وزارة الرياضة ليست ترفاً: أوزين يفتح ملفاً أكبر من تصريح سياسي

0
62

عندما يتحدث محمد أوزين عن ضرورة وجود وزارة للرياضة في المغرب، فالمسألة تستحق أن تتوقف عندها الصحافة أكثر من توقفها عند صاحب التصريح نفسه. الرجل يضع إصبعه على سؤال ظل مؤجلاً لسنوات طويلة: هل ما زالت البنية التي ندير بها الرياضة المغربية قادرة على مواكبة مغرب تغيّر كثيراً، أم أننا ما زلنا نحاول إدارة واقع رياضي جديد بعقلية إدارية قديمة؟

السؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يمس واحدة من أكثر المناطق حساسية في الدولة الحديثة. المغرب اليوم يستضيف أكبر التظاهرات الرياضية، ويستثمر في الملاعب والبنيات التحتية، ويكوّن أبطالاً أصبحوا جزءاً من صورته الدولية، ويستعد لاستحقاقات رياضية عالمية تضع المملكة أمام ملايين المتابعين. وفي المقابل، ما زالت الرياضة في جزء أساسي من تدبيرها العمومي محكومة بمنطق المديرية، وكأن الأمر يتعلق بقطاع إداري محدود يمكن تدبيره بمجموعة من المصالح والأقسام والملفات.




المشكلة لا تبدأ من الأشخاص، ولا تنتهي عند اسم مدير أو مسؤول. حتى لو افترضنا أن المسؤول الموجود اليوم يملك الكفاءة والنزاهة والخبرة، يبقى السؤال قائماً حول المؤسسة التي يعمل داخلها وحجم المسؤوليات الموضوعة على عاتقها. عندما تكون أمام أكثر من خمسة وخمسين جامعة ملكية ووطنية رياضية، لكل واحدة منها خصوصيتها، وأنظمتها، ومنتخباتها، وأبطالها، ومدربوها، والتزاماتها الدولية، ومشاكلها المالية والقانونية والتنظيمية، فإن التعامل معها بمنطق مديرية واحدة يصبح أمراً يحتاج إلى مراجعة عميقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمستوى العالي وصناعة الأبطال.

والمفارقة أن هذا النقاش لا يتعلق فقط بعدد الجامعات أو حجم الإدارة. داخل تدبير الرياضة نفسه توجد مصالح يفترض أن تتابع الجامعات والمنظمات، وأخرى تهتم بالمنتخبات، وأخرى بالتجهيزات، وأخرى بتحقيق الأهداف، فضلاً عن القسم المرتبط بالمستوى العالي. كل ذلك يعني أن الدولة تعرف جيداً أن الرياضة أصبحت منظومة معقدة، لكنها ما زالت تضع هذه المنظومة داخل إطار إداري لا يعكس بالضرورة وزنها الحقيقي. كأننا وسّعنا الرياضة من الداخل، ثم أبقينا الباب الإداري الذي تدخل منه إلى الدولة بالحجم القديم نفسه.

وهنا تصبح ملاحظة أوزين أكثر أهمية. لأن وزيراً للرياضة لا يعني، في جوهر الفكرة، إضافة منصب حكومي جديد إلى لائحة المناصب، ولا يعني إنشاء مكتب آخر في الرباط يضاف إلى المكاتب الموجودة. المعنى الحقيقي هو أن تصبح الرياضة سياسة عمومية لها صاحب قرار سياسي واضح، ولها رؤية وطنية بعيدة المدى، ولها ميزانية وأهداف ومؤشرات ومساءلة، وتكون لها القدرة على التنسيق مع التعليم والصحة والشباب والثقافة والاقتصاد والاستثمار والسياحة، بدل أن تبقى كل هذه الملفات موزعة بين قطاعات تتقاطع فيما بينها ثم يضيع بينها الرياضي في النهاية.

خذوا مثالاً بسيطاً: البطل لا يظهر يوم المباراة. قبل أن يصل إلى منصة التتويج هناك طفل يجب اكتشافه، ومدرسة يجب أن تفتح له الباب، ومدرب يجب أن يعرف كيف يطوره، وطبيب رياضي يجب أن يرافقه، وأسرة تحتاج إلى الاطمئنان على مستقبله، ومنشأة رياضية يجب أن يجد فيها ظروف التدريب، واتحاد يجب أن يوفر له المنافسة، ودولة يجب أن تعرف ماذا ستفعل به عندما تنتهي سنوات العطاء الرياضي. لذلك فإن الحديث عن الرياضة بمعزل عن التعليم والصحة والتكوين والثقافة والشباب والاقتصاد هو في حد ذاته جزء من المشكلة، لأن صناعة البطل أصبحت اليوم صناعة منظومة كاملة.

وإذا كان المغرب قد نجح في عدد من الرياضات في إنتاج أبطال ورفع العلم الوطني في أكبر المحافل، فإن التجربة نفسها تكشف في الوقت ذاته حجم ما يضيع بين أيدينا. كم من موهبة ظهرت في حي أو مدرسة أو نادٍ ولم تجد من يكتشفها؟ كم من رياضي وصل إلى مستوى كان يمكن أن يكون بداية لمسار كبير ثم اصطدم بمشاكل التدريب أو التجهيز أو التمويل أو الإدارة؟ وكم من بطل كان يمكن أن يستمر سنوات أطول لو كانت هناك منظومة تفكر في مساره منذ اكتشاف موهبته إلى ما بعد اعتزاله؟

لهذا فإن العبارة الأخطر في النقاش ليست أننا لا نصنع الأبطال، وإنما أننا في أحيان كثيرة لا نحسن حماية ما نصنعه. وقد نكون أحياناً أكثر قدرة على الاحتفال بالبطل بعد نجاحه من قدرتنا على بناء الطريق الذي أوصله إلى ذلك النجاح.

وهذا يعيدنا إلى أصل الحكاية: من المسؤول سياسياً عن هذه المنظومة؟ عندما تكون الرياضة مرتبطة بهذا العدد من المؤسسات والجامعات والمنتخبات والمنشآت والممارسين والمدربين، وعندما أصبحت نتائجها مرتبطة بصورة المغرب في الخارج، وبالسياحة والاستثمار والاقتصاد الرياضي والإعلام، فمن الطبيعي أن يصبح لها وزن سياسي ومؤسساتي أكبر. الرياضة لم تعد مساحة ترفيهية تُدار على هامش الدولة؛ أصبحت إحدى الأدوات التي تقدم بها الدول نفسها إلى العالم.

المغرب يعرف ذلك جيداً عندما يستثمر في الملاعب الكبرى، وعندما ينظم التظاهرات الدولية، وعندما يدخل في ملفات رياضية قارية وعالمية، وعندما تصبح كرة القدم والجيدو وألعاب القوى والملاكمة والفنون القتالية وغيرها من الرياضات جزءاً من الحضور المغربي خارج الحدود. لكن البنية التحتية وحدها لا تصنع سياسة رياضية، كما أن تنظيم بطولة عالمية لا يعني أننا بنينا منظومة مستدامة للأبطال. الملعب قد يكون حديثاً جداً، لكن السؤال الذي يجب أن يسبقه هو: من سيملأه بعد عشر سنوات؟ ومن أين سيأتي أبطال الغد؟ ومن سيتكفل بهم عندما تتراجع الأضواء؟

ثم هناك الشباب، وهو الملف الذي لا يمكن أن يبقى منفصلاً عن هذه المعادلة. المغرب الذي يبحث عن إجابات جديدة لقضايا الشباب لا يستطيع أن يتعامل مع الرياضة باعتبارها نشاطاً ثانوياً بعد الدراسة والعمل. الرياضة بالنسبة إلى شاب في السادسة عشرة أو الثامنة عشرة قد تكون مدرسة للانضباط والانتماء والعمل الجماعي، وقد تكون أيضاً باباً إلى مهنة ومستقبل. والثقافة في المعنى نفسه ليست ملفاً منفصلاً عن الشباب والرياضة، لأننا نتحدث في الحالتين عن بناء شخصية الإنسان، وعن الطريقة التي تقترح بها الدولة فضاءات للتكوين والتعبير والمنافسة والإبداع بدل أن تترك الأجيال الجديدة تتلقى كل شيء من الشارع أو الهاتف أو المنصات الرقمية.

لهذا ربما يكون النقاش الأوسع من مجرد إنشاء وزارة هو إعادة ترتيب تصور الدولة للرياضة والشباب والثقافة. ليس بالضرورة أن تجمع كل هذه القطاعات في حقيبة واحدة، لكن من الضروري أن تكون بينها رؤية مشتركة، لأن المواطن الذي نطلق عليه اسم “شاب” لا يعيش حياته داخل وزارات منفصلة. هو يدرس، ويمارس الرياضة، ويبحث عن الثقافة، ويحتاج إلى الصحة، ثم يبحث عن فرصة عمل. الدولة هي التي قسمت هذه الاحتياجات إلى قطاعات، وليس الإنسان.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تصبح دعوة أوزين قابلة للنقاش الجدي، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة. يمكن الاختلاف حول شكل الوزارة واختصاصاتها، ويمكن مناقشة ما إذا كان إنشاء وزارة جديدة هو الحل الأفضل، ويمكن حتى التفكير في نموذج مؤسساتي أكثر استقلالاً وفعالية. لكن من الصعب أن نقنع أنفسنا بأن الرياضة المغربية التي تستعد لأكبر المواعيد الدولية يمكن أن تظل تُدار بالعقلية نفسها التي كانت تناسب مرحلة مختلفة تماماً من تاريخ البلاد.

المغرب تغيّر، والرياضة تغيّرت معه. ما بقي يحتاج إلى التغيير هو طريقة نظر الدولة إلى هذا القطاع.

وعندما يطالب سياسي بوزارة للرياضة، فالأفضل ألا نتعامل مع الكلام باعتباره شعاراً انتخابياً جديداً. المطلوب أن نضع الفكرة على الطاولة ونفككها: ما هي الوزارة التي نريد؟ ما صلاحياتها؟ ما علاقتها بالجامعات؟ من يراقب المال الرياضي؟ كيف تُكتشف المواهب؟ كيف يصبح المدرب مهنة حقيقية؟ كيف نربط الرياضة بالمدرسة والجامعة والصحة؟ كيف نحمي البطل من السقوط بعد نهاية مساره؟ وكيف نحول الاستثمار الهائل في المنشآت والتظاهرات إلى صناعة رياضية مغربية مستدامة؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تبدأ الآن، لأن المغرب لم يعد في موقع يسمح له بأن يدير الرياضة كما كان يديرها قبل عقود. لقد أصبح لديه أبطال، ومنشآت، وتظاهرات، وتجربة دولية، وطموح أكبر. وما ينقص هذه العناصر ليس مزيداً من التصفيق، وإنما مؤسسة قادرة على جمعها داخل سياسة واحدة، واضحة وطويلة النفس، تعرف أن صناعة البطل تبدأ قبل أن يعرف الجمهور اسمه بسنوات، وأن قيمة الرياضة لا تقاس فقط بعدد الميداليات، بل بقدرتها على صناعة الإنسان والمجتمع والصورة التي يحملها المغرب إلى العالم.

ربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي وراء كلام أوزين: لسنا بحاجة فقط إلى إدارة الرياضة، بل إلى دولة تملك سياسة رياضية واضحة. وبين الأمرين مسافة كبيرة.

والنقاش حول وزارة الرياضة، إذا فُتح بهذه الجدية، قد يكون بداية لمراجعة أوسع بكثير من اسم وزارة أو شكل حكومة. قد يكون بداية سؤال مغربي مؤجل منذ سنوات: ماذا نريد فعلاً من الرياضة، وماذا نريد أن تفعل الرياضة بالمغرب والمغاربة؟