من مكاتب الاتصال إلى السفارات: اتفاق نيويورك يفتح ملفات أوسع.. والصحراء والدفاع والتصنيع في قلب تفاهمات تُنسب إلى المسار المغربي الأمريكي الإسرائيلي

0
88

لم يحتج الإعلان الذي خرج من نيويورك في 16 شتنبر إلى كثير من العبارات الدبلوماسية حتى يكشف أن العلاقة المغربية الإسرائيلية تدخل مرحلة مختلفة. المغرب وإسرائيل اتفقا، بحضور الولايات المتحدة، على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى سفارات وتعيين سفراء، مع توسيع الرحلات الجوية والعمل على استكمال اتفاقات اقتصادية واستثمارية. الاجتماع جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، واستضافه السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.

لكن الصيغة التي أُعلن بها الاتفاق لا تقول إن كل الملفات التي رافقت العلاقة طوال السنوات الماضية حُسمت في ذلك الاجتماع. ما تقوله الوثيقة المعلنة هو أن الدول الثلاث أعادت وصل المسار الجديد بالإعلان المغربي الأمريكي الإسرائيلي الصادر في 22 دجنبر 2020، وأن الرباط وتل أبيب قررتا الانتقال بالعلاقة إلى مستوى السفارات، واستئناف الرحلات المباشرة، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، مع العمل على اتفاقات تتعلق بحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي.

وهذا التفصيل مهم، لأن اجتماع نيويورك لا يبدو منفصلاً عن البنية التي وُضعت في نهاية 2020. آنذاك أعلن المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وسلمية وودية، وإعادة فتح مكتبي الاتصال، وإطلاق الرحلات الجوية والتعاون في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة، بالتزامن مع الموقف الأمريكي الذي اعترف بسيادة المغرب على الصحراء.

غادرت إدارة دونالد ترامب البيت الأبيض بعد أسابيع، واستمر الاعتراف الأمريكي خلال إدارة جو بايدن، لكن عدداً من عناصر المسار لم يصل إلى المستوى الذي كانت الرباط تتطلع إليه. بقيت السفارات الكاملة مؤجلة، كما ظل ملف القنصلية الأمريكية في الداخلة دون استكمال بالشكل الذي طُرح في إعلان 2020.

عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت العامل الأمريكي إلى مركز الصورة. وفي الأول من غشت 2026، نقل الديوان الملكي رسالة من الرئيس الأمريكي إلى الملك محمد السادس جدد فيها الموقف الأمريكي من السيادة المغربية على الصحراء، ودعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد لحل عادل ودائم، بحسب النص الرسمي المنشور من الجانب المغربي.

وبين إعلان 2020 ورسالة غشت 2026، تغير أيضاً الإطار الأممي الذي تتحرك داخله الرباط.

فالقرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 لم يقرر وضعاً نهائياً للصحراء، لكنه أدخل تعديلاً واضحاً على لغة التفاوض. القرار دعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات من دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه يوفر تقرير المصير لسكان الصحراء الغربية، وقال إن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتحقق. كما مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء إلى 31 أكتوبر 2026.

هذه الصياغة هي التي تجعل محطة أكتوبر المقبلة أكثر أهمية من مجرد موعد دوري لتجديد ولاية البعثة الأممية. القرار السابق وضع مقترح الحكم الذاتي في قاعدة المفاوضات، لكنه أبقى النتيجة النهائية مرتبطة بتوافق الأطراف وبمفهوم تقرير المصير الوارد في القرار نفسه. ولهذا فإن الانتقال من قرار 2797 إلى قرار جديد لا يمكن قراءته فقط من زاوية ما ستضيفه الولايات المتحدة، بل أيضاً من زاوية ما إذا كان مجلس الأمن سيحافظ على اللغة نفسها أو سيدفعها إلى مرحلة أخرى.

المصادر التي تحدثت إليها الجهة الصحفية صاحبة التقرير تذهب أبعد من ذلك. فهي تقول إن الاتصالات التي سبقت اجتماع نيويورك لم تكن محصورة في الملف الدبلوماسي، وإن واشنطن كانت حاضرة في مراحل أساسية من المفاوضات بين الرباط وتل أبيب. ووفق هذه المصادر، فإن النقاش شمل الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا، إلى جانب التعاون الدفاعي والصناعات المرتبطة به.

وتضيف هذه المصادر أن بوريطة أجرى مباحثات مطولة مع ساعر، بحضور الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال، وأن النقاش امتد إلى تفاهمات دفاعية وصفقات جديدة ومشاريع للتصنيع العسكري داخل المغرب تعتمد على التكنولوجيا والخبرة الإسرائيلية.

هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى إبقاء المسافة بين الخبر المعلن والتسريب الدبلوماسي. الإعلان الرسمي عن اجتماع نيويورك تحدث عن تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والرحلات الجوية، ولم ينشر تفاصيل عن صفقات دفاعية جديدة أو عن مشاريع محددة للتصنيع العسكري. لذلك فإن الحديث عن هذه الملفات يبقى، في حدود المعطيات المتاحة علناً، منسوباً إلى المصادر التي أوردتها المادة الأصلية، وليس إلى اتفاق منشور بتفاصيله.

أما أصل التعاون الدفاعي بين البلدين فهو سابق على اجتماع نيويورك بكثير. فقد وقّع المغرب وإسرائيل في 2021 مذكرة تفاهم دفاعية أرست إطاراً للتعاون العسكري، وتبع ذلك تعاون في مجالات التدريب والاستخبارات والصناعة الدفاعية، فيما ظهرت خلال السنوات الماضية صفقات ومشاريع مرتبطة بالطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة والتسليح. كما سبق أن عبّر مسؤولون مغاربة عن اهتمام بإقامة مشاريع صناعية دفاعية مشتركة داخل المملكة.

لذلك فإن ما تنسبه المصادر إلى المفاوضات الحالية، إذا تأكد لاحقاً عبر اتفاقات أو إعلانات رسمية، سيكون تطوراً في طبيعة التعاون أكثر من كونه بداية له: الانتقال من شراء أنظمة أو معدات إلى البحث عن إنتاج محلي ونقل تكنولوجيا وتكوين قاعدة صناعية مرتبطة بالدفاع.

ويبقى الملف الأكثر حساسية خارج العلاقات الثنائية نفسها.

المصادر الدبلوماسية التي استند إليها التقرير تقول إن الرباط تنتظر من واشنطن دوراً مؤثراً في صياغة القرار المقبل لمجلس الأمن، وإن الهدف هو الدفع نحو لغة أكثر تقدماً بشأن الحكم الذاتي وترسيخ موقعه قاعدة للتفاوض. لكن لا يوجد، في المعطيات العلنية المتاحة حتى الآن، نص أمريكي نهائي للقرار المقبل يمكن الاستناد إليه للقول إن هذه الصيغة قد حُسمت.

الذي يمكن تثبيته هو أن واشنطن أعادت، في غشت، تأكيد اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي، وأن مجلس الأمن كان قد جعل المقترح المغربي أساساً للمفاوضات في قراره السابق. أما ما سيحدث في أكتوبر، فيبقى رهناً بالمفاوضات داخل المجلس وبمواقف أعضائه وبالمسار الذي ستسلكه المفاوضات السياسية.

حتى الإعلان الخاص بالسفارات يحمل في حد ذاته إشارة إلى طبيعة المرحلة الجديدة. فالمغرب وإسرائيل لا يتحدثان فقط عن استمرارية العلاقة، بل عن رفع مستوى مؤسساتها: سفارات، سفراء، رحلات مباشرة، اتفاقات استثمار، وعلاقات تجارية. وأعلن الجانب الإسرائيلي كذلك عن زيارات رفيعة المستوى متبادلة خلال الأشهر المقبلة.

وهذا يجعل اتفاق نيويورك أقرب إلى إعادة تشغيل متكاملة لمسار 2020 بعد سنوات من التباطؤ، مع إضافة عناصر لم تكن قد نضجت آنذاك، خصوصاً على المستوى الاقتصادي والاستثماري.

أما ما إذا كان هذا المسار سيقود فعلاً إلى ترتيبات جديدة في ملف الصحراء، فهذه مسألة ستظهر في الوثائق اللاحقة أكثر مما تظهر في العبارات الاحتفالية المصاحبة للإعلان. فالولايات المتحدة تملك بالفعل موقفاً معلناً ومجدداً بشأن السيادة المغربية والحكم الذاتي، ومجلس الأمن وضع مقترح الحكم الذاتي في أساس المفاوضات، لكن القرار الأممي نفسه لم يحسم النتيجة النهائية للنزاع.

بين هذه المستويات الثلاثة تتحرك الدبلوماسية المغربية الآن: علاقة ثنائية تنتقل من مكاتب اتصال إلى سفارات، شراكة مع واشنطن أعيد تأكيد أحد أكثر عناصرها حساسية، ومسار أممي سيدخل محطة جديدة في أكتوبر.

أما الحديث عن الصفقات الدفاعية والتصنيع العسكري والضغط الأمريكي من أجل صيغة أممية جديدة، فهو الجزء الذي سيحتاج إلى وثائق واتفاقات معلنة حتى ينتقل من دائرة المصادر الدبلوماسية إلى دائرة الوقائع المثبتة. وما أعلن في نيويورك يكفي وحده لإثبات أن المسار الذي بدأ في دجنبر 2020 لم يتوقف؛ لكنه لا يكشف بعد كل ما يجري في الملفات التي تُدار بعيداً عن منصة الإعلان الرسمي.