«شكون مستافد من صفقات مختبرات المستشفيات؟ تسجيل يهزّ ملف المال العام في قطاع الصحة»

0
144

تثير تصريحات متداولة في تسجيل مصور حول شركة تنشط في مجال مستلزمات المختبرات الطبية، وعلاقتها بجمعية يُقال إنها تضم مسؤولين عن مختبرات استشفائية جامعية، أسئلة تتعلق بشروط المنافسة على الصفقات العمومية، وحدود الفصل بين المسؤولية المهنية والمصلحة التجارية، وآليات مراقبة الإنفاق العمومي في قطاع الصحة.

المقتطف المنشور على صفحة «خبار جديد»، بتاريخ 22 أكتوبر 2026، يتحدث عن مديري مختبرات في مستشفيات جامعية مغربية، وعن اقتناء المستلزمات المخبرية والمشاركة في الصفقات العمومية. ويذهب المتحدث إلى الحديث عن عروض يقدمها متنافسون، مستخدماً عبارة أجنبية تبدو في التفريغ الصوتي على شكل «كيد شارج سي بيس»، وهي عبارة لم يتسن التأكد من المقصود الدقيق بها بسبب اضطراب النص المنقول.

هذا التفصيل مهم، لأن جوهر الاتهام المحتمل يرتبط بما إذا كانت العروض المقدمة تعكس منافسة فعلية بين الشركات، أم أن هناك تنسيقاً مسبقاً بينها أو تأثيراً غير مشروع في شروط الشراء. التسجيل، بصيغته المتاحة، لا يقدم وثائق أو أسماء أو أرقام صفقات تسمح بالحسم في أي من الاحتمالين.

العلاقة المهنية ليست دليلاً كافياً، لكنها تستحق الفحص عندما تلامس قرار الشراء.

وجود جمعية مهنية تضم مسؤولين عن مختبرات استشفائية، إذا تأكد، لا يشكل في حد ذاته مخالفة. فالجمعيات المهنية قد تضطلع بأدوار علمية وتكوينية وتنسيقية مشروعة. لكن التقييم يتغير إذا ظهرت أدلة على أن العلاقة بين الجمعية وشركة موردة استُخدمت للتأثير في تحديد حاجات المؤسسات الصحية، أو إعداد المواصفات التقنية للصفقات، أو توجيه المنافسة نحو مورد بعينه.

في هذه الحالة، ينبغي التحقق من طبيعة العلاقة بين الطرفين، ومصادر تمويل الجمعية، وأي ارتباطات تجارية محتملة، فضلاً عن الصفة التي يشارك بها مسؤولو المختبرات في اتخاذ قرارات الاقتناء. ولا يجوز افتراض أن كل مدير مختبر يقرر منفرداً إسناد الصفقة؛ فالمسؤوليات الفعلية تتحدد بحسب الهيكل التنظيمي للمؤسسة، والتفويضات المعمول بها، واللجان المكلفة بإعداد الطلبات وتقييم العروض وإبرام العقود.

وتزداد أهمية هذا التحقق بالنظر إلى طبيعة المشتريات المعنية. فالمختبرات الطبية تحتاج بصورة مستمرة إلى كواشف ومواد كيميائية وبيولوجية ومستهلكات وتجهيزات، وقد ترتبط بعض المنتجات بأجهزة محددة أو بمتطلبات تقنية دقيقة. لذلك فإن المنافسة لا تُقاس بالسعر وحده، وإنما أيضاً بمدى احترام المواصفات، وجودة المنتجات، وشروط الصيانة والتوريد، وضمان استمرارية الخدمات المخبرية.

غير أن المواصفات التقنية، حتى عندما تكون ضرورية طبياً، ينبغي أن تكون قابلة للتبرير على أساس الحاجة الفعلية للمرفق الصحي، لا على أساس تفضيل تجاري غير مشروع.

ماذا تقول القواعد المنظمة للصفقات؟

يحدد المرسوم رقم 2.22.431 الصادر في 8 مارس 2023 الإطار المنظم للصفقات العمومية في المغرب. وتؤكد القواعد العامة المرتبطة بهذا الإطار حرية الولوج إلى الطلب العمومي، والمساواة في معاملة المتنافسين، وشفافية الاختيار، وحسن استعمال المال العام. ويمكن الرجوع إلى النص المنشور عبر الخزينة العامة للمملكة.

وتكتسب هذه المبادئ معناها العملي من خلال وثائق كل صفقة: تحديد الحاجة، والإعلان عن المنافسة، ودفتر الشروط، والعروض المالية والتقنية، ومحاضر فتح الأظرفة والتقييم، وقرار الإسناد، ثم وثائق التنفيذ والتسليم والأداء.

إذا كان هناك اشتباه في تفضيل مورد بعينه، فإن فحص هذه الوثائق يسمح بمقارنة المواصفات المطلوبة بما هو متاح في السوق، ومعرفة عدد الشركات المشاركة، وأسباب إقصاء أي عرض، والفوارق بين الأسعار المقترحة والتكلفة التقديرية، ومدى مطابقة المنتجات المسلمة لما جرى التعاقد بشأنه.

أما الحديث عن تنسيق بين شركات متنافسة، فيحتاج إلى مستوى آخر من التدقيق. فقد أوضح مجلس المنافسة المغربي، في دراسته حول قطاع الصفقات العمومية، أن العروض المتواطأ بشأنها قد تتخذ أشكالاً مختلفة، منها تقديم عروض صورية مرتفعة، أو التناوب على الفوز بالصفقات، أو تقسيم الأسواق بين الشركات. وتؤدي هذه الممارسات، متى ثبتت، إلى إفراغ المنافسة من مضمونها والإضرار بالمشتري العمومي.

وتظل هذه الأنماط مؤشرات عامة على ممارسات معروفة في مجال المنافسة، وليست دليلاً على وقوعها في القضية التي يتناولها التسجيل. دراسة مجلس المنافسة حول قطاع الصفقات العمومية.

كما أن المادة السادسة من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة تحظر الاتفاقات والممارسات المنافية للمنافسة التي يكون هدفها أو أثرها عرقلة المنافسة أو تقييدها أو تحريفها، بما يشمل توزيع الصفقات العمومية. وقد شدد المجلس، في بلاغ رسمي بتاريخ 8 مايو 2025، على أن تبليغ المؤاخذات إلى الأطراف المعنية لا يعني صدور قرار نهائي بثبوت المخالفة؛ إذ يتعين احترام مسطرة التحقيق وحقوق الدفاع.

هذا المبدأ أساسي في التعامل مع الملف الحالي: الاشتباه يستوجب الفحص، لكنه لا يعوض نتائج التحقيق.

أين تبدأ مسؤولية المؤسسات الصحية؟

إذا أريد تحويل ما ورد في التسجيل إلى ملف قابل للتحقق، فإن نقطة البداية هي تحديد المؤسسات المعنية والصفقات التي يشملها الادعاء. وبعد ذلك يمكن فحص الجهة التي حددت الحاجات، والجهة التي صاغت المواصفات، وأعضاء لجان التقييم، والشركات المشاركة، والجهة التي اتخذت قرار الإسناد.

ويستدعي الأمر أيضاً معرفة ما إذا كانت هناك علاقات مباشرة أو غير مباشرة بين الأشخاص المشاركين في إعداد الصفقة أو تقييمها وبين الشركات المتنافسة، وما إذا كانت هذه العلاقات قد جرى التصريح بها أو التعامل معها وفق القواعد المعمول بها.

وإذا ظهرت مؤشرات موضوعية على تواطؤ بين الموردين، فإن اختصاص مجلس المنافسة يصبح موضع بحث. أما إذا تعلق الأمر بشبهة اختلال في مسطرة إبرام صفقة عمومية أو تدبيرها، فتُدرس سبل الرقابة والتظلم والتحقيق وفق طبيعة الوقائع والجهة المختصة. وتوفر اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية إطاراً مؤسساتياً مرتبطاً بحكامة الصفقات وتسوية الإشكالات المتعلقة بها، وفق اختصاصاتها القانونية. الأمانة العامة للحكومة – اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية.

ولا ينبغي اختزال الرقابة في سؤال ما إذا كانت الشركة قد فازت بالصفقة أم لا. فالفحص الجدي يتطلب معرفة ما إذا كانت المسطرة قد أتاحت منافسة حقيقية، وما إذا كانت الإدارة قد حصلت على أفضل عرض مستوفٍ للشروط، وما إذا كانت الكميات والأسعار والمنتجات المسلمة مطابقة للعقد.

فقد تكون الصفقة سليمة رغم وجود علاقة مهنية بين بعض الأطراف، وقد تكشف الوثائق، في المقابل، عن مؤشرات تستوجب تحقيقاً أعمق. الفارق بين الحالتين لا تحسمه الانطباعات أو التعليقات المتداولة، وإنما الأدلة.

ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟

المادة المتاحة لا تحدد اسم الشركة أو الجمعية، ولا أسماء المستشفيات الجامعية المعنية، ولا أرقام الصفقات أو قيمتها، ولا تقدم وثائق تثبت وجود تنسيق بين المتنافسين أو خسارة مالية لحقت بالمؤسسات العمومية. كما لم يتسن، استناداً إلى هذه المادة وحدها، التحقق من وجود تحقيق رسمي أو قرار صادر عن جهة رقابية بشأن الوقائع الموصوفة.

لذلك لا يمكن الجزم بأن المال العام تعرض للاستنزاف، ولا نسبة مخالفة إلى شركة أو مسؤول بعينه. كما لا تتوفر معطيات كافية لتحديد ما إذا كان الحديث عن نمط عام في القطاع أو عن حالة محددة.

لكن الأسئلة التي يثيرها التسجيل قابلة للتحويل إلى مسار تحقق واضح: من هي الشركة؟ ما طبيعة علاقتها بالجمعية؟ ما الصفقات التي شاركت فيها؟ هل تتكرر أسماء المتنافسين والأسعار وأنماط الإسناد بصورة تستدعي الفحص؟ وهل توجد وثائق تثبت أن مواصفات الشراء أو نتائج المنافسة تأثرت بعلاقات خارج المسطرة الرسمية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يمكن أن ينقل الملف من التداول الإعلامي إلى المساءلة المبنية على الأدلة. وفي انتظار ذلك، يبقى واجب الصحافة أن تفحص الادعاء، وواجب المؤسسات المعنية أن تتيح ما يسمح به القانون من معلومات، وحق كل طرف في الرد على الوقائع المنسوبة إليه محفوظاً.