أربعة أحزاب وشعار «تغيير المسار».. أي وعود ستبقى في برنامج حكومة المنصوري؟

0
74

الضرائب والتشغيل والدعم الاجتماعي تكشف اختلافات بين البرامج الانتخابية للأغلبية الجديدة.. والبرنامج الحكومي لم يحسم بعد كلفة الالتزامات ومصادر تمويلها

لم يتضمن بلاغ تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة تفاصيل الاتفاق على الضرائب والتشغيل والدعم الاجتماعي، رغم أن الأحزاب الأربعة التي وقّعت عليه أعلنت تقاربها الفكري والسياسي وتوحدها حول رؤية إصلاحية مشتركة. وابتداءً من مساء الاثنين 12 أكتوبر، أصبح حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، أمام مهمة تحويل برامج انتخابية مختلفة إلى برنامج حكومي واحد، تتحدد فيه الالتزامات التي ستعتمدها الحكومة، وتلك التي ستحتاج إلى تعديل أو تأجيل.

يقود هذه الأغلبية حزب الأصالة والمعاصرة، الذي خاض الانتخابات التشريعية بشعار «من أجل تغيير المسار»، فيما تعكس البرامج الانتخابية للشركاء الأربعة اختلافات لا تتعلق فقط بمقدار الإنفاق أو حجم الإعفاءات الضريبية، بل تمتد إلى طريقة توزيع العبء الجبائي، وشروط الاستفادة من الدعم العمومي، والقطاعات التي يُنتظر أن توفر فرص الشغل. وقد أعلن البلاغ الرسمي الاتفاق على تشكيل الأغلبية، مع الإشارة إلى إعداد البرنامج الحكومي في أسرع الآجال، دون عرض تسويات تفصيلية بشأن هذه الملفات.

لم يتضمن الإعلان، كذلك، توزيعاً نهائياً للحقائب الوزارية. فالمرحلة المعلنة تتعلق بتشكيل الأغلبية والاتفاق على مكوناتها، فيما يظل إعداد البرنامج الحكومي وتحديد التشكيلة الوزارية من الملفات التي يتعين استكمالها. وهذا التمييز مهم، لأن الاتفاق السياسي على المشاركة في الحكومة لا يعني بالضرورة أن كل حزب سيحتفظ بجميع الوعود التي عرضها على الناخبين.

الضريبة على الدخل.. من يستفيد من التخفيف؟

تظهر الفوارق بوضوح عند مقارنة المقترحات المتعلقة بالضريبة على الدخل. فحزب الأصالة والمعاصرة يقترح إعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم شهرياً، واعتماد ثلاثة أشطر بمعدلات 0 و10 و20 في المائة. أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيدعو إلى مراجعة أشطر الضريبة بنقطتين على الأقل، والرفع التدريجي للشريحة المعفاة إلى 50 ألف درهم سنوياً، مع إتاحة خصم جزء من مصاريف التعليم والصحة والسكن من الوعاء الضريبي.

ويذهب حزب التقدم والاشتراكية في اتجاه آخر، باقتراح رفع عتبة الإعفاء إلى 60 ألف درهم من الدخل السنوي الخاضع للضريبة، وإحداث معدل هامشي يبلغ 40 في المائة للدخول التي تتجاوز 500 ألف درهم سنوياً، فضلاً عن خصم جبائي لنفقات الصحة والتمدرس.

ليست هذه المقترحات متطابقة حتى عندما تتقاطع في هدف تخفيف العبء عن فئات من الأجراء. فاقتراح الأصالة والمعاصرة يتجه إلى خفض المعدل الأعلى وإعادة بناء السلم الضريبي، بينما يجمع مقترح التقدم والاشتراكية بين رفع عتبة الإعفاء وزيادة المعدل الهامشي على الدخول المرتفعة. ويضيف الاتحاد الاشتراكي إلى مراجعة الأشطر مسألة الخصم المرتبط بمصاريف أساسية تتحملها الأسر.

وتقتضي المقارنة هنا التمييز بين الأجر الخام والدخل الخاضع للضريبة، وبين العتبة الشهرية والسنوية. فالجدول المعمول به سنة 2026، وفق المدونة العامة للضرائب الصادرة عن المديرية العامة للضرائب، يعفي الشريحة الأولى من الدخل السنوي الخاضع للضريبة إلى حدود 40 ألف درهم، ثم يطبق معدلات تصاعدية تبلغ 10 و20 و30 و34 في المائة، وصولاً إلى 37 في المائة على الجزء الذي يتجاوز 180 ألف درهم سنوياً.

ولا يعني المعدل الهامشي أن النسبة الأعلى تُفرض على الدخل كله، بل على الجزء الذي يقع داخل الشريحة المعنية. كما أن إعلان إعفاء الأجور الخام إلى سقف معين لا يكفي وحده لتحديد الأثر الفعلي من دون معرفة طريقة احتساب الدخل الخاضع للضريبة والاقتطاعات المطبقة عليه.

وإذا اختار البرنامج الحكومي الجمع بين هذه المقترحات، فسيحتاج إلى تحديد السلم الذي سيعتمد، والعتبة المعفاة، وطبيعة المصاريف القابلة للخصم، ومآل المعدل الأعلى. أما اعتماد مقترح حزب واحد بكامله، فيعني أن بعض الشركاء لن يتمكنوا من إدراج وعودهم الأصلية بالصورة نفسها في الالتزام الحكومي النهائي.

الدعم الاجتماعي.. مبلغ موحد أم شروط مختلفة للاستفادة؟

في ملف الدعم الاجتماعي، يتقارب الأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية حول رفع الدعم إلى ألف درهم شهرياً، لكن المقترحات لا تتطابق في تحديد المستفيدين وكيفية احتساب الاستحقاق.

يقترح الأصالة والمعاصرة الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم والانتقال من الاستهداف القائم على المؤشر إلى الاستناد إلى الدخل الحقيقي. أما التقدم والاشتراكية، فيوجه الزيادة نحو الأسر التي تعاني فقراً متعدد الأبعاد، مع تعديل المبلغ بحسب تركيبة الأسرة، ومراجعة المؤشر الاجتماعي والاقتصادي، واعتماد السجل الاجتماعي الموحد في الاستهداف.

ويطرح حزب الاستقلال صيغة تقوم على عقد اجتماعي يجمع الدعم المالي والخدمات المقدمة للأسر المصنفة في وضعية فقر أو هشاشة وفق السجل الاجتماعي الموحد، مقابل التزامات تتعلق بتمدرس الأطفال والمتابعة الصحية، وانخراط القادرين على العمل في التكوين أو البحث عن شغل. ويتضمن برنامج التقدم والاشتراكية بدوره ربط جزء من الإعانات بالتمدرس والمتابعة الصحية والمواكبة والإدماج المهني.

هذه المقترحات تتقاطع في ربط المساعدة المالية بالخدمات الاجتماعية والمواكبة، لكنها تترك تفاصيل عملية تحتاج إلى الحسم. فالمبلغ الذي تتلقاه الأسرة لا يمكن تقييمه بمعزل عن عدد أفرادها، ومعايير استحقاقها، والخدمات التي ستستفيد منها، ومدى انتظام صرف الدعم. كما أن ربط الإعانة بالتزامات محددة يستدعي توضيح الحالات التي يمكن فيها تعليقها أو مراجعتها، وكيفية التعامل مع الأسر التي لا تتوفر على الخدمات الصحية أو التعليمية المطلوبة بالقرب من أماكن إقامتها.

ولا يكفي أن يتضمن البرنامج الحكومي عبارة عامة عن تحسين الدعم الاجتماعي. المطلوب أن يحدد ما إذا كانت الزيادة ستشمل جميع المستفيدين الحاليين أو فئات إضافية، وما إذا كانت ستنفذ دفعة واحدة أو تدريجياً، وكيف ستوزع كلفتها على السنوات المقبلة.

التشغيل.. أرقام لا تقيس الشيء نفسه

يستهدف برنامج الأصالة والمعاصرة إحداث مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الحكومية، الممتدة من 2027 إلى 2031. ويتوزع الهدف، وفق البرنامج المنشور للحزب، على الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، والصناعة، والفلاحة بالعالم القروي، واقتصاد الرياضة.

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيتعهد بإحداث 250 ألف منصب شغل صناعي، مع ربط التحفيزات العمومية بالمناصب التي أُحدثت فعلياً.

ولا تسمح المقارنة المباشرة بين الرقمين باستخلاص أي تفوق في حجم الالتزامات، لأن الهدف الأول يشمل الاقتصاد بمختلف قطاعاته، بينما يخص الثاني الصناعة. كما أن إحداث مليون منصب صاف لا يعني جمع كل فرص العمل التي تظهر في برامج التكوين والإدماج والتشغيل المؤقت، إذ يتعين التمييز بين المناصب الجديدة التي تضيف فعلياً إلى مجموع التشغيل والمناصب التي تعوض أخرى فُقدت.

وتحتاج الحكومة المقبلة إلى تحديد هدف موحد، أو أهداف قطاعية متكاملة، مع اعتماد مؤشرات قابلة للتحقق بشأن مدة استمرار المناصب، والفئات المستفيدة، وحجم المساهمة العمومية في خلقها. ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية عندما ترتبط التحفيزات المالية للمقاولات بنتائج تشغيلية؛ إذ لا يكفي الإعلان عن دعم الاستثمار من دون معرفة عدد المناصب التي أحدثها، ومدى استمرارها بعد انتهاء الدعم.

أما إذا جُمعت الأرقام الواردة في البرامج الأربعة من دون تدقيق، فقد يؤدي ذلك إلى احتساب التدخل نفسه أكثر من مرة، أو إلى إدراج المستفيد ذاته ضمن أكثر من هدف. لذلك فإن البرنامج المشترك يحتاج إلى منهج موحد للاحتساب، وليس إلى تجميع حسابي للوعود الانتخابية.

التمويل.. الفارق بين الموارد المتوقعة والاعتمادات المتاحة

تزداد أهمية الاختيارات المشتركة عند الانتقال من الالتزامات إلى كلفتها. فقد قدّر الأصالة والمعاصرة الكلفة الإضافية لبرنامجه خلال الفترة 2027–2031 بنحو 350 مليار درهم، موزعة على 300 مليار درهم يتوقع تعبئتها من أثر النمو الاقتصادي، و40 ملياراً من مساهمة الجماعات الترابية عبر صندوق الضريبة على القيمة المضافة، و10 مليارات من إعادة تخصيص النفقات وتحسين النجاعة الميزانياتية.

وتعكس هذه الأرقام تصور الحزب لتمويل برنامجه، لكنها لا تمثل اعتمادات متاحة سلفاً في الميزانية. فالموارد المرتبطة بالنمو تظل رهينة بتحقق الفرضيات الاقتصادية التي بُنيت عليها، كما أن مساهمة الجماعات الترابية وإعادة توجيه النفقات تحتاجان إلى تحديد الآليات القانونية والميزانياتية التي ستتيح تعبئتهما.

أما التقدم والاشتراكية، فيقدر نفقاته الإضافية بنحو 574.4 مليار درهم، مقابل موارد إضافية متوقعة تبلغ 621.5 مليار درهم خلال الفترة نفسها، تشمل عائدات جبائية وترشيد نفقات الدولة.

ولا تمثل هذه الأرقام كلفة الحكومة المقبلة، ولا يمكن جمعها مباشرة مع تقديرات الأصالة والمعاصرة. فلكل برنامج إجراءاته وافتراضاته وطريقة احتسابه، وقد يتضمن البرنامجان إجراءً واحداً بأكثر من تقدير، أو يعتمدان على المورد نفسه لتمويل التزامات مختلفة.

ويصبح إعداد البرنامج الحكومي اختباراً لمدى قدرة الأحزاب على توحيد هذه الفرضيات: ما حجم الإنفاق الإضافي الذي ستلتزم به الحكومة فعلياً؟ وما الموارد التي يمكن إدراجها في الميزانية على أساس تقديرات قابلة للتحقق؟ وما الإجراءات التي ستحتاج إلى مراحل زمنية قبل أن تظهر آثارها المالية؟

هذه التفاصيل هي التي ستحدد الفارق بين برنامج يعلن أهدافاً اجتماعية واقتصادية واسعة، وآخر يربط كل هدف بموارده وآجاله ومؤشرات تنفيذه.

الضريبة على الثروة.. خلاف حول مصدر إضافي للتمويل

يتقارب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في الدعوة إلى توسيع مساهمة الثروة في تمويل السياسات العمومية، لكن المقترحات تحتاج إلى ضبط طبيعة الوعاء الجبائي والاستثناءات المرتبطة به.

يدعو الاتحاد الاشتراكي إلى فرض ضريبة تصاعدية على الثروات الكبرى الصافية، مع استثناء الأصول المنتجة والاستثمارات الموجهة إلى خلق الشغل. ويتضمن برنامج التقدم والاشتراكية تضريب الثروة غير المنتجة.

ويتطلب تحويل هذه المقترحات إلى إجراء حكومي تحديد المقصود بالثروة الخاضعة للضريبة، وكيفية تقييم الأصول، والحد الذي يبدأ عنده التكليف، وطريقة التعامل مع الاستثمارات والأصول المنتجة. كما يتعين تقدير العائدات المنتظرة على أساس وعاء قابل للتحديد، بدلاً من إدراجها في جانب الموارد قبل حسم قواعد تطبيقها.

ولا يتضمن بلاغ تشكيل الأغلبية إعلاناً عن اعتماد هذا الخيار أو استبعاده، مثلما لا يحسم مصير المقترحات الأخرى المتعلقة بإصلاح الضريبة على الدخل والدعم الاجتماعي. وما يزال إدراجها في البرنامج الحكومي رهيناً بما ستنتهي إليه الأحزاب من اتفاقات تفصيلية.

«تغيير المسار» أمام اختبار البرنامج المشترك

رفع الأصالة والمعاصرة شعار «من أجل تغيير المسار» في حملته الانتخابية، وحدد في برنامجه أهدافاً تشمل التشغيل والإصلاح الجبائي والإنفاق الاجتماعي. لكن قيادة الأغلبية لا تعني أن البرنامج الحكومي سيعتمد جميع هذه الالتزامات كما وردت في الوثيقة الانتخابية، خصوصاً أن الشركاء الثلاثة يقدمون مقترحات مختلفة في عدد من الملفات نفسها.

والأمر ذاته ينطبق على الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية؛ فمشاركتها في الحكومة تعني الانتقال من الدفاع عن برامج حزبية مستقلة إلى التفاوض بشأن أولويات مشتركة، تتحدد فيها الإجراءات التي ستنفذ، والموارد التي ستخصص لها، والآجال التي ستخضع لها.

وحتى الآن، لا تسمح المعطيات المعلنة بالجزم بأن حزباً تنازل عن وعد بعينه، أو بأن الأغلبية حسمت خلافاتها حول الضرائب أو الدعم أو التمويل. كما أن غياب التفاصيل عن بلاغ تشكيل الأغلبية لا يثبت وجود خلافات مستعصية؛ فهو يحدد فقط ما أُعلن وما لم يُعلن بعد.

ومن خلال هذا المقال التحليلي، تطالب «المغرب الآن» الأحزاب الأربعة بتوضيح الكيفية التي تعتزم بها التوفيق بين التزاماتها الانتخابية، خصوصاً في ما يتعلق بإصلاح الضريبة على الدخل، وشروط الاستفادة من الدعم الاجتماعي، وأهداف التشغيل، وموارد تمويل هذه الالتزامات. وهي أسئلة تظل مفتوحة إلى حين الكشف عن البرنامج الحكومي المشترك وتحديد الاختيارات التي ستعتمدها الأغلبية الجديدة.

ويبقى البرنامج الحكومي المرتقب الوثيقة التي ستكشف ما إذا كان «تغيير المسار» سيظهر في عتبات ضريبية جديدة، ودعم اجتماعي بقواعد محددة، وأهداف تشغيل قابلة للقياس، وموارد تمويل واضحة، أم أن بعض الالتزامات ستُعاد صياغتها ضمن التسوية التي ستجمع الأحزاب الأربعة.