لقجع في وجدة.. حين يصطدم برنامج «البام» بأعطاب عاصمة الشرق

0
99

لم يحتج فوزي لقجع، وهو يتحدث في وجدة، إلى البحث طويلاً عن الملفات التي يمكن أن يلامس بها الحياة اليومية للمدينة. النقل الحضري كان في المقدمة، ثم الاستثمار والتشغيل، فالصحة، والشباب، وصولاً إلى مولودية وجدة التي استعاد من خلالها شيئاً من الذاكرة الرياضية لعاصمة الشرق.

هذه المرة لم يكن الحديث فقط عن برنامج انتخابي يمتد إلى سنة 2031، ولا عن الأرقام التي يقدم بها حزب الأصالة والمعاصرة عرضه الوطني. كان على الخطاب أن يقترب من مدينة لها مشاكل محددة، وناخبين يعرفونها من داخل تفاصيلهم اليومية.

قال لقجع إن وجدة لا تعيش، في تقديره، الوضع الذي تستحقه بالنظر إلى تاريخها ومكانتها داخل جهة الشرق. واستشهد بالنقل الحضري، منتقداً استمرار اعتماد المدينة على حافلات اعتبر أنها لا تليق بمدينة بهذا الحجم. ثم انتقل إلى الاستثمار والشغل، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، معتبراً أن الطاقات الموجودة في وجدة لا تجد ما يكفي من الفرص لإنشاء المقاولات والاندماج الاقتصادي.

أما الصحة، فكانت حاضرة من زاوية أوسع. فلقجع يرى أن الاعتماد الكبير على المركز الاستشفائي الجامعي بوجدة لا يمكن أن يكون كافياً لتغطية حاجيات جهة كاملة، في وقت تعاني فيه أقاليم أخرى من ضعف العرض الصحي. هنا انتقل الخطاب من مشكلة محلية إلى سؤال يتعلق بكيفية توزيع الخدمات داخل الجهة.

ولا تبدو الإشارة إلى هذه الملفات عرضية. فالحزب الذي يقدم نفسه للناخبين باعتباره مستعداً لتدبير الحكومة المقبلة يحتاج، في محطات حملته الانتخابية، إلى أن يثبت أن برنامجه الوطني يمكن أن ينزل إلى المدن والأقاليم، حيث لا تُقاس السياسة بالأرقام وحدها. المواطن يعرف الحافلة التي يستقلها، والمستشفى الذي يقصده، وفرصة العمل التي لم يجدها.

ولهذا حضرت مولودية وجدة أيضاً.

استعاد لقجع أسماء من تاريخ كرة القدم الوجدية، من الفيلالي والسميري والحيواني والطيري إلى أجيال أخرى صنعت جزءاً من ذاكرة الكرة المغربية في ظروف لم تكن سهلة. ثم دعا إلى تضافر الجهود حتى يستعيد الفريق موقعه.

المسألة هنا ليست مجرد استدعاء لكرة القدم داخل لقاء انتخابي. وجدة مدينة ترتبط فيها الرياضة، وخصوصاً المولودية، بذاكرة محلية قوية. لكن تحويل هذا الحضور الرمزي إلى نتيجة فعلية يظل مرتبطاً بما يمكن أن يترجم على مستوى النادي ومحيطه الرياضي، وليس بما قيل على المنصة فقط.

في بقية الخطاب، عاد لقجع إلى القضايا التي يضعها «البام» في صلب برنامجه الانتخابي: القدرة الشرائية، المتقاعدون، الضريبة على الدخل، الشباب، الصحة والتعليم والسكن.

الحزب يقدم برنامجه إلى غاية 2031 بكلفة إجمالية أعلن لقجع في محطة سابقة أنها تبلغ 350 مليار درهم، أي بمعدل 70 مليار درهم سنوياً، مع تأكيد عدم اللجوء إلى زيادات ضريبية إضافية لتمويل هذه الالتزامات.

وفي وجدة، أخذت هذه الأفكار شكلاً أكثر قرباً من الحياة اليومية. تحدث لقجع عن تحسين مداخيل المتقاعدين، وعن دعم الأسر ذات الاستهلاك الكهربائي المحدود، وعن تخفيف الضريبة على الدخل بالنسبة إلى أجراء القطاعين العام والخاص، مقدماً تقديرات لمكاسب مالية تختلف بحسب مستوى الأجر.

كما ربط القدرة الشرائية بإعادة النظر في موقع الوسطاء داخل سلاسل التوزيع، معتبراً أن الهوامش التي تتحقق بين المنتج والمستهلك تحتاج إلى معالجة حتى تصل المواد الأساسية إلى المواطنين بأسعار أكثر ملاءمة.

هذه ليست المرة الأولى التي يضع فيها لقجع القدرة الشرائية في قلب الخطاب الانتخابي للحزب. لكنها تصبح أكثر مباشرة عندما تُطرح أمام مدينة يتحدث فيها عن البطالة والاستثمار والنقل والصحة في الوقت نفسه. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار لا يفصل بالضرورة بين فاتورة الكهرباء وأجره والنقل الذي يستعمله والخدمة الصحية التي يحصل عليها.

ولقجع نفسه حاول نقل النقاش من مستوى الوعود العامة إلى فكرة الإجراءات المحددة. وهو يقول إن البرنامج لم يُبن، حسب عرضه، على الشعارات، وإنما على قضايا يرى الحزب أنها تحظى بإجماع واسع، ثم محاولة ربط الحلول بالزمن والإمكانيات والوسائل المتاحة للتنفيذ.

لكن الجزء الأكثر حساسية في خطابه ربما كان حديثه عن الشباب.

قال إن الشباب وضع قلقه وغضبه بشأن المستقبل بطريقة حضارية، وإن الرسالة وصلت. ثم عرض تصور الحزب باعتباره مساراً يبدأ من المدرسة، ويمر بالتكوين والإدماج ومواكبة المبادرات الاقتصادية وإنشاء المقاولات، وصولاً إلى السكن.

مرة أخرى، ينتقل الخطاب من التشخيص إلى الالتزام. غير أن الفرق بين الاثنين سيظهر في التفاصيل: كم وظيفة؟ كم مقاولة؟ بأي تمويل؟ وما نصيب وجدة والجهة الشرقية من هذه السياسات إذا تحولت إلى برنامج حكومي؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها لقاء انتخابي واحد، ولا يفترض أن يجيب عنها. لكنها ستصبح جزءاً من الاختبار السياسي لأي حزب يقدم نفسه على أساس القدرة على الانتقال من البرنامج إلى التنفيذ.

وفي الصحة والتعليم، كان لقجع أكثر وضوحاً في تحديد الصورة التي يريدها «البام»: مستشفى يحفظ كرامة المريض ويقدم له العلاج في الوقت المناسب، ومدرسة عمومية تؤدي دورها في التعليم والتكوين وغرس القيم وإعداد التلميذ للحياة المهنية والاجتماعية.

وفي الجانب السياسي، رفض لقجع أن يتحول تقييم الحصيلة إلى مجرد مواجهة بين الأحزاب، وقال إن كل طرف قدم ما استطاع، وإن المواطنين قادرون على التمييز بين من اشتغل لخدمة البلاد ومن يجعل المناصب هدفاً له. وانتقد التهافت على المسؤوليات والمواقع، في خطاب يأتي في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية.

وفي الوقت نفسه، كان واضحاً في طلب الثقة لحزبه. فقد ربط تنفيذ البرنامج بالحصول على الدعم الانتخابي، ودعا إلى التصويت بكثافة لمرشحي الأصالة والمعاصرة، مذكراً بأن الحزب لم يسبق له قيادة الحكومة، وأن منحه الفرصة سيتيح، وفق طرحه، محاسبته لاحقاً على ما سينجزه وما لن ينجزه.

هنا تحديداً يصبح خطاب وجدة جزءاً من معادلة أكبر.

فلقجع لا يقدم نفسه في هذه المرحلة باعتباره صاحب مشروع خاص بالمدينة، وإنما كأحد الوجوه التي تشرح عرض «البام» في الطريق إلى انتخابات 23 شتنبر. وفي محطات سابقة، قال الحزب عبر لقجع إن هدفه هو تنزيل البرنامج في حال تمكن من قيادة الحكومة.

لكن وجدة أعادت الخطاب إلى الأرض.

حافلات، مستشفيات، شباب يبحث عن فرصة، فريق رياضي يريد استعادة موقعه، ومدينة يقول لقجع إنها لا تستفيد من مكانتها التاريخية كما ينبغي. هذه هي التفاصيل التي سيصطدم بها أي برنامج وطني عندما يصل إلى مستوى التدبير.

أما تحويل هذا التشخيص إلى مسار جديد لعاصمة الشرق، فذلك لن تحدده المنصة الانتخابية وحدها. سيبدأ الاختبار الحقيقي عندما تصبح الوعود أرقاماً، والاختيارات اعتمادات، والمشاريع آجالاً للتنفيذ، وعندما يستطيع سكان وجدة أن يروا الفرق في حياتهم اليومية.