الانتقال من مؤشرات النمو الاقتصادي إلى أثرها الملموس في حياة المواطنين، ومن إعلان البرامج الحكومية إلى قياس نتائجها، ومن مركزية القرار التنموي إلى إنصاف المجالات التي ظلت تعاني تفاوتات في فرص التنمية والخدمات الأساسية؛ تلك هي الخيوط الناظمة للقراءة التي يقدمها محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، للخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان المغربي.
في بلاغه، يعبر أوزين عن اعتزاز حزب الحركة الشعبية بالتوجيهات الملكية، ويستخلص منها دعوة إلى تعبئة وطنية ومسؤولية سياسية ومؤسساتية متجددة. غير أن أهمية هذه القراءة تتجاوز إعلان التفاعل مع الخطاب الملكي؛ فهي تضع التنمية أمام سؤال جوهري: ما القيمة التي تكتسبها المؤشرات الاقتصادية إذا لم تتحول إلى فرص شغل، وتحسن في القدرة الشرائية، ومدرسة عمومية أفضل، ومستشفى أكثر قدرة على الاستجابة لحاجات المواطنين؟
هنا تبدأ الدلالة السياسية للبلاغ. فمحمد أوزين يربط الرؤية الملكية بمسؤولية التنفيذ، ويجعل المواطن المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به السياسات العمومية، بدل الاكتفاء بما تحققه من أرقام أو بما تعلنه من برامج. وهذه الزاوية تنقل النقاش من مستوى الأهداف المعلنة إلى مستوى النتائج التي يمكن للمواطن أن يلمسها في حياته اليومية.
العدالة المجالية.. حين يصبح عنوان التنمية اختباراً لسياسات الدولة
يمنح أوزين حيزاً مهماً للجهوية المتقدمة، باعتبارها مدخلاً لإعادة النظر في كيفية توزيع فرص التنمية بين الجهات والمناطق. ويستحضر في هذا السياق العالم القروي والمناطق الجبلية والواحات، وهي مجالات يربطها باستمرار تحديات الولوج إلى الخدمات الأساسية وتحقيق الإنصاف التنموي.
تنبع أهمية هذه الإشارة من كون العدالة المجالية لا تتعلق فقط بتوزيع المشاريع على الخريطة، وإنما بقدرة المؤسسات على ضمان شروط عيش متقاربة، مهما اختلف مكان إقامة المواطن. فحين تتباعد فرص التعليم والعلاج والشغل بين مدينة كبرى وقرية نائية، يصبح التفاوت المجالي جزءاً من التفاوت الاجتماعي نفسه.
ومن هذه الزاوية، يضع الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الجهوية المتقدمة أمام امتحان يتجاوز وجود المؤسسات والاختصاصات القانونية إلى مدى قدرتها على إنتاج تنمية يشعر بها السكان. فالمعيار ليس عدد المشاريع المبرمجة في كل جهة، وإنما مدى استجابتها للحاجات الفعلية، وقدرتها على تقليص الفوارق بين المركز والأطراف.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي يستخلصه القارئ من كلام أوزين: هل ستتحول الجهوية المتقدمة إلى آلية فعلية لإعادة توزيع فرص التنمية، أم ستظل بعض المجالات تنتظر وصول آثار البرامج التي تُصاغ وتُدبّر بعيداً عنها؟
إن الإجابة لا تتوقف على حجم الاستثمارات وحده، بل ترتبط أيضاً بجودة التخطيط الترابي، ووضوح المسؤوليات، وقدرة المجالس المنتخبة والإدارات العمومية على تحديد الأولويات وفق حاجات السكان. كما تتطلب آليات لتقييم النتائج، حتى لا يصبح إطلاق المشاريع غاية مستقلة عن الأثر الاجتماعي الذي يفترض أن تحققه.
من النمو الاقتصادي إلى الكرامة الاجتماعية
في قراءة محمد أوزين، تتخذ العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع موقعاً مركزياً. فهو يميز بين تحقيق نسب نمو إيجابية وبين انعكاسها على القدرة الشرائية وفرص العمل وجودة المدرسة والمستشفى العموميين. وبهذا يضع النقاش حول التنمية في المساحة التي يلتقي فيها الاقتصاد بتجربة المواطن اليومية.
هذا الطرح يفتح الباب أمام مساءلة السياسات الاقتصادية بمعايير اجتماعية أكثر وضوحاً. فالنمو، في حد ذاته، مؤشر على تطور النشاط الاقتصادي، لكنه لا يوضح وحده كيفية توزيع ثماره، ولا يجيب عن سؤال المستفيدين منه، ولا يكشف بالضرورة عن حجم التحسن الذي طرأ على حياة الفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الشغل والخدمات.
ومن هنا، يربط أوزين بين التوجيهات الملكية وبين انتظارات الشباب والفئات التي تتطلع إلى الإنصاف وتكافؤ الفرص. وهي إحالة تحمل بعداً سياسياً واجتماعياً، لأن الثقة في المؤسسات تتأثر أيضاً بمدى قدرة السياسات العمومية على تقديم أجوبة قابلة للقياس عن مشكلات الحياة اليومية.
فالشاب الذي يبحث عن عمل لا يقيس التنمية بعدد المخططات المعلنة، والأسرة التي تواجه ارتفاع نفقات المعيشة لا تختبر السياسة الاقتصادية من خلال المؤشرات الإجمالية وحدها، والمواطن الذي يقصد المستشفى العمومي ينتظر خدمة فعلية، لا مجرد إدراج قطاع الصحة ضمن الأولويات الحكومية.
لكن تحويل هذه الانتظارات إلى نتائج يستدعي اختيارات واضحة: ما القطاعات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية؟ وكيف يمكن قياس الأثر الاجتماعي للإنفاق العمومي؟ وما الآليات التي تضمن أن تصل ثمار الاستثمار إلى الفئات والمناطق الأكثر حاجة إليها؟
هذه الأسئلة لا يقدم البلاغ بشأنها وصفة تقنية مفصلة، لكنه يضعها في صلب المعيار الذي يقترحه أوزين لتقييم الأداء العمومي: قيمة السياسات تُقاس بما تغيره في حياة الناس، لا بما تعلنه من أهداف فحسب.
المسؤولية والمحاسبة.. من البرامج إلى النتائج
يذهب أوزين إلى مستوى أكثر مباشرة حين يدعو إلى الانتقال من منطق الإعلان عن البرامج إلى منطق تحقيق النتائج، ومن تعدد الوعود إلى وضوح الأولويات، ومن تدبير الأرقام والمؤشرات إلى قياس الأثر الحقيقي للسياسات العمومية.
هذه الفكرة تمنح البلاغ بعداً مؤسساتياً يتصل بمسؤولية الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية، كل من موقعه. فالحكومة مطالبة بتنفيذ البرامج وتحديد نتائجها المنتظرة، والبرلمان معني بمراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات، فيما تقع على الأحزاب مسؤولية تقديم البدائل ومساءلة التدبير العمومي وفق معايير واضحة.
ويستحضر الأمين العام للحركة الشعبية في هذا السياق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، داعياً إلى تقييم البرامج العمومية وتوجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية للمواطنين، مع التحذير من هدر الزمن التنموي والإمكانات الوطنية.
والزمن التنموي هنا ليس تعبيراً إدارياً عابراً. فتأخر مشروع صحي أو تعليمي، أو استمرار اختلال في خدمات أساسية، قد يعني بالنسبة إلى السكان سنوات إضافية من الانتظار، وقد يوسع الفجوة بين حاجاتهم وبين ما توفره المؤسسات. لذلك تكتسب سرعة الإنجاز أهميتها حين تقترن بجودة التنفيذ واستدامة النتائج، لا حين تتحول إلى سباق شكلي لإنهاء المشاريع.
ومن الناحية العملية، تستدعي هذه الدعوة أن تكون الأولويات المعلنة قابلة للتتبع، وأن تتضح المسؤوليات عن التأخر أو التعثر، وأن تتاح للمواطنين معطيات تساعدهم على معرفة ما تحقق وما لم يتحقق وأسباب ذلك.
وهنا يبرز سؤال آخر: كيف يمكن الانتقال من المحاسبة بوصفها مبدأ دستورياً إلى ممارسة مؤسساتية منتظمة، يشعر معها المواطن بأن تقييم الأداء العمومي ليس إجراءً موسمياً، وإنما جزء من تدبير الشأن العام؟
إن هذا السؤال يمس أيضاً العمل الحزبي نفسه. فالدعوة إلى المحاسبة لا تتجه إلى الحكومة والإدارة فقط، بل تضع الأحزاب أمام مسؤولية تحويل خطابها إلى مواقف وبرامج قابلة للتقييم، وتقديم بدائل واضحة بشأن توزيع الموارد وترتيب الأولويات. وهي مسؤولية تكتسب أهميتها مع بداية ولاية تشريعية جديدة، حيث يصبح المطلوب اختبار قدرة المؤسسات المنتخبة على ترجمة انتظارات المواطنين إلى قرارات وتشريعات ومراقبة فعلية.
السياسة والثقة.. الإنصات للمجتمع يتجاوز الخطاب
يؤكد أوزين حرص الحركة الشعبية على أن تكون الولاية التشريعية محطة للإنصات الحقيقي إلى نبض المجتمع، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي والمؤسساتي. وهذه الدعوة تربط بين جودة السياسات العمومية وبين طبيعة العلاقة التي تجمع المواطن بالمؤسسات.
فالإنصات، في معناه السياسي، لا يقتصر على رصد المطالب أو تسجيل الشكاوى، وإنما يتطلب القدرة على تحويلها إلى أولويات قابلة للمعالجة، وإشراك الفاعلين المعنيين في تحديد الحلول، ثم توضيح ما أمكن الاستجابة له وما تعذر، مع بيان الأسباب.
وتزداد أهمية هذا الجانب حين يتعلق الأمر بالشباب والفئات التي تنتظر فرصاً أكثر إنصافاً. فالثقة لا تُبنى بالخطاب وحده، كما لا تُستعاد بمجرد الدعوة إلى المشاركة، وإنما تتشكل تدريجياً حين يجد المواطن أن صوته مسموع، وأن المؤسسات قادرة على الاستجابة، وأن القرارات العمومية تخضع للمساءلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة كلام الأمين العام للحركة الشعبية باعتباره دعوة إلى جعل الأداء المؤسساتي أساساً للعلاقة مع المجتمع. غير أن ترجمة هذا التصور تقتضي أدوات عملية: قنوات إنصات منتظمة، وشفافية في تدبير البرامج، وتقييماً معلناً للنتائج، وقدرة على تصحيح المسار حين تكشف المعطيات عن اختلالات.
كما يطرح ذلك تحدياً ثقافياً يتعلق بكيفية فهم التنمية نفسها. فالتنمية لا تختزل في البنية التحتية أو الاستثمار، بل تشمل أيضاً تكافؤ الفرص في التعليم، والولوج إلى المعرفة والثقافة، وتوسيع إمكانات المشاركة الاجتماعية والاقتصادية. ومن ثم، فإن الإنصاف المجالي الذي يدافع عنه أوزين يمكن أن يمتد إلى سؤال أوسع: كيف نضمن ألا تتحول الفوارق الجغرافية إلى فوارق دائمة في فرص التعلم والعمل والمشاركة في الحياة العامة؟
السياسة الخارجية والهجرة.. حماية المصالح مع صون حسن الجوار
في الجزء الأخير من بلاغه، ينتقل محمد أوزين من الشأن التنموي الداخلي إلى السياسة الخارجية، مشيراً إلى ما يعتبره رقي السياسة الخارجية المغربية ونضجها، وإلى ضرورة التعامل مع ملف الهجرة الشرعية وتداعياته باعتباره شأناً سيادياً، مع مراعاة روابط الصداقة التاريخية وصون مبدأ حسن الجوار مع إسبانيا.
هذا الانتقال يوسع نطاق الرسالة التي يستخلصها أوزين من الخطاب الملكي، إذ يربط بين تدبير الملفات الداخلية وحماية المصالح الوطنية في محيط إقليمي ودولي تتداخل فيه الاعتبارات السيادية والإنسانية والدبلوماسية.
وفي ملف الهجرة، تبرز أهمية التمييز بين حق الدولة في تدبير سياساتها وفق قوانينها ومصالحها، وبين ضرورة معالجة الآثار الإنسانية والاجتماعية للظاهرة، بما يضمن احترام الالتزامات القانونية ذات الصلة. كما أن العلاقة مع إسبانيا، بحكم الجوار والروابط التاريخية وتعدد المصالح المشتركة، تقتضي تدبير الملفات الحساسة عبر قنوات الحوار والتعاون، مع الحفاظ على وضوح المواقف الوطنية.
ويحمل هذا الموقف، كما يعرضه أوزين، دعوة إلى عدم إخضاع الملفات الاستراتيجية لحسابات سياسية أو انتخابية عابرة. فالمصلحة الوطنية تحتاج إلى استمرارية في التقدير والتفاوض، وإلى قدرة على الجمع بين صيانة السيادة وتدبير العلاقات مع الشركاء.
لكن هذا التصور يثير بدوره أسئلة عملية: كيف يمكن ضمان التنسيق بين الاعتبارات السيادية والالتزامات القانونية والإنسانية في ملف الهجرة؟ وكيف يمكن حماية المصالح الوطنية مع تجنب تحويل الخلافات الظرفية إلى توترات دائمة مع الجار الإسباني؟ وما الذي تحتاج إليه السياسة الخارجية حتى تظل الملفات الاستراتيجية بمنأى عن التجاذبات السياسية الداخلية؟
إنها أسئلة تتجاوز البلاغ الحزبي إلى طبيعة التدبير الدبلوماسي نفسه، حيث لا يكفي تحديد المبادئ، بل ينبغي أيضاً امتلاك أدوات التفاوض والتعاون والقدرة على التعامل مع الأزمات دون التفريط في المصالح الوطنية.
من التوجيهات إلى الأثر.. الاختبار الذي يطرحه أوزين
تجتمع مختلف محاور بلاغ محمد أوزين عند نقطة واحدة: ضرورة ترجمة التوجيهات الملكية إلى قرارات وإجراءات ملموسة، وإخضاع الأداء العمومي لمعيار النتائج. فالعدالة المجالية، والكرامة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ونجاعة المؤسسات، وحماية المصالح الوطنية، تتطلب جميعها الانتقال من المبادئ العامة إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.
ومن المهم هنا التمييز بين الخطاب الملكي السامي، بوصفه مرجعية للتوجيهات الاستراتيجية، وبين قراءة الأمين العام للحركة الشعبية، التي تستخلص من تلك التوجيهات أولويات يربطها بالإنصاف الاجتماعي والمجالي والمساءلة المؤسساتية. فهذه المضامين تمثل قراءة أوزين السياسية للخطاب، كما وردت في البلاغ، وليست اقتباساً حرفياً من الخطاب الملكي.
وتتحدد قيمة هذه القراءة في الأسئلة التي تضعها أمام الفاعلين العموميين: كيف سيقاس أثر النمو على التشغيل والقدرة الشرائية؟ ما المعايير التي ستحدد مدى نجاح الجهوية المتقدمة في تقليص الفوارق؟ كيف ستُوجَّه الموارد نحو الحاجات الأكثر إلحاحاً؟ وما الأدوات التي ستتيح للمواطنين متابعة تنفيذ البرامج ومساءلة المسؤولين عن نتائجها؟
لا يقدم بلاغ أوزين أجوبة تفصيلية عن هذه الأسئلة، لكنه يحدد المجال الذي ينبغي أن تُختبر فيه السياسات العمومية: حياة المواطن، وجودة الخدمات، وتكافؤ الفرص، والعدالة بين المجالات. ومن هنا، فإن التحدي الذي يطرحه ليس اقتصادياً فقط، ولا إدارياً أو حزبياً فحسب؛ إنه تحدٍّ يتصل بقدرة المؤسسات على جعل التنمية تجربة يومية محسوسة، لا مجرد هدف معلن في الوثائق والبرامج.
ذلك هو المعنى المركزي الذي يمكن استخلاصه من بلاغ الأمين العام لحزب الحركة الشعبية: أن الوفاء للتوجيهات الملكية، كما يقرأها محمد أوزين، يمر عبر التنفيذ والتقييم والمحاسبة، وأن نجاح الولاية التشريعية الجديدة سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على تحويل الأولويات الوطنية إلى نتائج ملموسة في حياة المغاربة.
الإحالة: يستند هذا المقال إلى البلاغ الذي أدلى به محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، بشأن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى أعضاء البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة.