بقلم: قراءة وتحليل في مقال الأستاذ ياسر مزواري، باحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية وفاعل مدني
حين يتحدث الأستاذ ياسر مزواري عن «المغرب الصاعد»، فهو لا يتعامل مع العبارة باعتبارها وصفاً دعائياً لمرحلة اقتصادية جديدة، وإنما يجعل منها سؤالاً سياسياً واجتماعياً مفتوحاً: ماذا يحدث عندما يتغير الاقتصاد بسرعة أكبر من قدرة السياسة على تفسير هذا التغيير ومواكبته؟
هذه هي الفكرة التي تنتظم حولها مادته حول «الأحزاب والمغرب الصاعد». ومزواري، صاحب النص والأفكار والمواقف الواردة فيه، ينطلق من ملاحظة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها امتحاناً حقيقياً للأحزاب المغربية: المشاريع الكبرى في البنيات التحتية والصناعة والطاقة والرقمنة قد تغير صورة الاقتصاد، لكنها لا تصبح بالضرورة تنمية مكتملة في عين المواطن إلا عندما يرى أثرها في المدرسة، والصحة، والعمل، والخدمات، وفي قدرته على تحسين شروط حياته.
هنا تحديداً تنتقل المسألة من الاقتصاد إلى السياسة.
فالمواطن لا يعيش في أرقام الاستثمار ولا في مؤشرات النمو وحدها. إنه يقيس التحول بما يصل إلى حياته اليومية. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه مزواري على الأحزاب ليس فقط: ماذا تقول عن التنمية؟ وإنما: هل تستطيع أن تجعل التنمية موضوعاً سياسياً قابلاً للفهم والمساءلة والاختيار؟
وهذا فرق جوهري.
من حزب يواكب التحول إلى حزب يشارك في صنعه
في تصور ياسر مزواري، لا ينبغي أن تظل الأحزاب في موقع المتلقي للتحولات الكبرى التي يعرفها المغرب. فالمغرب الذي يتغير اقتصادياً ومجالياً وتكنولوجياً يحتاج، في نظره، إلى أحزاب تدخل إلى قلب هذا التحول، فتناقش أولوياته وتقدم بدائلها وتراقب نتائجه وتتحمل مسؤولية اختياراتها حين تكون في موقع التدبير.
وهنا يلامس مزواري واحدة من أكثر النقاط حساسية في الحياة السياسية: قيمة الحزب لا تُقاس فقط بحضوره في الانتخابات، وإنما بقدرته على إنتاج الاختيارات.
فالانتخابات تمنح الشرعية، لكنها لا تنتج وحدها مشروعاً مجتمعياً. والحزب الذي يقول إن التعليم أولوية، كما يوضح مزواري، مطالب بأن يذهب أبعد من العبارة العامة: ماذا سيفعل مع التعثر الدراسي؟ كيف سيؤهل المؤسسات؟ ماذا عن المدرسين؟ ما الكلفة؟ وما الجدول الزمني؟
هذه التفاصيل، في قراءة مزواري، ليست تقنية زائدة عن الحاجة. إنها جوهر السياسة نفسها.
لأن المواطن لا يستطيع محاسبة حزب على شعار، وإنما يستطيع مساءلته عن وعد محدد، وميزانية معلنة، وأجل للتنفيذ، ونتيجة قابلة للقياس.
وهنا يبرز السؤال الذي يستخلصه النص بوضوح: هل ما زالت الأحزاب المغربية تنتج الاختلاف السياسي من خلال البرامج والاختيارات، أم أن جزءاً من التنافس السياسي أصبح يدور حول المواقع أكثر مما يدور حول نماذج التدبير؟
السؤال ليس اتهاماً لحزب بعينه، بل هو امتحان عام للمنظومة الحزبية.
المرجعية الملكية لا تلغي المسؤولية الحزبية
يستند مزواري إلى عدد من التوجيهات الملكية التي جعلت التنمية والإصلاح والحكامة وتحسين مناخ الأعمال وربط التنمية بالنهوض بأوضاع المواطنين جزءاً من مسار الدولة المغربية. ففي خطاب 20 غشت 2014، تم الربط صراحة بين الالتحاق بركب الدول الصاعدة وبين مواصلة إصلاح القضاء والإدارة وتحسين مناخ الأعمال ومحاربة الفساد، مع التشديد على ألا تتحول التنمية إلى مسار يوسع الفوارق الاجتماعية.
وفي خطاب 20 غشت 2011، جرى التأكيد على دور المؤسسات والأحزاب في بناء المسار الديمقراطي والتنموي، وعلى أن الانتخابات ينبغي أن تكون مناسبة للتنافس حول البرامج والنخب المؤهلة، لا مجرد صراع على المقاعد.
لكن القراءة التي يقترحها مزواري تذهب إلى نقطة مهمة: الاستناد إلى التوجيهات الكبرى لا يعفي الأحزاب من الاجتهاد السياسي.
فالمرجعية العامة تحدد الأفق، لكنها لا تجيب وحدها عن كل الأسئلة.
كم ستخصص الدولة للتعليم؟ أين ينبغي أن يوجه الاستثمار؟ كيف تتم العدالة الجبائية؟ ما حدود تدخل الدولة؟ أين يبدأ دور القطاع الخاص؟ كيف يتم دعم المقاولات الصغيرة؟ وما نوع العلاقة التي ينبغي أن تربط الجامعة بالاقتصاد؟
هنا يفترض أن يبدأ الاختلاف الحزبي الحقيقي.
أي أن تكون هناك رؤية وطنية مشتركة، لكن مع اختلاف مشروع حول الطريق المؤدي إليها.
النموذج التنموي… الامتحان يبدأ بعد كتابة الوثيقة
يضع مزواري النموذج التنموي الجديد داخل هذا السياق، باعتباره إطاراً أفقياً يمتد إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية وتنمية الرأسمال البشري.
لكن أهمية ملاحظته لا تكمن في استحضار النموذج في حد ذاته، وإنما في السؤال الضمني الذي يطرحه: ماذا يحدث عندما تنتقل الوثيقة من مستوى الرؤية إلى مستوى الحياة اليومية؟
فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم الميزانية المرصودة لقطاع ما، وإنما بما إذا كانت هذه الميزانية أحدثت التغيير المنتظر.
قد ترتفع ميزانية الصحة ولا تختفي معاناة الانتظار. وقد ترتفع الاستثمارات ولا تصل آثارها إلى الشباب أو المقاولات الصغيرة. وقد تتوسع الرقمنة بينما يجد جزء من المواطنين أنفسهم أمام خدمات إلكترونية لا يمتلكون الأدوات أو المعرفة الكافية لاستعمالها.
وهنا يقترح مزواري للأحزاب وظيفة تتجاوز المعارضة التقليدية أو الدفاع عن الحصيلة: التقييم.
أن تسأل الحزب عن الأثر، لا عن المشروع فقط.
عن النتيجة، لا عن الإعلان.
عن الفجوة بين ما كان مقرراً وما تحقق.
وهذا يفتح سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: هل تمتلك الأحزاب فعلاً أجهزة بحث وتقييم قادرة على إنتاج معرفة مستقلة حول السياسات العمومية، أم أنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الخطاب السياسي الجاهز؟
دولة قوية… ومجتمع لا يكتفي بالمشاهدة
من أكثر الأفكار دلالة في نص مزواري الربط بين قوة الدولة وقوة المجتمع.
فالدولة القوية، في تصوره، هي التي تستطيع التخطيط وتنفيذ القانون وضمان الحقوق واستمرارية الخدمات. لكن المجتمع القوي هو أيضاً مجتمع قادر على التنظيم والتعبير والمشاركة وتحويل مطالبه إلى مقترحات.
وبين الطرفين توجد الأحزاب.
هذه النقطة تكشف أن مزواري لا يتحدث عن الأحزاب باعتبارها مجرد آلات انتخابية، بل باعتبارها وسيطاً مؤسساتياً بين الدولة والمجتمع.
لكن هذا الوسيط لا يستطيع أداء وظيفته إذا كان بعيداً عن المجتمع.
ومن هنا تأتي دعوته إلى حضور الأحزاب في الأحياء والقرى، وإلى علاقات أكثر حيوية مع الجمعيات والنقابات والفاعلين الاقتصاديين.
والرسالة هنا موجهة إلى المسؤول الحزبي بقدر ما هي موجهة إلى المواطن: إذا لم يعرف الحزب كيف يعيش المجتمع، فكيف سيقترح سياسات باسمه؟
ثم يذهب مزواري إلى نقطة أكثر حساسية: تجديد الأحزاب يبدأ من داخلها.
فالحزب الذي يريد إقناع الشباب بالمشاركة السياسية مطالب، أولاً، بأن يفتح لهم المجال داخل مؤسساته، وأن يجعل الكفاءة والعمل والخبرة جزءاً من معايير الصعود السياسي.
وهذا يجعل سؤال التجديد الداخلي ليس مسألة تنظيمية فقط، بل جزءاً من سؤال الثقة السياسية.
الاقتصاد المغربي: نموذج واحد أم عدة مسارات؟
هنا يقدم مزواري واحدة من أكثر أفكاره قابلية للنقاش السياسي الحقيقي.
فالمغرب، كما يقرأه، لا يحتاج بالضرورة إلى تصور اقتصادي يلغي التنوع، وإنما إلى أهداف وطنية مشتركة ومسارات متعددة للوصول إليها.
المصنع الموجه للتصدير ليس هو التعاونية القروية. والمقاولة الصناعية الصغيرة ليست هي الشركة الناشئة في المجال الرقمي. والفلاح الصغير لا يواجه الشروط نفسها التي تواجهها شركة صناعية كبرى.
لذلك يصبح السؤال السياسي هو: كيف يمكن جمع هذه المسارات داخل اقتصاد وطني واحد دون سحق الاختلاف بينها؟
هنا تدخل العدالة الجبائية، والتمويل، والعقار، والصفقات العمومية، وحماية الشغل، ودعم المقاولات، والاستثمار العمومي.
وهنا أيضاً ينبغي، وفق منطق مزواري، أن يظهر الفرق بين الأحزاب.
ليس في إعلان أن الجميع يريد التنمية، وإنما في الإجابة عن سؤال أي تنمية؟ ولمن؟ وبأي كلفة؟ ومن سيدفع ثمنها؟ ومن سيستفيد منها؟
هذه هي النقطة التي تجعل الاقتصاد سياسة.
المدرسة والمستشفى والماء… حيث ينتهي الخطاب وتبدأ السياسة
عندما ينتقل مزواري إلى التعليم والصحة والماء والطاقة والفلاحة والرقمنة والنقل والسكن والثقافة، فهو يفعل شيئاً مهماً: يعيد النقاش التنموي من مستوى المشاريع الكبرى إلى مستوى الحياة اليومية.
فالمغرب قد ينجح في جذب استثمار صناعي، لكن السؤال الاجتماعي سيظل قائماً: هل يجد هذا الاستثمار الكفاءات التي يحتاجها؟ وهل يستفيد منه الشباب المحلي؟ وهل تنشأ حوله منظومة مقاولات وخدمات وتكوين؟
وفي الصحة، لا يحتاج المواطن إلى تعريف نظري للإصلاح. إنه يعرفه من الطبيب الموجود أو الغائب، ومن الدواء المتوفر أو غير المتوفر، ومن موعد ينتظر شهوراً أو خدمة يحصل عليها في الوقت المناسب.
وفي الماء والفلاحة، يصبح القرار الاقتصادي قراراً اجتماعياً أيضاً، لأن الاختيارات المتعلقة بالمياه والإنتاج الزراعي ستحدد، لسنوات، طبيعة الاقتصاد القروي ومصير آلاف الأسر.
أما الرقمنة، في نظر مزواري، فلا ينبغي أن تصبح مجرد تحديث للواجهة. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تقلل التعقيد، وتختصر الوقت، وتحسن الخدمة، وتساعد المواطن بدل أن تضيف طبقة جديدة من الصعوبة.
بهذا المعنى، يعيد مزواري تعريف التنمية من منظور المواطن: المشروع لا تكتمل قيمته عندما يُنجز، وإنما عندما يبدأ أثره في الظهور في حياة الناس.
إفريقيا ليست ملفاً خارجياً للأحزاب
يأخذ النص أيضاً النقاش نحو العمق الإفريقي للمغرب، مستحضراً التوجهات التي جعلت التعاون مع القارة جزءاً من السياسة المغربية. وفي خطاب 2017، تم التأكيد على البعد الإفريقي للمغرب وعلى التعاون والتنمية والرخاء المشترك بين الشعوب الإفريقية.
لكن مزواري لا يكتفي بقراءة هذا البعد من زاوية الدولة والدبلوماسية الرسمية.
إنه يطرح سؤالاً مختلفاً: أين إفريقيا داخل الثقافة السياسية للأحزاب المغربية؟
إذا كانت للمغرب مصالح اقتصادية واستثمارية وشراكات متزايدة في القارة، فإن المعرفة بإفريقيا لا يمكن أن تظل حكراً على المؤسسات الرسمية ورجال الأعمال والدبلوماسية.
يمكن للأحزاب أن تبني علاقات مع نظيراتها الإفريقية، وأن تطور العمل البرلماني، وأن تفتح قنوات مع الجامعات والشباب والفاعلين المحليين.
والأهم أن تجعل إفريقيا موضوعاً للتكوين السياسي، لا مجرد مناسبة للبيانات والزيارات.
وهنا تتوسع فكرة «المغرب الصاعد» التي ينطلق منها مزواري: الصعود الاقتصادي لا يكتمل بالتموقع الخارجي فقط، وإنما يحتاج إلى مجتمع سياسي قادر على فهم التحولات التي تحيط به.
الرسالة الأخيرة: الحزب مطالب بأن يثبت لماذا يحتاجه المجتمع
في نهاية المطاف، لا يبدو نص ياسر مزواري دفاعاً عن الأحزاب بقدر ما يبدو مطالبة لها بإثبات جدواها.
وهذا ربما هو أهم ما يمكن استخلاصه من المقال.
فالأحزاب ليست مطالبة بأن تتفق على كل شيء. الاختلاف جزء من وظيفتها. لكن الاختلاف الذي لا ينتج بديلاً واضحاً يتحول إلى مجرد تنافس على المواقع.
المغرب الذي يتغير يحتاج إلى اختلافات سياسية حقيقية حول الضرائب، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والاستثمار، والماء، والطاقة، والفلاحة، والرقمنة، والعدالة المجالية، ودور الدولة والقطاع الخاص والاقتصاد الاجتماعي.
يحتاج أيضاً إلى أحزاب تستطيع أن تقول للمواطن، قبل الانتخابات وبعدها: هذا هو اختيارنا، وهذه كلفته، وهذه أولوياته، وهذه النتائج التي نلتزم بتحقيقها، وهذا ما يمكن أن تحاسبونا عليه.
ومن هنا، فإن الرسالة التي يوجهها الأستاذ ياسر مزواري، الباحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية والفاعل المدني، إلى الأحزاب المغربية تبدو في جوهرها أوسع من مجرد دعوة إلى تجديد الخطاب.
إنها دعوة إلى إعادة تعريف الوظيفة السياسية نفسها.
أما الرسالة الموجهة إلى المجتمع، فهي أن التنمية ليست شيئاً يحدث فوق رؤوس المواطنين، وإنما مسار ينبغي أن تكون لهم فيه قدرة على السؤال والمشاركة والمراقبة.
ورسالة المسؤول العمومي أن المشروع التنموي لا ينتهي عند تدشين المنشأة أو الإعلان عن البرنامج، وإنما يبدأ عندما يدخل إلى حياة المواطن.
أما السؤال الذي يتركه مزواري مفتوحاً أمام الأحزاب، فهو الأصعب: إذا كان المغرب يدخل مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والاجتماعي، فهل ستدخل الأحزاب معه المرحلة نفسها، أم ستظل تمارس سياسة المرحلة السابقة بأدواتها القديمة؟
هذا السؤال لا يملك مزواري وحده جوابه، ولا ينبغي أن يملكه كاتب المقال. لكنه يضعه في المكان الصحيح: في ملعب الأحزاب، وفي النهاية في ملعب المجتمع الذي سيحكم على الفرق بين الكلام والنتيجة.