جانبا من إطار الصورة، يجعلنا نشعر بأن نسرين الراضي لا تتحدث إلى فراغ، وإنما تدخل في اعتراف حميمي مع شخص يفترض أن يكون قادرا على الاستماع والفهم. وهنا تتحول المسافة بين الشخصيتين إلى مسافة نفسية أيضا: الشخصية التي تتحدث تحاول اختراق جدار الصمت الذي عزلها عن عائلتها، بينما يبدو وجهها وكأنه يختبر للمرة الأولى إمكانية أن تجد أذنا لا تدينها. ومن الناحية المشهدية، فإن ثباتها النسبي أمام الكاميرا ينسجم مع طبيعة موضوع الفيلم؛ فالنساء في فيلم “نساء الجناح ج” لا يحملن فقط أعراضا أو أزمات فردية، وإنما يحملن آثار علاقات اجتماعية وأسرية قاسية، تجعل المرض النفسي في كثير من الأحيان متداخلا مع العنف والنبذ والذاكرة والسلطة. لذلك تصبح هذه النظرة جزءًا من خطاب الفيلم عن المرأة التي تُعاقَب لأنها تكلمت.

الممثلة نسرين الراضي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة نسرين الراضي في إحدى لقطات الفيلم

ريم فتحي، هشاشة الجسد وجرأة النظرة:

تحظر الممثلة الشابة ريم فتحي في الفيلم بشكل مختلف، حيث يبدو ذلك واضحا خصوصا في اللقطات التي يبرز فيها الوجه والجسد داخل فضاء المؤسسة وخارجها. تبدو ريم كفتاة شابة ذات شعر مجعد تجلس وسط فضاء جماعي، بينما تتجه نظرتها إلى جانب إطار الصورة. وذلك ما يجعل القيمة الدرامية لهذه اللقطة لا تكمن في تعبير الوجه وحده، وإنما في علاقته بالآخرين. فالشخصية ليست معزولة في إطار منفرد، هناك نساء حولها، وهناك طاولة، وقنينات وأكواب وأشياء يومية. لكن نظرتها تجعلها تبدو في الوقت نفسه داخل الجماعة وخارجها.

هذه المفارقة البصرية أساسية لفهم الفيلم، إذ يمكن للإنسان أن يكون محاطا بالناس ويظل وحيدا. إن وضعية الجسد في هذه اللقطة ليست وضعية انهيار، بل وضعية حذر. الكتفان مستقران، الرأس مرفوع قليلا، والنظرة تحمل قدرا من التحدي أو التساؤل. وهذا ما يمنح الشخصية استقلالا عن الصورة النمطية للمريضة المنهارة أو الضعيفة. ثم تتكرر الشخصية في لقطة أخرى داخل السيارة، لكن عبر زجاج النافذة. وهنا تتغير تعبيرات الوجه تماما. يصبح الزجاج طبقة فاصلة، ويجعل الشخصية تبدو كما لو أنها تراقب العالم من وراء حاجز. إنها صورة دقيقة للانفصال النفسي: حيث العالم موجود، لكنه لا يصل إلينا بسهولة. ومن اللافت هنا أن هذا الوجه الشاب في السيارة لا يحمل تعبيرا واحدا واضحا. هناك حذر، وشيء من الحزن، وربما رغبة في معرفة ما ينتظرها. وهذا التردد هو بالضبط ما يجعل الأداء حيا.

وتزداد هذه الدلالة قوة ووضوحا إذا قارناها بلقطة أخرى من الفيلم، حيث تنتقل الكاميرا إلى لقطة قريبة داخل فضاء السيارة، فتتقلص المسافة بين الشخصية والمشاهد، ويصبح الوجه تقريبا هو المجال الدرامي الوحيد الذي يمكن للكاميرا أن تشتغل عليه. هنا تتبدل وظيفة النظرة: لم تعد الشخصية تنظر فقط إلى محيطها، بل تبدو كأنها تنظر إلى شيء يقع خارج إطار الصورة، شيء لا تمنحنا الصورة حق معرفته، فتتحول النظرة إلى اتهام صريح للظروف الأسرية وللمجتمع برمته، ثم إلى وسيط بين عالم داخلي مكتوم وعالم خارجي غامض. والمثير في هذه اللقطة أن نسرين الراضي لا تلجأ إلى البكاء أو إلى الانفعال الصريح كي تمنح اللحظة ثقلها، يكفي ذلك اللمعان الخفيف في العين، والانقباض الدقيق حول الجفنين، واستقرار الفم في وضعية توحي بكلام تم ابتلاعه قبل أن يُقال.

الممثلة ريم فتحي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة ريم فتحي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة ريم فتحي في إحدى لقطات الفيلم
الممثلة ريم فتحي في إحدى لقطات الفيلم

من الصورة الثابتة إلى الجسد المتحرك:

إذا كانت اللقطات الداخلية في الفيلم تجعل الوجه مركزا للمعنى، فإن مشاهد الخارج تعيد الاعتبار إلى الجسد بكامله. وهذا الانتقال من الوجه إلى الجسد، ومن الداخل إلى الخارج هو أحد أهم التحولات البصرية في الفيلم. ففي واحدة من اللقطات الخارجية للفيلم، تظهر فيها شخصية حليمة (جليلة التلمسي) وهي ترفع الأصبع الأوسط من يدها باتجاه شرفة، في إشارة سبٍّ وشتيمة يعرف المغاربة جيدا دلالتها، نرى الجسد من الخلف، بينما تمتد اليد إلى الأمام. إذ لا نحتاج إلى رؤية الوجه كي نفهم أن هناك علاقة درامية بين الممثلة والأشخاص الموجودين في الأعلى. حيث تصبح حركة الأصبع واليد نفسها لغة بليغة المعنى. لكن المثير هنا أن الكاميرا تضع المتفرج في موقع قريب من الشخصية، لكنها لا تمنحه السيطرة على المشهد. فنحن نرى ما تراه تقريبا، ونشعر بالمسافة التي تفصلها عمن تريد الوصول إليهم. ثمة أيضا تلك البناية البيضاء، ذات الأعمدة والشرفات التي تجعل المسافة أكثر وضوحا. هناك طوابق، ارتفاع، حواجز، وحدود. إذ تحاول اليد عبور هذه الحدود، لكنها لا تستطيع. ومن هنا تصبح البناية نفسها امتدادا للصراع النفسي. فالشخصية تريد الوصول إلى من هم في الأعلى، لكن العالم مبني بطريقة تجعل هذا الوصول صعبا.

الليل، تلك الحرية المؤقتة:

ما يُلفت الانتباه في الفيلم كذلك أنه يخصص مساحة مهمة لمغامرة خروج النساء بالليل رفقة الممرضة حليمة التي تتواطأ مع النساء النزيلات، وتقرر اصطحابهن إلى فضاءات عامة للترفيه خارج المؤسسة، وهذه المفارقة تمنح الحكاية بُعدا إضافيا. فالليل، في المخيال الاجتماعي، عادة ما يرتبط بالخوف والمجهول والخطر، لكنه في الفيلم يصبح أيضا زمنا للتحرر والانعتاق من ضغوط المؤسسة وقوانينها الصارمة. إذ أن النساء اللواتي يعشن في مؤسسة تُخضعهن للمراقبة، يجدن في الظلام مساحة أقل انكشافا أمام أعين الآخرين. وبذلك يصبح الليل في الفيلم والقصة نوعا من “النهار البديل”، يصبح زمنا يمكن فيه أن تستعيد الشخصيات جزءًا من حياتها التي سُلبت منها بسبب ظروف متعددة.

وهنا تكتسب السيارة (سيارة الممرضة حليمة) التي تنقل النساء النزيلات خارج المؤسسة حضورا متكررا. فالسيارة هنا ليست فقط وسيلة تَنقُّل، وإنما بمثابة فضاء مؤقت للحميمية. داخلها يمكن القيام بالكثير من الأشياء: الحديث، الصمت، البكاء، التفكير، النظر عبر النافذة. إنها مساحة بينية: لا هي البيت ولا المستشفى ولا الشارع، إنها فضاء آخر للانتقال من زمن القهر إلى زمن الحرية. وفي اللقطات التي تُظهر النساء داخل السيارة، يتجلى هذا المعنى بوضوح. فالظلام الخارجي يجعل الضوء القادم إلى الوجه أكثر أهمية، والوجه نفسه يتحول إلى جزيرة صغيرة من الأحلام أو الوعي داخل فضاء واسع من العتمة.

الموسيقى والصمت، بين الداخل والخارج:

لقد أضاف وجود الموسيقى التصويرية ليونس ميكري ميزة أو طبقة أخرى إلى البناء الشعوري للفيلم، لكن الأهم أن الموسيقى هنا لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عنصرا منفصلا عن الصورة. ففي فيلم مثل (نساء الجاح ج) يقوم على حالات نفسية دقيقة، يصبح الصمت بدوره عنصرا دالا، والموسيقى لها دلالات تعبيرية وجمالية أخرى. إذ يصبح الصمت هنا ليس غيابا للصوت، بل غياب القدرة على التعبير. لذلك فإن لحظة صمت بين شخصيتين يمكن أن تحمل أحيانا أكثر مما يحمله الحوار. وعندما تنتقل الشخصيات إلى الخارج، تتغير طبيعة العالم الصوتي نفسه: تصبح حركة الشارع، السيارة، البحر، والفضاء المفتوح عناصر أساسية في بناء إحساس مختلف بالوجود. كأن الفيلم والموسيقى التصويرية يعملان معا على نقلنا من صوت المؤسسة إلى صوت الحياة؟

من المرض النفسي إلى الجُرح الاجتماعي:

من السهل أن يُقرأ فيلم “نساء الجناح ج” باعتباره عملا سينمائيا عن الاكتئاب فقط، لكن هذه القراءة تبقى ناقصة. فالفيلم، في عمقه، يتحدث عن الأسباب التي تجعل المرأة تجد نفسها محاصرة داخل الألم. والقصص التي يُبنى عليها الفيلم تشير إلى حضور قضايا مثل الخيانة، والعنف، والاضطراب النفسي، والانتحار وغيرها من التجارب التي تتقاطع مع حيوات الشخصيات. ولهذا فإن الجناح ليس بداية الحكاية، بل نتيجتها. والشخصيات تأتي إليه وهي تحمل آثار ما حدث خارج أسواره. ومن هنا يصبح المستشفى مكانا يستقبل آثار المجتمع أكثر مما يُنتجها.

وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن الفيلم لا يقول إن المؤسسة هي مصدر الألم، بل يقر بأن الألم كان موجودا قبلها. فالجناح يلتقط النساء أو يأويهن بعد أن يكون شيء ما قد انكسر في حياتهن. وهكذا تصبح الرحلات الليلية محاولة للعودة إلى الحياة، لا مجرد هروب من المستشفى. فالمطلوب هنا ليس كسر الباب فقط، وإنما استعادة القدرة على الرغبة، على الضحك، على الحركة، وعلى بناء علاقة ممكنة ومغايرة مع الآخرين داخل المؤسسة وخارجها.

الصداقة النسائية بوصفها علاجا موازيا:

من أجمل موضوعات الفيلم أن العلاج لا يأتي فقط من المؤسسة الطبية، وإنما من العلاقة بين النساء أنفسهن. إذ تتحول الصداقة النسائية إلى شكل من أشكال المقاومة. كل واحدة منهن تحمل جرحا مختلفا، لكنهن يكتشفن أن الاعتراف المتبادل بالألم يمكن أن يصنع مساحة للحياة. وهنا يصبح تعدد الشخصيات ضرورة درامية بامتياز. بحيث لو كانت قصة الفيلم تتبع حياة وظروف امرأة واحدة فقط، لتحولت المعاناة إلى سيرة فردية. أما حين تتجاور أو بالأحرى تتقاطع تجارب مجموعة من النساء النزيلات في مستشفى الأمراض النفسية، فإن الألم يصبح جماعيا من دون أن يفقد خصوصيته. فهن لا يتشابهْن في كل شيء، بل إن اختلافهن هو الذي يجعل تضامنهن مقنِعا. والصداقة لا تنشأ من التطابق، وإنما من اكتشاف أن الآخر يحمل نوعا آخر من الوحدة. وهذا هو المعنى الأعمق لفكرة “الجناح”: إذ يتحول المكان الذي يجمعهن قَسْرا، وبشكل تدريجي، إلى المكان الذي تنشأ فيه علاقة اختيارية ووثيقة بينهن.

حين تخرج الكاميرا من المستشفى:

من الناحية البصرية، يمكن النظر إلى الفيلم بوصفه انتقالا تدريجيا من إطارات للصورة محكومة بنوع من الرؤى والضرورات التقنية والهندسية إلى إطارات أكثر انفتاحا. حيث يعتمد الداخل على الأبواب والجدران والطاولات والممرات، وهي عناصر تقطع الصورة وتحدد حركة الشخصيات. أما الخارج، في المقابل، فيمنح إطار الصورة عمقا أكبر. وهذا لا يعني أن المخرج محمد نظيف يتخلى عن البناء البصري بمجرد الخروج من المؤسسة. الأمر كعس ذلك تماما،

فمشاهد الخارج تظل محسوبة بعناية، لكنها تصبح أكثر تنفسا. وخصوصا في مشاهد البحر، حيث يتراجع حضور الإنسان أمام حضور الطبيعة. وهذه ليست علامة على اختفاء الشخصية، بل على استعادتها لموقعها الطبيعي داخل العالم. لم تعد الشخصيات محكومة بجدران من صنع البشر، بل أصبحت جزءًا من فضاء أوسع وأكثر رحابة وشساعة.

عندما يصنع الأداء الجماعي للمثلات بطولة متعددة:

يمكن القول إن البطولة في فيلم “نساء الجناح ج” ليست فردية بالمعنى التقليدي. لا توجد شخصية واحدة تبتلع بقية الشخصيات. يقوم الفيلم ببناء ما يمكن أن نسميه “البطلة الجماعية”: إذ تتوزع البطولة بين مجموعة من النساء، وتنتقل من وجه إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى حسب تسلسل الأحداث ومقتضيات القصة. الشيء الذي جعل هذا الاختيار يفرض على الممثلات نوعا من التوازن الصعب. إذ يجب على كل ممثلة أن تمنح شخصيتها حضورا واضحا ومختلفا عن الأخريات، دون أن يتحول الفيلم إلى منافسة على مركز الحضور داخل الإطار أو الصورة. ويبدو جليا أن البناء العام للفيلم والرؤية الإخراجية يراهنان على هذا التعدد بشكل أساس.

فالوجه الذي نراه في لقطة قريبة قد يصبح بعد دقائق جزءا من مجموعة، والجسد الذي كان وحيدا داخل غرفة يتحول إلى جسد يتحرك مع أجساد أخرى. بهذا المعنى، فإن تطور الشخصيات لا يظهر فقط في الحوار، وإنما في تغير علاقتها بالآخرين داخل إطار الصورة. هكذا تبدو كل شخصية، في البداية، كأنها تحمل عبء وحدتها أو عزلتها لوحدها. ومع تطور العلاقة، يبدأ إطار الصورة نفسه في احتضان أكثر من شخصية. وهذه ليست مجرد مصادفة في التكوين الدرامي للفيلم، بل ترجمة بصرية لتحول العلاقات.

“نساء الجناح ج” بين الواقعية والرمزية:

لا يذهب محمد نظيف كمخرج إلى الرمزية الصريحة التي تجعل كل شيء في الفيلم يحمل معنى واحدا ونهائيا. فالبحر بحر، والسيارة سيارة، والمستشفى مستشفى، والمرأة امرأة، لكن العلاقات بين هذه العناصر هي التي تخلق الدلالات المتعددة. وهذا ما يمنح الفيلم قدرا من المرونة التأويلية. إذ يمكن قراءة البحر باعتباره فضاء حرية، لكن يمكن أيضا رؤيته بوصفه فضاء اختبار. ويمكن قراءة الليل باعتباره زمنا للتحرر، لكن يمكن النظر إليه كذلك بوصفه زمنا للمجازفة. ويمكن قراءة الجناح بوصفه مكانا للعلاج، لكنه في الوقت نفسه مكان للعزلة. إن قوة الفيلم لا تأتي من نوع من الحسم في هاته الدلالات، بل من إبقائها مفتوحة ومتعددة ولو داخل تَعارُضها أو تَناقُضها الدلالي.

نحو سينما ترى المرأة من الداخل:

يحمل الفيلم، من دون شك، توجها واضحا نحو جعل التجربة النسائية مركزا للسرد السينمائي. وقد تحدث محمد نظيف كمخرج، في أكثر من مناسبة، عن جذور هذا التوجه، مؤكدا أن علاقته بزوجته أسماء الحضرمي، إلى جانب تكوينه وتجربته، رسخت لديه قناعة بأن حرية المرأة شرط أساسي لتقدم المجتمع. لكن القيمة السينمائية للفيلم تظهر عندما يتجاوز الخطاب المعلن إلى الصورة نفسها. فالفيلم لا يقول فقط إن المرأة تستحق الحرية، بل يصور جسدا يبحث عن الخروج، ووجها يواجه الكاميرا، ويدا تمتد إلى الخارج، ونساء يركضن أو يتحركن نحو البحر: أي أن تتحول الفكرة إلى فعل بصري. وهذا هو الفارق بين فيلم يرفع شعارا، وفيلم يجعل الشعار جزءًا من لغته السينمائية. فالحرية في «نساء الجناح ج»، ليست جملة تُقال، بل حركة كاميرا، فتح باب، خروج من سيارة، مشي على الرمل، دخول إلى الماء، ثم ترك العنان للجسد ليقول كلمته خارج قوانين المؤسسات والأسوار والفضاءات المغلقة.

الملابس، من العلامة المؤسّسِية إلى اللون:

يلعب اللون دورا مهما في الفيلم وفي هذا الانتقال. ففي الداخل، تطغى الألوان الهادئة والمطفأة، وتظهر الملابس المرتبطة بالمؤسسة أو بالحياة اليومية داخلها. أما في المشاهد الخارجية ومشاهد البحر، فإن اللون الأصفر في الثوب يخرج بقوة إلى الواجهة، ويصبح الجسد أكثر وضوحا في فضاء طبيعي مفتوح. ولا ينبغي قراءة اللون هنا بمعزل عن حركة الشخصية. فالأصفر ليس مجرد لون جميل، بل يلفت انتباه العين إلى جسد يتحرك بعيدا عن بنية المكان المغلق. وحين تصبح المرأة في مواجهة البحر، يتجاور اللون مع الأزرق والأبيض والبني، فيتشكل إطار أكثر انفتاحا وأقل خضوعا للصرامة الداخلية. هي لحظة يتحول فيها الجسد من موضوع للمراقبة إلى فاعل في الصورة.

البحر كصورة أخيرة للشفاء غير المكتمل:

ربما تكون صور البحر في نهاية الفيلم أكثر ما يختصر الفيلم كله. في إحدى اللقطات، نرى امرأة تمشي نحو البحر، بينما يبدو الأفق واسعا أمامها. وفي لقطة أخرى، نرى مجموعة من النساء داخل الماء. ثم ترتفع الكاميرا إلى أعلى، فنراهن محاطات بالموج. إنها صور تمنح الفيلم نبرة أمل، لكنها لا تسقط في التفاؤل الساذج. فالبحر لا يمحو الماضي، ولا يعالج المرض بطريقة سحرية. ما يحدث هو شيء أكثر تواضعا وأكثر صدقا، حيث تستعيد النساء تلك القدرة على الحركة. وهذا في حد ذاته انتصار. فالمرأة التي كانت عاجزة عن الخروج من غرفتها تستطيع أن تركض وتمشي. والتي كانت تخاف من العالم الخارجي تستطيع أن تقترب منه. والتي كانت تعيش داخل نفسها تستطيع أن نتخرط مع الآخرين في لحظة مشتركة. ولهذا فالبحر في الفيلم ليس نهاية المرض، بل بداية علاقة مختلفة مع الحياة.

البحر، الخروج الذي لا يكتمل إلا بالحركة:

ثم يأتي البحر بوصفه النقيض الأكثر وضوحا للجناح. في إحدى الصور، تظهر امرأة بثوب أصفر تمشي باتجاه البحر، بينما يحتل الأفق مساحة واسعة من الإطار. وفي صورة أخرى نرى مجموعة من النساء داخل الماء، بينما تتوزع الملابس على الرمل في المقدمة. ثم تأتي اللقطة الجوية التي تصوّر الأجساد الصغيرة وسط مساحة الماء الهائلة. هذه الصور ليست مجرد خاتمة جميلة على المستوى الجمالي والبصري، بل تحمل تحوّلا عميقا في لغة الفيلم وبنائه الدرامي.

كانت الشخصيات، في الجناح، محكومة بالحدود. أما في البحر، فتصبح الحدود نفسها غير مرئية. في الداخل، كان الجسد يجلس أو يقف أو ينتظر، أما في الماء، فيتحرك ويطفو ويقاوم الموج. في الداخل، كان الوجه قريبا من الكاميرا، أما في اللقطة الجوية، فيصبح الجسد نقطة صغيرة داخل الطبيعة. وهنا يكتسب البحر وظيفة رمزية من دون أن يتحول إلى رمز ثقيل ومباشر. إنه فضاء لا يقدم خلاصا نهائيا، لكنه يقدم إمكانية الحركة.

فالحرية في الفيلم ليست حالة مكتملة، وإنما تجربة مؤقتة ومتدرجة. وهؤلاء النساء لا يخرجن من أزماتهن لمجرد أنهن غادرن الجناح. هُنَّ يختبرن فقط إمكانية أن يصبحن مرة أخرى جزءا من العالم. واللقطة الجوية بالذات تكشف ذلك بوضوح. ترتفع الكاميرا فوق الشخصيات، فتتغير علاقة السلطة بين الإنسان والصورة. حيث لم تعد الشخصية تحت مراقبة المؤسسة، بل أصبحت تحت نظر فضاء طبيعي واسع. لكنها في الوقت نفسه تبدو صغيرة وهشة أمام البحر. الحرية هنا ليست انتصارا مطلقا، بل مواجهة جديدة مع اتساع العالَم ورحابته.

لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)

الخروج من الجناح، أم الخروج من النظرة؟

في النهاية، يمكن القول إن “نساء الجناح ج” لا يحكي فقط عن نساء يخرجن ليلا من جناح للطب النفسي، وإنما عن مجموعة من الذوات التي تحاول الخروج من الصورة التي رسمها الآخرون لها. فالمجتمع يرى المريضة، والمؤسسة ترى الحالة، والأسرة قد ترى المشكلة، لكن السينما تحاول أن ترى الإنسان. وهنا تكمن القيمة الأساسية لتجربة محمد نظيف السينمائية.

لقد اختار المخرج موضوعا حساسا، لكنه لم يقم ببنائه على غرابة المرض ولا على استعراض الانهيار. اختار أن يقترب من الشخصيات عبر وجوهها وأجسادها وصمتها، وأن يجعل الفضاء النفسي مرئيا من خلال العمارة والضوء والظل والمسافة وإطار الصورة. وقد ساعده في ذلك أداء نسائي يعتمد في لحظاته الأقوى على الاقتصاد التعبيري، وعلى تلك المنطقة الدقيقة التي يصبح فيها الصمت أكثر بلاغة من الكلام.

إن الصور التي يكشفها الفيلم عن نسائه ليست صورا للضعف فقط. بل صور لأشخاص يحاولون استعادة السيطرة على أجسادهم ونظراتهم ومساراتهم. فاليد التي تمتد نحو شرفة، والوجه الذي يراقب من خلف زجاج السيارة، والعين التي تبحث عن إجابة، والمرأة التي تمشي نحو البحر، والأجساد التي تختفي وتظهر بين الأمواج، كلها أجزاء من جملة سينمائية واحدة تقول إن الحرية تبدأ أحيانا من أبسط الأشياء، وأن الجسد أصبح يتحرك بعد أن كان ساكنا، وأن العين أصبحت ترفع نظرتها إلى الأعلى بعد أن اعتادت النظر إلى الأرض.

لهذا لا ينبغي فهم عنوان الفيلم باعتباره اسما لمكان فقط. “الجناح ج”، بل هو حالة، ومصير، وذاكرة، وربما استعارة عن كل الحدود التي يرسمها المجتمع حول الإنسان حين يعجز عن فهم اختلافه وألمه. والخروج منه لا يعني بالضرورة أن كل شيء انتهى، بل يعني أن ثمة احتمالا جديدا قد بدأ. في المشهد البحري، حين تصبح الشخصيات صغيرة وسط الماء، يبدو العالم للمرة الأولى أكبر من الجناح. لكن الأهم أن الشخصيات نفسها تصبح أكبر من التشخيص المرضي الذي سُجِنت بداخله. لم تعد النساء النزيلات “مريضات” فقط، بل أصبحن نساء يسبحن، يتحركن، ينظرن، يخاطرن، ويتشبثن بالحياة.

وهكذا يتحول الفيلم، في خاتمته، من حكاية عن المرض إلى حكاية عن إمكان الشفاء عبر استعادة العلاقة بالعالم. ليس الشفاء بمعناه الطبي النهائي، وإنما بمعناه الإنساني: أن يستعيد الإنسان حقه في أن يكون أكثر وأكبر من جرحه. ومن هذه الزاوية، فإن أفضل ما قتم به فيلم “نساء الجناح ج” هو أنه لا يغلق الحكاية عندما تخرج النساء من الجناح، بل يفتحها من جديد. فالخروج الحقيقي لا يحدث عبر الباب، وإنما داخل الذات، حين تتوقف المرأة عن النظر إلى نفسها باعتبارها حالة مغلقة، وتبدأ في رؤية العالم مرة أخرى بوصفه مكانًا يمكن أن تعيش فيه. إنه فيلم عن الجدران، لكنه لا ينتهي بالجدران.

فالجدار الأخير الذي ينبغي كسره ليس جدار المستشفى، وإنما ذلك الجدار الخفي الذي يفصل الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. وفي اللحظة التي تلامس فيها الأجساد الماء، يصبح البحر أوسع من المكان، وتصبح الحركة أبلغ من الكلام، ويصبح الوجه، بعد كل ما مر به، قادرا على النظر والذهاب إلى الأمام من جديد. وهنا بالضبط يجد فيلم “نساء الجناح ج” صورته الأكثر اختصارا: نساء خرجن من جناح مغلق، لا لكي يهربن من الحياة، بل لكي يتعلمن مرة أخرى كيف يعشنها بشكل أساس.

لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجاح ج)
لقطة من فيلم (نساء الجناح ج)
ملصق الفيلم
ملصق الفيلم
المخرج محمد نظيف
المخرج محمد نظيف