الملك محمد السادس يرسم أولويات المرحلة المقبلة: من رهانات التنمية إلى إعادة صياغة شراكة الهجرة مع إسبانيا

0
108
صورة: و.م.ع

الخطاب الملكي يضع الحكومة والبرلمان أمام اختبار التنفيذ، ويربط الاعتزاز بالوطن بالمسؤولية، والتنمية بالعدالة المجالية، والشراكة الدولية باحترام السيادة والمصالح المتبادلة.

بقلم: جمال السوسي | صحافة النظر والتحليل المعمق

في افتتاح الدورة التشريعية الثانية عشرة للبرلمان، مساء الجمعة 9 أكتوبر 2026، وضع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله أمام المؤسسة التشريعية والحكومة المقبلة خريطة أولويات تتجاوز تدبير الشأن العام بالوسائل المعتادة. فقد ربط جلالته بين التحولات الاقتصادية العالمية، وضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وإصلاح العلاقة بين المركز والجهات، واستعادة ثقة الشباب في مؤسسات وطنهم، وصولاً إلى مراجعة نموذج التعاون الدولي في مجال الهجرة، مع توجيه رسالة واضحة إلى الشركاء، وفي مقدمتهم إسبانيا.

وتكمن أهمية الخطاب في ترابط محاوره. فالماء والطاقة والغذاء والصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ليست ملفات قطاعية منفصلة، كما أن العدالة الاجتماعية والمجالية ليستا مجرد نتيجة يُفترض أن تأتي تلقائياً بعد تحقيق النمو. واللامركزية ليست إجراءً إدارياً محدوداً، والشراكة مع الخارج ليست امتيازاً يمنح من طرف واحد. إنها، في التصور الذي عرضه جلالة الملك، عناصر متداخلة في معادلة واحدة عنوانها قدرة المغرب على تحويل ما راكمه من مكتسبات إلى تنمية مستدامة، وفرص ملموسة، ومؤسسات قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.

الاعتزاز بالمغرب مسؤولية تتجاوز الشعارات

استحضر صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في بداية خطابه، العبارة التي سبق أن أعلنها من المنبر البرلماني سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، مؤكداً أن هذا الشعور ظل راسخاً، بل ازدادت قوته مع مرور السنوات.

غير أن الدلالة الأهم في هذا الاستحضار تكمن في المعنى الذي منحه جلالته للاعتزاز الوطني. فقد وضعه في صلة مباشرة بالمسؤولية، معتبراً أن الانتماء إلى الوطن ينبغي أن يتحول إلى واجب، وأن الثقة في المستقبل تقتضي عملاً وطنياً متواصلاً. وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر باستعادة الذاكرة التاريخية للمغرب أو تعداد عناصر هويته فحسب، بل بتحديد ما يترتب على هذه الهوية من التزامات في الحاضر.

وقد جمع الخطاب بين عراقة الدولة المغربية ومؤسسة الملكية، والهوية الدينية في إطار إمارة المؤمنين، والغنى الحضاري الناتج عن تعدد المكونات، فضلاً عن المكاسب السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية. ويضع هذا الجمع الهوية والاستقرار والتنمية ضمن تصور متكامل لقوة الدولة ومكانتها.

لكن تحويل الاعتزاز الوطني إلى ممارسة يومية يفتح سؤالاً يتجاوز الخطاب الرمزي: كيف يشعر المواطن بأن انتماءه إلى وطنه يمنحه فرصاً متكافئة في التعليم والعمل والعلاج والسكن والارتقاء الاجتماعي؟ وكيف تتحول الثقة في المؤسسات إلى تجربة ملموسة، خصوصاً لدى الشباب الذين يقيسون السياسات العمومية بما تحدثه من تغيير في حياتهم؟

إن الرسالة الملكية هنا موجهة إلى المجتمع بمختلف مكوناته، كما هي موجهة إلى المسؤولين. فالاعتزاز بالمغرب لا يكتمل بالتعبير عنه، وإنما يتعزز بقدرة المؤسسات على الوفاء بوعود التنمية، وبمدى إحساس المواطن بأن الحقوق والفرص والمسؤوليات تتوزع وفق قواعد واضحة ومنصفة.

جيل جديد من الاستراتيجيات: الأمن الاقتصادي في قلب السيادة الوطنية

انتقل جلالة الملك إلى التحولات الجيو-اقتصادية العالمية، واضعاً المغرب أمام ضرورة تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، بالتوازي مع إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.

ويكشف هذا الترتيب عن تحول في طبيعة التحديات التي يتعين على الدولة الاستعداد لها. فالبنيات التحتية تظل ضرورية لربط المجالات وتحريك الاستثمار، لكنها تحتاج إلى سياسات تضمن قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وتقليص مواطن الهشاشة، وتأمين الحاجيات الأساسية في عالم تتأثر فيه سلاسل التوريد بالتقلبات الدولية والتنافس بين القوى الاقتصادية.

ومن هنا تأتي دعوة جلالة الملك إلى تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية. فالأمن الاقتصادي لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو سرعة إنجاز المشاريع، بل كذلك بقدرة البلاد على مواجهة الاضطرابات من دون أن تنتقل كلفتها بصورة حادة إلى الأسر والمقاولات والخدمات العمومية.

وفي ملف الماء والطاقة والغذاء، يصبح السؤال متعلقاً بمدى التنسيق بين السياسات العمومية، وبقدرة الاستثمارات على إنتاج نتائج مستدامة. أما في الصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، فتبرز الحاجة إلى ربط التحول التكنولوجي بالتكوين والبحث العلمي ونقل المعرفة وتطوير المقاولات، حتى لا يبقى استعمال التكنولوجيا منفصلاً عن إنتاج القيمة وفرص الشغل.

وقد خص جلالة الملك القطاع الخاص الوطني بدعوة صريحة إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، عبر المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير وخلق فرص العمل.

وهذه الدعوة تضع المقاولة المغربية أمام مسؤولية تتجاوز الاستفادة من الفرص التي توفرها الاستثمارات العمومية. فالمطلوب هو توسيع قدرتها الإنتاجية، وتحسين تنافسيتها، وتطوير حضورها في الأسواق، والمساهمة في خلق وظائف مستقرة. وفي المقابل، يظل من الضروري أن تعمل السياسات العمومية على توفير بيئة واضحة للاستثمار، وتعزيز التكوين، وتحسين شروط المنافسة، وتيسير الوصول إلى التمويل والأسواق.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لهذه الأولويات سيكون في مدى انتقالها من عناوين استراتيجية إلى نتائج قابلة للقياس: ما حجم القيمة المضافة المحلية؟ وما نوعية فرص الشغل الجديدة؟ وإلى أي حد ستستفيد المقاولات الصغرى والمتوسطة من التحولات الصناعية والرقمية؟ وكيف يمكن أن ينعكس النمو على مستوى معيشة المواطنين؟

الشباب: الثقة التي ينبغي أن تتحول إلى فرص

في قلب هذه الرؤية، وضع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله قضايا الشباب ضمن صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، داعياً إلى تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويجمع بين التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

ويحمل هذا التوجيه دلالة تتجاوز تخصيص برامج لفئة عمرية معينة. فالتحدي، كما يطرحه الخطاب، يرتبط ببناء مسار واضح يسمح للشاب بالانتقال من التعليم إلى اكتساب المهارات، ومن المهارات إلى العمل، ومن العمل إلى الاستقلال الاقتصادي والارتقاء الاجتماعي.

إن الثقة في المؤسسات تتأثر بقدرتها على إتاحة هذا المسار. وعندما تنفصل التكوينات عن حاجيات الاقتصاد، أو تتباعد الفرص بين المجالات الترابية، أو يجد الشباب صعوبة في دخول سوق الشغل، تصبح معالجة المشكلة أوسع من مجرد إعلان برامج جديدة. إنها تتطلب تنسيقاً بين التعليم والتكوين المهني والاستثمار والتشغيل، إلى جانب تقييم أثر السياسات على الفئات المستهدفة.

ولذلك، فإن الرسالة الملكية إلى الحكومة والبرلمان وهيئات الحكامة تقتضي أن تتحول قضايا الشباب إلى معيار لتقييم الأداء العمومي، لا أن تظل ملفاً قطاعياً تتوزع مسؤولياته بين مؤسسات متعددة من دون نتائج واضحة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستُقاس السياسات الموجهة إلى الشباب بعدد البرامج المعلنة والميزانيات المرصودة، أم بقدرتها على توفير تكافؤ فعلي في الفرص، وتوسيع الولوج إلى الشغل، وتعزيز الإحساس بأن المستقبل ممكن داخل الوطن؟

الجهوية المتقدمة: حين تصبح الإدارة جزءاً من المشكلة أو الحل

من أكثر المقاطع دلالة في الخطاب الملكي ذلك الذي نقل مركز الاهتمام من الاستراتيجيات الكبرى إلى العمل الميداني على المستوى الترابي. فقد شدد جلالة الملك على ضرورة الوقوف على المشكلات الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها، رابطاً التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج بتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

والرسالة هنا واضحة في مضمونها المؤسساتي: لا يكفي أن تُصاغ القرارات في المركز إذا كانت الجهة أو الإقليم يفتقران إلى الصلاحيات والموارد الضرورية لتنفيذها. كما أن نقل الاختصاصات على الورق لا يحقق الغاية إذا لم تصاحبه موارد بشرية ومالية، وتحديد دقيق للمسؤوليات، وآليات للتنسيق والتعاقد والمحاسبة.

وقد عبّر جلالة الملك عن عدم القبول باستمرار التأخير والتماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، داعياً إلى نقل الصلاحيات والموارد اللازمة من المركز إلى الجهات والأقاليم، وإزالة العراقيل التي تحد من قدرة مؤسسات الجهة على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وتضع هذه التوجيهات الإدارة العمومية أمام سؤال الفعالية: أين تتوقف المشاريع؟ هل عند نقص الموارد، أم تداخل الاختصاصات، أم بطء المساطر، أم ضعف التنسيق بين الإدارات المركزية والمصالح الترابية؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالشعارات، بل بتشخيص دقيق لكل مجال، وتحديد المسؤوليات، وربط القرارات بآجال للتنفيذ وآليات للتتبع.

كما أن العدالة المجالية تقتضي الانتباه إلى اختلاف حاجيات المناطق. فما تحتاج إليه جهة من حيث الماء أو النقل أو الاستثمار أو الخدمات الاجتماعية قد لا يتطابق مع أولويات جهة أخرى. لذلك، فإن تمكين الجهات من القرار لا ينبغي أن يكون غاية إدارية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتكييف السياسات العمومية مع الواقع المحلي.

وهنا تتقدم مسؤولية الحكومة في إتمام نقل الاختصاصات والموارد، ومسؤولية البرلمان في تتبع التنفيذ ومساءلة القطاعات المعنية، ومسؤولية المؤسسات الترابية في تحويل الصلاحيات إلى مشاريع وخدمات. فالمواطن الذي ينتظر حلاً لمشكل محلي لا تعنيه خريطة الاختصاصات بقدر ما تعنيه النتيجة التي تصل إليه.

المغرب وإسبانيا: شراكة الهجرة أمام ضرورة المراجعة

في الشق المتعلق بالعلاقات الخارجية، انتقل الخطاب الملكي إلى ملف الهجرة، مستحضراً مكانة المغرب كشريك دولي مسؤول وموثوق، ومؤكداً أن المقاربة المتوازنة التي اعتمدتها المملكة أفضت إلى نتائج ملموسة. لكنه أشار، في الوقت نفسه، إلى أن نموذج التعاون الحالي في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وأن الأزمات المتكررة تكشف الحاجة إلى مراجعة أسسه.

وتحمل هذه الإشارة معنى سياسياً مهماً. فالمغرب، وفق التصور الذي عرضه جلالة الملك، لا يتعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد ملف أمني مرتبط بمراقبة الحدود، بل باعتبارها قضية تتقاطع فيها مسؤوليات الدول، والتنمية، والاستقرار الإقليمي، والتشريعات، ومصالح المجتمعات المعنية.

وقد خص جلالة الملك إسبانيا بالذكر، مشيراً إلى التطورات التي عرفتها الشراكة الثنائية في مجالات متعددة، بما فيها محاربة الهجرة غير النظامية، قبل أن يتوقف عند التحديات المرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي يرى الخطاب أنها تعرقل ترحيل الأطفال القاصرين وبعض الأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية.

ويستوجب هذا الموقف قراءة دقيقة، لأن ملف الهجرة يجمع بين اعتبارات السيادة الوطنية والتزامات التعاون الثنائي، وبين مقتضيات القانون وحماية الأشخاص، ولا سيما القاصرين. ولذلك، فإن معالجة الخلافات المرتبطة بالتشريعات والإجراءات القضائية تحتاج إلى تحديد دقيق لمواضع التعارض، وإلى حوار مؤسساتي يحفظ المصالح المشروعة للدول ويحترم الأطر القانونية ذات الصلة.

أما الرسالة السياسية الأبرز في الخطاب، فتتجلى في تأكيد جلالة الملك أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وأنها لا يمكن أن تكون موضوع ضغط أو تهديد أو ابتزاز. وهي صياغة تعيد وضع التعاون الدولي في إطار التوازن بين الالتزامات المتبادلة واحترام القرار السيادي.

وفي هذا السياق، أعلن جلالة الملك أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

وتفتح هذه الخطوة، كما عرضها الخطاب، الباب أمام الانتقال من تدبير الأزمات المتكررة إلى تصور أشمل للتعاون. غير أن قيمة أي رؤية استراتيجية ستتوقف على مضمونها العملي: كيف ستوزع المسؤوليات؟ وما الأدوات التي ستتيح تنفيذ الالتزامات؟ وكيف ستُربط إدارة الهجرة بالتنمية الاقتصادية والتعاون الحدودي؟ وما الضمانات التي تمنع تحول الخلافات القانونية إلى أزمات سياسية متكررة؟

كما أن الرسالة الموجهة إلى إسبانيا لا تنفصل عن طبيعة العلاقة بين البلدين، بما تتضمنه من مصالح اقتصادية وإنسانية وأمنية متشابكة. فاستدامة التعاون تقتضي قنوات مؤسساتية قادرة على معالجة الخلافات، وتبادلاً واضحاً للمسؤوليات، وابتعاداً عن توظيف ملف حساس في التجاذبات السياسية والإعلامية.

وهكذا يضع الخطاب مراجعة نموذج الهجرة ضمن رؤية أوسع للشراكة، لا تقوم على التدبير الظرفي للحدود وحده، بل على التنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار، مع التشديد على أن التعاون يظل قائماً على الاختيار المتبادل واحترام السيادة.

البرلمان والحكومة: من الثقة الانتخابية إلى التعاقد مع المواطنين

في ختام خطابه، وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله رسالة مباشرة إلى أعضاء مجلس النواب، مذكّراً بأن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط النائب بالمواطنين، وداعياً إياهم إلى تحمل مسؤوليتهم أمام الله والمواطنين والتاريخ.

ويكتسب هذا التذكير أهميته من موقعه في نهاية خطاب رسم أولويات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية ودبلوماسية. فالمسؤوليات التي حددها جلالة الملك تحتاج إلى مؤسسات تشريعية ورقابية قادرة على مواكبة السياسات العمومية، وفحص خياراتها، ومناقشة ميزانياتها، وتتبع نتائجها، ومساءلة المسؤولين عن تعثرها.

ولا ينحصر دور البرلمان في سن القوانين أو المصادقة على البرامج، بل يشمل التأكد من أن الاختيارات العمومية تستجيب للحاجيات الفعلية للمجتمع، وأن الموارد المرصودة تُترجم إلى خدمات وفرص، وأن الاختلالات لا تستمر من دون تفسير أو تصحيح.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية السياسية لا تُقاس فقط بالحضور في الجلسات أو بالمواقف المعلنة، وإنما بمدى القدرة على ممارسة الرقابة والتشريع والوساطة بين المجتمع والمؤسسات. كما أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتحويل الأولويات الواردة في الخطاب إلى برامج مترابطة، بآجال واضحة ومؤشرات تسمح بتقييم التقدم المحقق.

أما الأحزاب السياسية، فإن مسؤوليتها تمتد إلى تأطير المواطنين وتقديم بدائل قابلة للنقاش، وربط المشاركة السياسية بقضايا الناس اليومية. فالثقة في المؤسسات تتعزز حين يشعر المواطن بأن صوته يظل حاضراً في السياسات التي تمس حياته، وأن التمثيل السياسي يترجم إلى متابعة ومساءلة ونتائج.

الأسئلة التي يفتحها الخطاب أمام المرحلة المقبلة

إن قراءة الخطاب الملكي في مجمله تقود إلى مجموعة من الأسئلة الاستراتيجية التي ستحدد، إلى حد بعيد، طبيعة التفاعل مع التوجيهات الواردة فيه:

  • كيف ستترجم الحكومة الأولويات المرتبطة بالماء والطاقة والغذاء والصناعة والذكاء الاصطناعي إلى برامج متكاملة، مع تحديد التمويل والآجال والنتائج المنتظرة؟

  • كيف سيُقاس أثر النمو الاقتصادي على العدالة الاجتماعية والمجالية، وعلى قدرة الأسر والشباب على تحسين ظروف عيشهم؟

  • ما الإجراءات العملية التي ستنقل اللاتمركز الإداري من النصوص إلى ممارسة يومية، وتمنح الجهات الصلاحيات والموارد اللازمة؟

  • كيف ستُربط سياسات الشباب بالتعليم والتكوين والتشغيل، بما يتيح تكافؤ الفرص بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية؟

  • ما الالتزامات التي سيضعها القطاع الخاص أمام نفسه في مجال الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل والتصدير والابتكار؟

  • كيف ستُبنى الرؤية الجديدة للتعاون في مجال الهجرة، بما يوازن بين السيادة الوطنية والتعاون الثنائي والاعتبارات القانونية والإنسانية؟

  • وما الآليات التي سيعتمدها البرلمان لمراقبة تنفيذ الأولويات، ومساءلة الحكومة عن النتائج، وإطلاع المواطنين على ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك؟

هذه الأسئلة لا تستبق نتائج المرحلة المقبلة، ولا تفترض أن الإجابات عنها جاهزة. إنها تستخلص من القضايا التي وضعها الخطاب في صدارة الاهتمام، وتحدد المجالات التي ستحتاج إلى قرارات ومؤشرات واضحة حتى يمكن تقييم التنفيذ.

الخلاصة: قيمة التوجيهات في ما ستنتجه على أرض الواقع

يرسم الخطاب السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله صورة لمرحلة تتطلب تلازم الطموح الاقتصادي مع العدالة الاجتماعية، وتطوير البنيات التحتية مع تقوية الأمن الاستراتيجي، وتعزيز الهوية الوطنية مع تحويل الانتماء إلى مسؤولية، وتوسيع الشراكات الدولية مع حماية المصالح السيادية للمملكة.

وتجمع هذه المحاور فكرة مركزية: أن قوة الدولة لا تتحدد فقط بما تحققه من مشاريع ومكاسب، بل كذلك بقدرتها على تحويلها إلى فرص يستفيد منها المواطن، وخدمات تصل إلى مختلف الجهات، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، وشراكات تقوم على التوازن والاحترام المتبادل.

لقد حدد جلالة الملك أولويات واضحة، ووضع أمام الحكومة والبرلمان والإدارة والقطاع الخاص مسؤوليات متداخلة. أما المرحلة التالية، فستُختبر بمدى ترجمة تلك التوجيهات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وبقدرة المؤسسات على تجاوز بطء الإجراءات وتشتت المسؤوليات، وبما ستكشفه النتائج عن مستوى التقدم في التنمية والثقة والعدالة المجالية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي سيظل مفتوحاً أمام جميع المعنيين هو: كيف تتحول الأولويات المعلنة إلى التزامات محددة، ثم إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية؟ عند هذه النقطة تحديداً، سيتحدد وزن التنفيذ في قياس حصيلة المرحلة المقبلة، ومقدار ما ستضيفه إلى مسار المغرب التنموي والمؤسساتي والدبلوماسي.