المحروقات تعود لاختبار الوعود الانتخابية: فوزي لقجع أمام أول امتحان اقتصادي للحكومة الجديدة… أين اختفت معركة «الفراقشية» ومحاربة المضاربين؟

0
108

توجد في هذه القضية مفارقة سياسية واقتصادية تستحق أن تُقرأ بعيداً عن مجرد تسجيل ارتفاع جديد في أسعار المحروقات. فالحكومة الجديدة، التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، تضم على رأس وزارة الاقتصاد والمالية فوزي لقجع، الذي انتقل من منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في الحكومة السابقة إلى قيادة الوزارة نفسها بصلاحيات أوسع. والرجل يعرف جيداً الملفات المالية والضريبية التي كانت مطروحة خلال الولاية السابقة، كما أن ملف الغلاء ومحاربة المضاربة كان حاضراً بقوة في الخطاب السياسي الذي رافق الاستحقاقات الانتخابية.

في فاتح نونبر 2026، عادت أسعار الغازوال إلى الارتفاع، وسُجلت بمحطات في الدار البيضاء أسعار اقتربت من 17 درهماً للتر، بل بلغت 16.99 درهماً لدى إحدى العلامات التجارية، وفق معاينات صحافية منشورة في اليوم نفسه. وهي زيادة تصل إلى درهم واحد في بعض محطات التوزيع، مع اختلاف الأسعار بين الشركات.

المسألة لا تتوقف عند الرقم الذي يظهر على شاشة محطة الوقود. فالغازوال يدخل في تكلفة نقل السلع والمواد الغذائية والمنتجات الفلاحية والخدمات، ولذلك فإن استمرار ارتفاعه يضع الأسر والمقاولات الصغيرة والمهنيين أمام احتمال تحمل موجة جديدة من الزيادات، حتى عندما لا تكون العلاقة بين كل زيادة في المحروقات وثمن السلعة النهائية آلية أو متطابقة.

والأكثر حساسية أن هذه التطورات تأتي بعد حملة سياسية رُفعت خلالها شعارات محاربة الوسطاء والمضاربين، واستعمال تعبير «الفراقشية» لوصف المتحكمين في مسارات بعض الأسواق، مع تقديم ضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية باعتبارهما من الأولويات التي ينبغي أن تتحول إلى عمل حكومي بعد الانتخابات.

لكن الانتقال من خطاب الحملة إلى تدبير الدولة يفرض اختباراً مختلفاً: ما الذي تغير فعلاً في أدوات المراقبة، وفي شفافية الأسعار، وفي قدرة الحكومة على التدخل؟ وما الذي أصبح قابلاً للقياس والمحاسبة، بدل أن يظل وعداً سياسياً قابلاً للتجديد مع كل استحقاق انتخابي؟

لقجع بين موقعه السابق ومسؤوليته الحالية

تكتسب مسؤولية فوزي لقجع أهمية إضافية بالنظر إلى موقعه داخل الحكومة السابقة. فقد كان وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، قبل أن يُعيَّن في 16 أكتوبر 2026 وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية. وهذا يعني أن انتقاله إلى الوزارة لم يصحبه انقطاع عن الملفات المالية التي كان يتابعها، وإنما انتقال إلى موقع حكومي أوسع في تدبيرها.

وقبل الانتخابات، وتحديداً في أواخر غشت 2026، أثار لقجع، خلال لقاء تواصلي لحزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الفقيه بن صالح، جدلاً واسعاً بتصريحاته بشأن ما سماه «الفراقشية»، في إشارة إلى المتدخلين والمضاربين الذين حمّلهم مسؤولية تحويل فرحة عيد الأضحى إلى مصدر قلق للأسر بسبب ارتفاع أسعار اللحوم. وقد نقلت هسبريس تصريحات قيادي في الحزب اعتبر أن موقف لقجع يعكس معرفة مباشرة بملف تدبير الحكومة، فيما تناولت وسائل إعلام أخرى التصريحات من زاوية المسؤولية الحكومية عن تدبير الدعم والمال العام.

هذا التصريح مهم في قراءة المسألة، ليس لأنه يثبت وحده وجود مسؤولية شخصية عن ارتفاع الأسعار، وإنما لأنه صدر عن مسؤول حكومي كان يشغل موقعاً مركزياً في تدبير الميزانية، وكان يتحدث عن ظاهرة اقتصادية واجتماعية تقع ضمن نطاق السياسات العمومية التي تشارك الحكومة في صياغتها وتنفيذها.

والآن، بعدما أصبح لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية، لم يعد النقاش متعلقاً فقط بحدة الخطاب تجاه المضاربين، وإنما بما يمكن أن تنتجه السلطة التنفيذية من أدوات عملية: مراقبة الأسواق، وضمان المنافسة، وتتبع مسارات الدعم، وكشف هوامش الأرباح، ومحاسبة من يثبت تورطه في ممارسات غير مشروعة.

هناك فرق بين أن يصف مسؤول حكومي المضاربين بأوصاف شديدة اللهجة، وبين أن تقدم مؤسسات الدولة معطيات دقيقة عن طبيعة المضاربة، وحجمها، والجهات المتورطة فيها، والنتائج المترتبة عن تدخل أجهزة المراقبة. الأول موقف سياسي، أما الثاني فهو عمل مؤسساتي يمكن للرأي العام أن يقيس نتائجه.

المحروقات: الأرقام تكشف ما لا تكفي التصريحات لتفسيره

تقدم تقارير مجلس المنافسة مادة أكثر دقة لفهم جانب من المشكلة. ففي تقريره المتعلق بالربع الثالث من سنة 2025، سجل المجلس لدى شركات التوزيع التسع التي يتابعها متوسط هامش ربح تجاري خام مرجح بلغ 1.48 درهم للتر من الغازوال و2.10 درهم للبنزين. وهذه هوامش تجارية خام، ولا ينبغي الخلط بينها وبين صافي الأرباح المحاسبية للشركات.

وتسمح هذه المعطيات بطرح سؤال اقتصادي محدد: إلى أي حد تنتقل التغيرات في تكلفة الاستيراد إلى المستهلك المغربي، وإلى أي حد تحتفظ الشركات بهوامشها التجارية رغم تغير الأسعار الدولية؟

هذا السؤال سبق أن شغل مجلس المنافسة، الذي تابع التزامات شركات توزيع الغازوال والبنزين بالجملة في إطار اتفاقات الصلح المبرمة معها. وتُظهر التقارير المنشورة أن مراقبة السوق لم تعد تقتصر على تتبع السعر النهائي، بل تشمل كذلك مؤشرات الأداء المالي وهوامش التسويق والتوزيع.

أما تقرير المجلس المنشور في الجريدة الرسمية سنة 2023، فقد تناول تطور هوامش شركات التوزيع خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021، وأشار إلى أن مردودية هذا النشاط لم تكن تحفز الفاعلين بالقدر الكافي على التنافس بواسطة الأسعار. وهي ملاحظة تاريخية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن جميع الزيادات المسجلة اليوم ناتجة عن ممارسات احتكارية أو اتفاقات بين الشركات.

واللافت في معاينات فاتح نونبر بالدار البيضاء أن الغازوال لم يسجل سعراً موحداً لدى الموزعين. فقد بلغ 16.99 درهماً لدى توتال إنرجيز، و16.95 لدى وينكسو وشركات أخرى، مقابل 16.40 لدى إفريقيا. أي بفارق 59 سنتيماً في اللتر بين محطتين تابعتين لعلامتين مختلفتين، وفق الأسعار التي رصدتها صحيفة «لوسيتو». كما تراجعت أسعار البنزين بنسب متفاوتة، وهو ما يبين أن الشركات لا تطبق بالضرورة التعديل نفسه على المادتين ولا بالوتيرة نفسها.

هذه الفوارق لا تثبت وحدها وجود تواطؤ أو مخالفة، لكنها تجعل المطالبة بالشفافية أكثر إلحاحاً. فالمستهلك الذي يؤدي قرابة 17 درهماً للتر من الغازوال من حقه أن يعرف لماذا تختلف الأسعار بهذا المقدار، وكيف تُحتسب تكلفة الشراء والنقل والتأمين والتخزين والضرائب وهوامش التوزيع.

الزيادة الضريبية: هل يؤدي المستهلك ثمن محاولة تحميل الشركات مسؤولية أكبر؟

من بين المعطيات التي تستحق التوقف عندها مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي قدمته وزارة الاقتصاد والمالية في 23 أكتوبر 2026، أي بعد أسبوع واحد فقط من تعيين لقجع على رأس الوزارة.

ويقترح المشروع رفع الضريبة على الشركات العاملة في استيراد وتوزيع المحروقات، التي تبلغ أرباحها الصافية السنوية 100 مليون درهم أو أكثر، من 35 في المائة إلى 40 في المائة. والمقصود هنا زيادة بخمس نقاط مئوية، وليس زيادة نسبية بخمسة في المائة.

هذا الإجراء يحمل رسالة ضريبية واضحة: الشركات الكبرى العاملة في قطاع ذي تركّز مرتفع ينبغي أن تساهم بصورة أكبر في موارد الدولة.

لكن السؤال الذي لا تجيب عنه الزيادة الضريبية وحدها هو كيفية منع تحويل العبء الجديد إلى المستهلك.

فالشركات التي تحقق أرباحاً مرتفعة تستطيع، من حيث المبدأ، أن تحاول حماية مردوديتها عبر إعادة ترتيب أسعارها وهوامشها التجارية. غير أن ذلك لا يعني أن تمرير الضريبة إلى المستهلك أمر حتمي، ولا أن الشركات تستطيع تحديد الأسعار بمعزل عن قواعد المنافسة. المسألة تحتاج إلى تتبع فعلي لتطور التكاليف والأرباح والأسعار قبل تطبيق الإجراء وبعده.

ويقتضي التدقيق هنا التمييز بين ثلاثة أمور: الضريبة التي تستحقها الدولة، والهامش التجاري الذي تحققه الشركة، والسعر النهائي الذي يؤديه المواطن. الخلط بينها يجعل النقاش ضبابياً، بينما المطلوب أن تنشر المؤسسات المعنية معطيات تسمح بتحديد أثر كل عنصر على حدة.

كما أن مشروع القانون لم يصبح قانوناً نافذاً بمجرد تقديمه إلى البرلمان. لذلك ينبغي التعامل مع هذه الزيادة باعتبارها إجراءً مقترحاً يخضع للمسطرة التشريعية، لا باعتبارها ضريبة دخلت حيز التنفيذ بالفعل.

الدعم الحكومي ومشكلة الحلول المؤقتة

توجد نقطة أخرى لا ينبغي تجاوزها. فقد اعتمدت الحكومات المتعاقبة منذ مارس 2022 برامج دعم استثنائي لمهنيي النقل الطرقي، وأعلنت الحكومة في مارس 2026 عن جولة جديدة من هذا الدعم، في إطار مواجهة ارتفاع أسعار النفط دولياً.

وفي 30 شتنبر 2026، أعلنت رئاسة الحكومة استمرار الدعم المباشر الاستثنائي لمهنيي نقل البضائع والأشخاص، مع تكييف قيمته وفق تطور أسعار المحروقات، بهدف الحفاظ على انتظام تموين الأسواق واستمرار خدمات النقل بالأسعار المعمول بها.

هذه التدابير لها أهداف معلنة ومفهومة، ولا يمكن إنكار دورها في مساعدة بعض المهنيين على مواجهة ارتفاع التكاليف. لكن استمرار اللجوء إليها يطرح سؤالاً عن حدود فعاليتها على المدى المتوسط.

فالدعم الموجه إلى مهنيي النقل لا يصل بصورة مباشرة إلى كل مواطن يستعمل سيارته في العمل، ولا إلى كل مقاولة صغيرة تعتمد على التنقل، ولا إلى الأسر التي تتحمل ارتفاع تكاليف النقل والسلع والخدمات.

ثم إن دعم النقل لا يعالج بالضرورة أسباب ارتفاع أسعار المحروقات، ولا يضمن وحده انتقال أي انخفاض مستقبلي في أسعار الاستيراد إلى المستهلك المغربي.

والأمر يستدعي أيضاً مراجعة أثر تحرير أسعار المحروقات الذي دخل حيز التنفيذ في فاتح دجنبر 2015. فمنذ ذلك التاريخ لم تعد أسعار الغازوال والبنزين محددة إدارياً بالطريقة السابقة، وأصبحت مرتبطة بتقلبات السوق الدولية وسعر الصرف وتكاليف الاستيراد والتوزيع، مع استمرار خضوع القطاع لقواعد المنافسة والمراقبة القانونية.

هذا الاختيار الاقتصادي يضع على عاتق الدولة مسؤولية ضمان المنافسة الحقيقية، ومراقبة الممارسات المخالفة، وتوفير المعلومات التي تسمح للمستهلك بفهم كيفية تشكل السعر. فالتحرير لا يعني انسحاب الدولة من مسؤوليتها الرقابية، ولا يعني أن المواطن ينبغي أن يتحمل وحده نتائج اختلالات السوق إن ثبت وجودها.

ما الذي ينبغي أن يقدمه لقجع الآن؟

المسؤولية هنا لا تتعلق بفوزي لقجع وحده، لأن ملف المحروقات يتداخل فيه اختصاص وزارة الاقتصاد والمالية مع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ومجلس المنافسة، ووزارة الصناعة والتجارة، والجهات المكلفة بمراقبة الأسواق، فضلاً عن رئاسة الحكومة.

لكن موقع وزير الاقتصاد والمالية يمنحه مسؤولية أساسية في الجانب الضريبي والمالي، وفي تقديم المعطيات المتعلقة بتأثير السياسات العمومية على القدرة الشرائية.

والاختبار العملي يبدأ بنشر بنية واضحة لتكلفة المحروقات، وتحديد مكونات السعر عند الاستيراد، وسعر الصرف المعتمد، وتكاليف النقل والتخزين والتأمين، والضرائب، وهوامش التوزيع. كما ينبغي إتاحة تقارير دورية تشرح تطور هذه العناصر، حتى لا يبقى المستهلك أمام سعر نهائي لا يعرف كيف تشكل.

ويحتاج الأمر كذلك إلى توضيح نتائج تدخلات مجلس المنافسة، ومدى احترام الشركات للتعهدات التي التزمت بها، وما إذا كانت هناك مؤشرات تستدعي فتح تحقيقات جديدة.

أما في الأسواق الغذائية، فإن محاربة المضاربة لا تتحقق بالتصريحات وحدها. إنها تتطلب تتبع حلقات الإنتاج والاستيراد والتخزين والوساطة والتوزيع، ومعرفة أين تتراكم الزيادات، ومن يستفيد منها، وما إذا كانت هناك ممارسات غير مشروعة تستوجب الجزاء.

ولا بد من التذكير بأن ارتفاع الأسعار لا يعني تلقائياً وجود مضاربين أو محتكرين؛ فقد تكون هناك أسباب دولية أو موسمية أو مرتبطة بالتكاليف. لكن وجود هذه الاحتمالات لا يعفي الحكومة من التحقيق والتوضيح، ولا يمنع مساءلة كل من تثبت مسؤوليته.

بين خطاب الانتخابات واختبار التدبير

المغاربة لا ينتظرون من الحكومة أن تتحكم في أسعار النفط العالمية، ولا أن تلغي تأثير الأزمات الدولية بقرار إداري. ما ينتظرونه هو أن يعرفوا ماذا تفعل الدولة عندما ترتفع الأسعار، وكيف تحمي الفئات التي لا تستطيع امتصاص الزيادات، وما الأدوات التي تستعملها لمنع تحول اضطرابات الأسواق إلى فرصة لتحقيق أرباح غير مستحقة.

أما الخطاب الانتخابي الذي وضع «الفراقشية» والمضاربين في واجهة المعركة السياسية، فقد أصبح اليوم مطالباً بالانتقال إلى مستوى آخر من المسؤولية.

فوزي لقجع كان في موقع حكومي خلال الولاية السابقة، وكان مكلفاً بالميزانية، ثم شارك في النقاش السياسي حول المضاربين وغلاء المعيشة، قبل أن يتولى الآن وزارة الاقتصاد والمالية. ولذلك فإن مساءلته عن النتائج ليست استهدافاً شخصياً، وإنما مساءلة سياسية مشروعة لمسؤول انتقل من موقع المشاركة في تدبير المالية العمومية إلى موقع قيادتها.

ولا تكفي المعطيات المتاحة للجزم بأن محاربة الفساد والغلاء كانت مجرد حملة انتخابية، كما لا يصح اعتبار الزيادة الحالية دليلاً قاطعاً على فشل الحكومة الجديدة، التي لم يمض على تعيينها سوى أسابيع. لكن من حق الرأي العام أن يقارن بين الوعود التي سبقت الانتخابات، والقرارات التي تلتها، والنتائج التي يمكن قياسها.

ويبقى أمام لقجع، بصفته وزيراً للمالية، أن يقدم ما هو أكثر من التفسيرات المرتبطة بالأسواق الدولية. فالمواطن يريد أن يعرف أين تبدأ مسؤولية السوق وأين تبدأ مسؤولية الدولة، وما الذي تستطيع الحكومة تغييره فعلياً في منظومة الأسعار.

فإذا كانت معركة «الفراقشية» قد احتلت مساحة واسعة من الخطاب الانتخابي، فإن معركة القدرة الشرائية أصبحت اليوم امتحاناً حكومياً مفتوحاً، وستكون نتائجها، لا التصريحات التي سبقتها، هي المعيار الذي سيحاسب به المواطنون أصحاب الوعود.