قراءة تحليلية في توضيح الدكتور عبد النبي عيدودي، النائب البرلماني عن إقليم سيدي قاسم باسم حزب الحركة الشعبية، بشأن ما نُسب إليه من مواقف حول اختيار هياكل الفريق الحركي بمجلس النواب.
لا يتجه التوضيح الذي أصدره الدكتور عبد النبي عيدودي، النائب البرلماني عن إقليم سيدي قاسم باسم حزب الحركة الشعبية، إلى مجرد نفي تصريحات نُسبت إليه بشأن ما وُصف بـ«الغدر» من طرف الأمين العام للحزب محمد أوزين، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب الوقائع، وتحديد طبيعة الالتزامات السياسية التي يتحدث عنها، ووضع مسافة واضحة بين الطموح الشخصي والمسؤولية التنظيمية. فالرجل لا يكتفي بنفي رواية إعلامية، وإنما يقدم قراءته الخاصة لما جرى، ويحدد بنفسه الحدود التي ينبغي أن يُفهم داخلها موقفه من قيادة الحزب ومن التغييرات التي طالت هياكل الفريق البرلماني.
وتكمن أهمية هذا التوضيح في أن الخلافات الحزبية لا تُقاس دائمًا بما يظهر منها في توزيع المناصب، بل كذلك بما تكشفه عن طبيعة العلاقات داخل التنظيمات السياسية، وعن قدرة قياداتها ومناضليها على التمييز بين الالتزام الأخلاقي والقرار المؤسساتي، وبين الوعد المرتبط بتوازنات سياسية متغيرة والمسؤولية التي تخضع لقواعد تنظيمية محددة.
في الحالة التي يعرضها عيدودي، يبدو أن الأولوية ليست الدخول في مواجهة مع محمد أوزين، ولا تحويل اختيار هياكل الفريق الحركي إلى معركة حول من انتصر ومن خسر، وإنما سحب النقاش من لغة الاتهام الشخصي وإعادته إلى الوقائع التي يقول إنه يعرفها ويؤكد مسؤوليته عنها.
من نفي التصريحات إلى استعادة حق تحديد الموقف
يبدأ الدكتور عبد النبي عيدودي توضيحه بنقطة حاسمة: يؤكد أنه لم يدل بأي تصريح لموقع «نيشان»، ولم يفوض أي شخص للحديث باسمه بشأن رئاسة الفريق الحركي بمجلس النواب. كما يرفض ما نُسب إلى مصدر قيل إنه مقرب منه، ويعتبر أن الرواية التي ربطت اسمه بمفردات الغدر والخيانة لا تعبر عن موقفه.
هذه البداية ليست تفصيلًا إجرائيًا. إنها تتعلق بحق السياسي في تحديد موقفه بنفسه، وعدم تحويل اسمه إلى طرف في سجال لم يعلن المشاركة فيه. فالحديث باسم شخصية سياسية، خصوصًا في موضوع يمس علاقتها بقيادة حزبها، يمكن أن ينتج رواية يصعب فصلها لاحقًا عن حقيقة موقفها، حتى لو بادرت إلى نفيها.
ويعيد عيدودي بذلك رسم الحدود بين ما صدر عنه فعلًا وما نُسب إليه، رافضًا أن تصبح الروايات المنقولة عن مصادر غير مسماة بديلًا عن موقف معلن وصريح. وتكتسب هذه النقطة أهميتها من حساسية الموضوع: فاتهام قيادة حزبية بالغدر ليس وصفًا عابرًا، بل يحمل إيحاءً بوجود التزام أخلاقي جرى الإخلال به، وقد يحول اختلافًا تنظيميًا إلى أزمة ثقة داخلية.
غير أن الرسالة التي يوجهها النائب البرلماني لا تتوقف عند تصحيح الخبر؛ فهو يرفض أيضًا أن يُقدَّم بوصفه طرفًا في خصومة شخصية مع الأمين العام. وبهذا المعنى، يسعى إلى حماية العلاقة السياسية من التأويلات التي قد تدفعها نحو مواجهة لم يختر هو إعلانها.
الوعد الوزاري ورئاسة الفريق: التمييز الذي يغيّر معنى القضية
يقدم عيدودي في الجزء الثاني من توضيحه التفصيل الأكثر تأثيرًا في فهم موقفه. فهو ينفي أن يكون محمد أوزين قد وعده برئاسة الفريق الحركي بمجلس النواب، ويوضح أن الوعد الذي يتحدث عنه كان متعلقًا بإمكانية تحمله مسؤولية وزارية، وأنه عبّر عنه أمام عدد من أعضاء الجماعات الترابية ومناضلي حزب الحركة الشعبية بإقليم سيدي قاسم.
هذا التمييز يغير زاوية قراءة القضية برمتها. فالرواية التي تربط الخلاف برئاسة الفريق البرلماني توحي بوجود تنافس مباشر حول موقع تنظيمي محدد، بينما يضع عيدودي موضوع الوعد في مجال آخر، هو المشاركة المحتملة في تدبير الشأن الحكومي.
والفارق هنا سياسي ومؤسساتي في آن واحد. فرئاسة الفريق البرلماني مسؤولية تنظيمية داخل مجلس النواب، بينما يرتبط الاستوزار بتشكيل الأغلبية الحكومية والتوافقات السياسية التي تفرزها الانتخابات. وقد يكون الطموح إلى المسؤولية الوزارية حاضرًا في حسابات أي فاعل سياسي، لكن تحقيقه لا يخضع لإرادة قيادة الحزب وحدها، ولا يمكن فصله عن موقع الحزب داخل الخريطة الحكومية.
يستند عيدودي إلى هذه الحقيقة عندما يوضح أن الحركة الشعبية توجد في موقع المعارضة، ويرى أن الحديث عن عدم الوفاء بوعد متعلق بالاستوزار يفقد أساسه السياسي والموضوعي في ظل هذه الوضعية. فهو لا ينكر وجود الوعد الذي يتحدث عنه، بل يرفض تفسير تعذر تحقيقه باعتباره غدرًا أو خيانة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أمرين: تعذر تنفيذ وعد بسبب تغير الظروف السياسية، وثبوت طبيعة الوعد وحدوده والملابسات التي أحاطت به. فالأول يمكن فهمه في ضوء التحولات المؤسساتية، أما الثاني فيظل مرتبطًا بما يقرره المعنيون وما يتوافر من معطيات. والتوضيح المنشور يقدم رواية عيدودي وموقفه الشخصي، ولا يتيح بمفرده الجزم بكل تفاصيل الحوار الذي يقول إنه جرى.
حين تصطدم الوعود السياسية بحدود الممكن
يضع عيدودي، من خلال توضيحه، مسألة الوفاء بالعهود أمام اختبار يتجاوز علاقته بمحمد أوزين. فهو يرفض أن يُقاس الوفاء بمجرد تحقق النتيجة التي كان الطرف الآخر يأملها، ويشدد على أن السياسة مرتبطة بالظروف والاختيارات الديمقراطية والتوازنات التي تفرزها صناديق الاقتراع.
هذه الفكرة تمس واحدة من الإشكاليات الدائمة في العمل الحزبي: كيف تُدار التوقعات التي تتولد عن العلاقات السياسية؟ وما الحد الفاصل بين الوعد الذي يعكس نية حقيقية، والالتزام الذي يظل قابلًا للتنفيذ فقط إذا سمحت الظروف بذلك؟
في الحياة الحزبية، تتشكل التوقعات عبر اللقاءات والتفاهمات والوعود والتقديرات المتبادلة. وقد تمنح هذه العلاقات مناضلًا ما تصورًا بشأن مستقبله السياسي، لكنها لا تستطيع دائمًا تجاوز القيود التي تفرضها نتائج الانتخابات أو طبيعة الأغلبية الحكومية أو موازين القوى داخل المؤسسات.
من هذه الزاوية، يدعو موقف عيدودي إلى عدم تحويل كل طموح لم يتحقق إلى اتهام أخلاقي. لكنه يفتح، في الوقت نفسه، نقاشًا حول ضرورة وضوح الالتزامات السياسية منذ البداية، حتى لا تتحول التوقعات الشخصية إلى مصدر لسوء الفهم أو التوتر التنظيمي.
فإذا كانت الظروف تبرر تعذر تنفيذ وعد ما، فإن المصداقية السياسية تظل مرتبطة أيضًا بوضوح التواصل بشأن تلك الظروف، وبقدرة الفاعلين على التمييز بين ما تعهدوا به وما كان مجرد احتمال أو تقدير للمستقبل.
هياكل الفريق الحركي: منطق التنظيم في مواجهة تأويلات الصراع
ينتقل عيدودي إلى الجانب المؤسساتي من القضية، مؤكدًا أن اختيار هياكل الفريق الحركي بمجلس النواب لم يكن موضوع مساومات شخصية، وإنما جرى وفق المقتضيات التنظيمية المؤطرة لعمل الفريق.
ويشير إلى أن النظام الداخلي للفريق يفوض للأمين العام للحزب والمكتب السياسي صلاحية اختيار هياكله، في إطار احترام المؤسسات الحزبية والتنسيق مع مكونات الفريق البرلماني. كما يضع هذه الممارسة ضمن تقاليد تنظيمية تعرفها أحزاب مغربية أخرى، مع اختلاف القواعد والمساطر المعتمدة لدى كل تنظيم.
ويستند هذا الطرح إلى فكرة مركزية: المسؤوليات داخل الأحزاب ليست ملكية شخصية دائمة، بل مهام تخضع للتنظيم والتداول والتجديد. وبذلك، يحاول عيدودي الفصل بين عدم تولي منصب معين وبين التعرض للإقصاء، كما يرفض ربط التغييرات التنظيمية تلقائيًا بفكرة الخيانة أو نقض العهود.
لكن أهمية هذا الجانب لا تنحصر في تبرير إجراء تنظيمي. فالأحزاب لا تُقاس فقط بوجود أنظمة داخلية تحدد صلاحيات القيادة، وإنما أيضًا بكيفية ممارسة هذه الصلاحيات، وبمدى وضوح المساطر واحترام التشاور والقدرة على إقناع المناضلين بعدالة القرارات المتخذة.
فالاختصاص التنظيمي، حتى عندما يكون واضحًا، لا يلغي الحاجة إلى بناء الثقة داخل الفريق. كما أن التداول على المسؤوليات لا يصبح دليلًا على سلامة الممارسة بمجرد الاستناد إلى القواعد؛ إذ تظل طريقة تطبيقها ودرجة قبولها داخل المؤسسات جزءًا من شرعيتها السياسية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب تأكيد عيدودي على التوافق الإيجابي أهمية خاصة. فهو لا يقدم ما جرى باعتباره انتصارًا لمحمد أوزين على طرف آخر، بل باعتباره قرارًا مؤسساتيًا ينبغي أن يُقرأ بعيدًا عن منطق الغلبة الشخصية.
ريم شباط ومحمد الأعرج: دلالات الاختيار تتجاوز توزيع المسؤوليات
يمنح عيدودي لاختيار ريم شباط رئيسة للفريق الحركي بمجلس النواب، واختيار محمد الأعرج رئيسًا للجنة القطاعات الإنتاجية، معنى سياسيًا يتجاوز مجرد إسناد المسؤوليات.
فهو يعتبر تولي ريم شباط رئاسة الفريق تكريمًا للمرأة المغربية وتعزيزًا لحضورها في مواقع القرار، بينما يرى في اختيار محمد الأعرج اعترافًا بمسار نضالي وسياسي راكم خلاله تجربة امتدت لأكثر من خمس ولايات تشريعية، وفق ما ورد في توضيحه.
ويجمع هذا التفسير بين فكرتين: الإنصاف في الاعتراف بالتجربة الحزبية، وفتح المجال أمام المرأة لتولي مواقع قيادية داخل المؤسسة التشريعية. كما يعكس رغبة في تقديم التغييرات التي عرفتها هياكل الفريق باعتبارها فرصة لتجديد المسؤوليات وتقدير الكفاءات، بدل اختزالها في حسابات مناصب ومصالح فردية.
غير أن الرسالة الموجهة إلى مناضلي الحركة الشعبية تتجاوز المباركة للأسماء المختارة. فالتحدي الحقيقي أمام أي قيادة حزبية هو أن تتحول الاختيارات إلى نتائج ملموسة في الأداء البرلماني، وأن تكون المسؤوليات الجديدة مدخلًا إلى تجديد العمل السياسي، لا مجرد تغيير في شاغلي المواقع.
فما الذي ستضيفه الرئاسة الجديدة للفريق إلى حضوره الرقابي والتشريعي؟ وكيف يمكن استثمار تجربة محمد الأعرج في تقوية عمل اللجنة التي يرأسها؟ وما الذي سيجعل هذه الاختيارات مقنعة للمناضلين والمواطنين، بعيدًا عن التفسيرات المرتبطة بالتوازنات الداخلية؟
لا يقدم توضيح عيدودي إجابات تفصيلية عن هذه الأسئلة، لكنه يضع الاختيارات ضمن منطق سياسي يفترض أن تكون فيه المسؤولية تكليفًا، وأن تُقاس قيمتها بما تحققه من أداء وخدمة للمؤسسة والمواطنين.
التوافق الداخلي: هل يكفي لتجاوز الخلافات؟
يشدد النائب البرلماني عن إقليم سيدي قاسم على أن اختيار هياكل الفريق تم في أجواء من التوافق الإيجابي، وأن العملية لم تكن انتصارًا لطرف على آخر أو إقصاءً لأي مكون.
وتحمل هذه العبارة رسالة موجهة إلى داخل الحزب بقدر ما تحملها إلى الرأي العام. فهو يريد أن يؤكد أن اختلاف التوقعات لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وأن تداول المسؤوليات لا يستلزم بالضرورة وجود طرف مهزوم أو آخر منتصر.
لكن التوافق في العمل الحزبي ليس مجرد إعلان عن انتهاء الخلاف. إنه قدرة على إدارة الاختلاف داخل المؤسسات، وتوفير شروط استمرار التعاون بعد اتخاذ القرار، خصوصًا عندما تكون لبعض الفاعلين توقعات سابقة بشأن المسؤوليات أو مواقع التأثير.
وتواجه الحركة الشعبية، شأنها شأن الأحزاب التي تعمل من موقع المعارضة، تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على تماسكها التنظيمي من جهة، وإثبات قدرتها على ممارسة معارضة مؤثرة من جهة أخرى. فالانشغال بالخلافات الداخلية، إذا استحوذ على الخطاب السياسي، قد يضعف قدرة الحزب على تقديم نفسه بديلًا سياسيًا قادرًا على مساءلة الحكومة وتقديم مقترحات للمواطنين.
ولا يعني ذلك أن كل اختلاف داخلي يضر بالحزب؛ فقد يكون النقاش حول توزيع المسؤوليات مؤشرًا على حيوية التنظيم. لكن الفارق يكمن في طريقة تدبيره: هل تظل الخلافات محكومة بالقواعد والتواصل والاحترام المتبادل، أم تتحول إلى روايات متضاربة تستنزف الرصيد السياسي والتنظيمي؟
في هذا المستوى تحديدًا، تبدو دعوة عيدودي إلى تجاوز منطق الصراع الشخصي محاولة لإغلاق الباب أمام قراءة النزاع باعتباره أزمة ثقة بينه وبين الأمين العام، وإعادة توجيه الاهتمام إلى ما يعتبره مصلحة الحزب ووحدة صفه.
نفي الندوة الصحفية: رفض تحويل الخلاف المفترض إلى مادة للتصعيد
يرفض عيدودي كذلك ما نُسب إليه بشأن استعداده لعقد ندوة صحفية للكشف عن معطيات مثيرة تتعلق بما وُصف بالغدر أو بأحداث مرتبطة بالحملة الانتخابية الأخيرة. ويؤكد أنه لم يعلن عن أي ندوة من هذا القبيل، ولم يصرح بامتلاكه معطيات يعتزم الكشف عنها، ولم يكلف أحدًا بالترويج لهذه المزاعم.
تكمن دلالة هذا النفي في رفضه الدخول في مسار تصعيدي يقوم على التلويح بكشف معلومات أو تحويل الخلاف المفترض إلى مواجهة مفتوحة. فبدل بناء موقفه على التهديد بكشف وقائع جديدة، يختار إعادة تعريف القضية من أساسها: لا يعتبر نفسه ضحية غدر، ولا يقر بوجود صراع شخصي يريد خوضه ضد قيادة الحزب.
وهذه المقاربة تترك الباب مفتوحًا أمام قراءة أكثر هدوءًا للعلاقات السياسية، لكنها تضع أيضًا مسؤولية واضحة على الخطاب الإعلامي الذي ينقل مواقف الفاعلين السياسيين. فالمسافة بين الخبر والتأويل قد تصبح ضيقة عندما تُبنى الرواية على مصادر غير مسماة، خصوصًا إذا تضمنت اتهامات شخصية أو تنبؤات بتصعيد لم يعلن عنه المعني بالأمر.
ومع ذلك، فإن احترام حق الرد لا يقتصر على نشر النفي؛ بل يقتضي كذلك إسناد التصريحات إلى أصحابها بدقة، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والتقديرات والتأويلات. وهذا ما يفسر مطالبة عيدودي موقع «نيشان» بنشر توضيحه، بوصفه حقًا في تصحيح ما يعتبره معلومات غير صحيحة.
السياسة أخلاق ومؤسسات، لا مجرد طموح إلى المناصب
في الجزء الذي يمنح توضيحه عنوانه الأخلاقي، يؤكد عيدودي أن المناصب زائلة، وأن المسؤوليات تتغير، بينما يبقى رصيد الإنسان من المواقف والمبادئ والوفاء. ويشدد على أنه لا يختزل انتماءه الحزبي في الحصول على منصب، ولا يقيس صدق العلاقات السياسية بمقدار ما يتحقق من الطموحات الشخصية.
وتكتسب هذه الرسالة معناها من السياق الذي وردت فيه. فالنائب الذي ينفي أن يكون قد تعرض للغدر بسبب عدم توليه رئاسة الفريق، ويوضح أن الوعد الذي يتحدث عنه كان متعلقًا بالاستوزار، يسعى إلى تأكيد أن علاقته بالحزب وقيادته لا تختزل في مصير مسؤولية لم تتحقق.
إنه يميز بين الطموح المشروع إلى تحمل المسؤولية، وبين تحويل هذا الطموح إلى معيار وحيد للحكم على الآخرين. كما يرفض أن يصبح تعذر تحقيق وعد، في ظل ظروف سياسية متغيرة، دليلًا تلقائيًا على سوء النية.
لكن هذا الموقف يحمل بدوره معيارًا ينبغي أن يشمل جميع الفاعلين السياسيين: إذا كانت المسؤوليات مؤقتة، فإن المصداقية لا تُقاس فقط بطريقة التعامل مع خسارة منصب أو تعذر الوصول إليه، بل كذلك بكيفية الوفاء بالالتزامات الممكنة، واحترام قواعد التنظيم، وتوضيح المواقف عند حدوث الالتباس.
فالسياسة تحتاج إلى الأخلاق، لكنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات تجعل الالتزامات واضحة وتحد من تحول التوقعات الشخصية إلى أزمات داخلية. ولا يغني أحد العنصرين عن الآخر.
الرسالة إلى المناضلين والقيادة والمواطنين
يمكن قراءة توضيح الدكتور عبد النبي عيدودي باعتباره خطابًا موجهًا إلى ثلاث دوائر متداخلة.
إلى مناضلي الحركة الشعبية: يدعو إلى عدم اختزال الانتماء الحزبي في المواقع والمسؤوليات، وإلى الحفاظ على العلاقات التنظيمية رغم اختلاف التوقعات. فالانتماء، وفق منطقه، ينبغي أن يستمر حتى عندما لا تتحقق الطموحات الفردية، ما دامت قواعد العمل الحزبي واحترام المؤسسات قائمين.
إلى محمد أوزين والمكتب السياسي: يؤكد احترامه للقيادة والمؤسسات، ويرفض في الوقت نفسه أن تُنسب إليه مواقف لم يصدرها. كما يضع موضوع الوعد الوزاري في سياقه السياسي، رافضًا تحويله إلى اتهام بالخيانة. وهو بذلك يعلن موقفًا لا يقوم على المواجهة، بل على تصحيح الرواية وتحديد حدود المسؤولية السياسية والأخلاقية لكل طرف.
إلى المواطنين والرأي العام: يريد أن يوضح أن ما جرى لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره معركة شخصية حول رئاسة فريق برلماني، وأن الأحزاب ليست مضطرة إلى تحويل كل تغيير في المسؤوليات إلى أزمة علنية. لكنه يضع، ضمنيًا، الأداء السياسي واحترام المؤسسات أمام اختبار المصداقية؛ فالمواطن لا يعنيه فقط من تولى المنصب، بل ما إذا كان العمل البرلماني سيترجم المسؤولية إلى رقابة وتشريع ومرافعة عن القضايا العامة.
وتظل الرسالة الأوسع مرتبطة بقدرة الحزب على الانتقال من تدبير المسؤوليات الداخلية إلى تقديم إجابات سياسية واجتماعية واضحة، خصوصًا في موقع المعارضة. فتماسك التنظيم لا يكتمل بمجرد نفي الخلافات، بل بتوفير خطاب وبرنامج وأداء يجعل المواطنين يرون في الحزب قوة سياسية فاعلة، لا مجرد إطار لتدبير المواقع.
أسئلة استراتيجية تتجاوز واقعة الفريق الحركي
يتيح توضيح عيدودي استخلاص مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز أطراف القضية المباشرة، وتمس طريقة اشتغال الأحزاب المغربية وإدارة علاقاتها الداخلية:
-
كيف يمكن للأحزاب أن تميز بوضوح بين الوعود السياسية المرتبطة باحتمالات مستقبلية والالتزامات التنظيمية القابلة للتنفيذ؟
-
ما الضمانات التي تجعل صلاحيات القيادة في اختيار هياكل الفرق البرلمانية ممارسة مؤسساتية تحظى بالثقة، وليس مجرد اختصاص تنظيمي منصوص عليه؟
-
كيف يمكن تحويل التداول على المسؤوليات إلى فرصة لتجديد الأداء، بدل ترك المجال أمام التأويلات الشخصية والصراعات حول المواقع؟
-
ما الذي ينبغي أن يفعله المكتب السياسي لتعزيز التواصل الداخلي حتى لا تتحول التوقعات غير المحققة إلى روايات متضاربة؟
-
كيف تستطيع الحركة الشعبية، وهي في موقع المعارضة، أن تجعل وحدة صفها رافعة للعمل البرلماني والسياسي، وأن تربط التوافق الداخلي بقضايا المواطنين؟
-
وأخيرًا، كيف يمكن للإعلام السياسي أن يحافظ على حقه في التحقيق والنشر، مع ضمان الدقة في نسبة المواقف وعدم تحويل المصادر غير المسماة إلى بديل عن تصريحات أصحابها؟


