أوزين يفتح ملف الرياضة من الداخل: هل تحتاج الرياضة المغربية إلى وزارة مستقلة وجامعة أقوى؟ وماذا بعد البقالي؟

0
52

حين يتحدث محمد أوزين عن الرياضة، فالأمر لا يتعلق هذه المرة برئيس حزب ينتقد الحكومة من خارج المنظومة. الرجل كان وزيراً للشباب والرياضة في حكومة عبد الإله بنكيران، وعاش من داخل الوزارة جزءاً من الصراع القديم حول حدود السلطة بين الوزارة والجامعات الرياضية ومديرية الرياضات. لذلك فإن عودته اليوم إلى الملف تحمل سؤالاً يتجاوز أسماء المسؤولين والجامعات: هل المشكلة في الأشخاص الذين يديرون الرياضة، أم في النظام الذي يديرها؟

في حديثه الأخير، لا يكتفي أوزين بتشخيص النتائج الرياضية، بل يذهب إلى أصل المسألة: من يدير الرياضة المغربية، وبأي مؤسسة، وبأي صلاحيات؟

ومن هنا تأتي إثارته لمسألة غياب وزارة مستقلة للرياضة، في وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاق عالمي بحجم كأس العالم 2030.

المفارقة ليست في الاسم وحده. فالمغرب مقبل على تنظيم واحد من أكبر الأحداث الرياضية في العالم، بينما توجد الرياضة داخل قطاع حكومي أوسع، إلى جانب منظومة من المديريات والجامعات والهيئات الرياضية واللجنة الوطنية الأولمبية. والسؤال الذي يطرحه أوزين، في جوهره، هو ما إذا كان هذا البناء المؤسساتي قادراً على مواكبة مرحلة تحتاج إلى قرار رياضي واضح، ومشروع طويل المدى، ومسؤولية محددة يمكن مساءلتها.

هل تحتاج الرياضة المغربية فعلاً إلى وزارة مستقلة؟

لا يعني ذلك بالضرورة أن تغيير الاسم سيغير النتائج. فالوزارة الجديدة، إذا بقيت تشتغل بالعقلية نفسها، لن تنتج أبطالاً بمجرد أن يتغير عنوانها. لكن طرح أوزين يفتح نقاشاً حول مسألة أكثر عمقاً: هل أصبحت الرياضة تحتاج إلى مؤسسة تملك رؤية مستقلة، وتجمع التخطيط والتكوين واكتشاف المواهب والطب الرياضي والتقييم والمحاسبة، بدل أن تظل الاختصاصات موزعة بين أكثر من مستوى إداري ورياضي؟

وهذا النقاش يصبح أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى ما تنتجه المنظومة فعلياً.

في أولمبياد باريس 2024، شارك المغرب في 19 رياضة، بنحو 60 رياضياً ورياضية، لكنه عاد بميداليتين فقط: ذهبية سفيان البقالي في 3000 متر موانع، وبرونزية المنتخب الأولمبي لكرة القدم.

لا أحد يستطيع التقليل من قيمة ما فعله البقالي. على العكس، الرجل صنع تاريخاً رياضياً استثنائياً، وأصبح صاحب ذهبيتين أولمبيتين متتاليتين في السباق نفسه.

لكن نجاح البقالي لا يمكن أن يتحول إلى شهادة نجاح للمنظومة كلها.

وهنا يصبح السؤال الذي يطرحه أوزين أكثر إزعاجاً:

ماذا عن باقي الرياضات؟

إذا كانت دولة تشارك بعشرات الرياضيين في ألعاب متعددة، ثم تعود بذهبية بطل استثنائي وبرونزية في كرة القدم، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل أنقذ البقالي صورة الرياضة المغربية؟

السؤال الأهم هو: لماذا لا تنتج المنظومة أكثر من بقالي واحد؟

بل لماذا لا تنتج ألعاب القوى نفسها أكثر من اسم قادر على المنافسة على الميداليات؟

المشكلة لا تتعلق بالبقالي إطلاقاً. المشكلة أن الرياضي الاستثنائي لا يمكن أن يصبح بديلاً عن منظومة كاملة.

الميدالية الأولمبية لا تُصنع في السنة التي تقام فيها الألعاب. تبدأ قبل ذلك بسنوات، من اكتشاف الطفل، إلى التكوين، والمدرب، والمنافسات الوطنية والقارية، والاحتكاك الدولي، والطب الرياضي، والتغذية، والتأهيل النفسي، ثم المواكبة المستمرة إلى أن يصل الرياضي إلى مستوى النخبة.

ولهذا فإن إصلاح الرياضة لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: من هو رئيس الجامعة؟

بل من سؤال آخر: ما المشروع الذي تملكه كل جامعة لإنتاج أبطال خلال عشر سنوات؟

وهنا تعود قضية الحكامة إلى الواجهة.

فقد شهدت السنوات الماضية نقاشات متكررة حول علاقة الوزارة بالجامعات الرياضية، وحول وضعية بعض الجامعات وطريقة تدبيرها ودرجة احترامها للقواعد القانونية والتنظيمية. والأرشيف نفسه يكشف أن أوزين، عندما كان وزيراً، دخل في خلافات مع مديرية الرياضات حول عدد من الملفات، وكان من بين ما طرحه آنذاك إعادة النظر في أدوار المديرية وإعادة تنظيم علاقتها بالجامعات.

هذه الخلفية تجعل تصريحاته الحالية مختلفة. فهو لا يتحدث عن منظومة لم يعرفها، وإنما عن إدارة سبق أن كان جزءاً منها ومسؤولاً عنها.

لكن المشكلة لا تنتهي عند الوزارة أو المديرية.

هناك سؤال آخر يتعلق بالجامعات نفسها: هل تقوم بدورها التقني في تطوير الرياضة وصناعة الأبطال، أم أن جزءاً من الطاقة التي يفترض أن توجه إلى الميدان يستهلك داخل دوائر التدبير الإداري والصراع على المواقع؟

وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى الفصل بين من يضع السياسة الرياضية، ومن يدير الإدارة، ومن يصنع الرياضي.

فالمدرب ليس موظفاً إدارياً، ورئيس الجامعة ليس وزيراً، والوزارة ليست جامعة رياضية، واللجنة الأولمبية ليست بديلاً عن مشروع وطني للرياضة.

عندما تختلط هذه الأدوار، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية عند الفشل.

ومن يدفع الثمن في النهاية؟ الرياضي الذي يصل إلى المنافسة من دون إعداد كاف، والجيل الذي ينتظر فرصة قد لا تأتي.

لذلك فإن فكرة المؤسسة الرياضية المستقلة التي يثيرها أوزين لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد نقل للاختصاصات من إدارة إلى أخرى. الاستقلالية الحقيقية تعني القرار والخبرة والمحاسبة في الوقت نفسه.

يمكن للدولة أن تواصل التمويل والدعم، لكن الدعم لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن مشروع وأهداف ومؤشرات نتائج. والجامعة يمكن أن تتمتع باستقلالية في تدبيرها التقني، لكن الاستقلالية لا تعني الإفلات من المحاسبة. أما الإدارة، فوظيفتها أن تخدم المشروع الرياضي لا أن تتحول إلى مركز القرار الرياضي الوحيد.

وهنا يصل النقاش إلى مونديال 2030.

استضافة كأس العالم ليست مجرد بناء ملاعب وتنظيم مباريات. صحيح أن البطولة في جوهرها حدث كروي، لكن الاستعداد لها يضع البلد أمام أسئلة أوسع حول البنية الرياضية، ومراكز التكوين، وتأهيل المدربين، والطب الرياضي، والرياضة المدرسية، واكتشاف المواهب، والانتقال من رياضة المناسبات إلى رياضة مستدامة.

لذلك فإن سؤال أوزين عن وزارة مستقلة للرياضة يأتي في توقيت له دلالته.

المغرب لا يستعد فقط لاستقبال العالم في ملاعبه سنة 2030؛ بل يفترض أن يكون قادراً على تقديم نموذج رياضي يستمر بعد مغادرة آخر مشجع أجنبي.

وهذا هو الاختبار الحقيقي.

إذا كان المشروع الرياضي الوطني سيظل ينتظر بطلاً استثنائياً من حجم سفيان البقالي لإنقاذ الحصيلة الأولمبية، فالمشكلة ليست في البقالي، وإنما في منظومة يفترض أن تكون قادرة على صناعة أبطال آخرين إلى جانبه.

البقالي ليس المشكلة.

المشكلة أن نجاح البقالي قد يخفي أحياناً حجم ما لم تنجح المنظومة في إنتاجه حوله.

ومن هنا يصبح حديث أوزين عن وزارة الرياضة والمؤسسة الرياضية والحكامة أكثر من مجرد موقف سياسي. إنه يفتح سؤالاً ينبغي أن يخرج من حدود التصريحات الحزبية إلى نقاش وطني حقيقي:

هل يريد المغرب رياضة تنتظر الاستثناء، أم منظومة قادرة على صناعة الاستثناءات؟

فالاستعداد لمونديال 2030 لا يقتصر على سؤال من سيفوز بكأس العالم. هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: من سيدير الرياضة المغربية بعد 2030، وبأي مشروع، ومن سيحاسبه إذا لم تتحقق النتائج؟