قراءة في تصريحات ناصر بوريطة، ومآلات انتهاء ولاية المينورسو، وحدود الدور المحتمل لمجلس السلام الذي أسسه دونالد ترامب
لم ينتظر المغرب انتهاء الجدل داخل مجلس الأمن حتى يعلن عن تصوره للمرحلة التي ستلي المينورسو. ففي مساء 30 أكتوبر 2026، وبعد فشل المجلس في اعتماد مشروع القرار الأمريكي ومشروع القرار الروسي بشأن تجديد ولاية البعثة، صدر بلاغ الديوان الملكي معلناً أن عدم تمديد مهمة المينورسو ينبغي أن يضع حداً لإحالة ملف الصحراء المغربية على مجلس الأمن، وأن المسار السياسي الأممي، بصيغته السابقة، قد توقف.
كان البلاغ واضحاً في لغته السياسية، ولم يكتف بتسجيل انتهاء ولاية البعثة بعد 35 سنة من وجودها، بل ربط التطور بتحول أوسع في طريقة تدبير الملف، معلناً أن خطوات مماثلة ستُتخذ داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة، مع استمرار العمل على المستوى الثنائي والإقليمي.
بعد يوم واحد، ظهر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على القناة الثانية، في مقابلة خصصت لشرح ما بعد المينورسو. لم يكن حديثه إعلاناً عن مغادرة المغرب للأمم المتحدة، ولا إعلاناً عن استبدال مؤسسة دولية بأخرى. لكنه حمل إشارة دبلوماسية تستحق التوقف عندها: الرباط لم تعد تعتبر المسار الأممي التقليدي الإطار الوحيد الممكن للبحث عن تسوية سياسية، وهي مستعدة للنظر في فضاءات ومبادرات أخرى، شريطة أن تنطلق المفاوضات من معايير واضحة.
هذا التحول في الخطاب يكتسب أهمية إضافية عند وضعه بجانب عضوية المغرب المؤسسة في «مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فهل يمكن أن يتحول هذا المجلس إلى أحد الأطر التي تستثمر فيها الرباط علاقاتها الدولية للوصول إلى تسوية سياسية؟ أم أن الجمع بين الحدثين يظل، إلى الآن، قراءة لاحتمال لم تعلنه الحكومة المغربية؟
ما الذي حدث فعلياً داخل مجلس الأمن؟
تحتاج قراءة التطور الأخير إلى العودة إلى تفاصيل التصويت، لأنها تفسر طبيعة المرحلة التي وجد فيها الملف نفسه.
في 30 أكتوبر 2026، عرضت الولايات المتحدة مشروع قرار لتجديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسم البعثة ابتداء من فاتح نوفمبر إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، وإدخال تعديلات على مهامها، في ضوء التطورات السياسية المرتبطة بالمفاوضات.
حصل المشروع الأمريكي على 11 صوتاً مؤيداً، لكنه سقط بسبب استخدام روسيا حق النقض، مع امتناع الصين وباكستان عن التصويت. وبعد ذلك، طُرح المشروع الروسي الذي اقترح تجديداً مباشراً لولاية المينورسو، لكنه لم يحصل إلا على صوتين مؤيدين، ولم يُعتمد بدوره.
النتيجة لم تكن قراراً دولياً متوافقاً عليه بإنهاء البعثة، بل فشل مجلس الأمن في الاتفاق على أي من الصيغتين المطروحتين. وبانتهاء 31 أكتوبر، انتهت الولاية التي كانت محددة بموجب القرار 2797 لسنة 2025، دون صدور قرار جديد يمددها.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأن المشروع الأمريكي لم يكن مجرد تمديد تقني. فقد حمل محاولة لإعادة تعريف وظيفة البعثة واسمها، وربط مستقبلها بالتطورات التي عرفتها المفاوضات. أما المشروع الروسي، فكان يطرح استمرار الصيغة القائمة دون إدخال التعديلات الأمريكية.
ووفق المعطيات التي نشرها موقع «Security Council Report» المتخصص في متابعة أعمال مجلس الأمن، فإن المراجعة الاستراتيجية التي طلبها القرار 2797 كانت قد حددت سيناريوهات متعددة لمستقبل المينورسو، من بينها تعديل وضعيتها وقدراتها في حال استمرار الجمود، أو إعادة النظر في وجودها إذا لم يتحقق تقدم سياسي ملموس. كما أشارت المراجعة إلى استمرار الخلافات السياسية، والقيود التي تواجه حرية الحركة، والتحديات الأمنية والمالية والتقنية التي تؤثر في تنفيذ مهامها.
أما القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، فقد كان قد وضع مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، ودعا الأطراف إلى الانخراط دون شروط مسبقة، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق، مع الحفاظ على هدف الوصول إلى تسوية سياسية نهائية ومقبولة من الأطراف، وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
لم يكن هذا القرار إعلاناً عن تسوية النزاع، لكنه نقل النقاش داخل مجلس الأمن إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بمقترح الحكم الذاتي. وكان الرهان المغربي أن يتحول هذا التطور إلى أرضية تفاوضية واضحة، بدل استمرار المفاوضات دون تحديد كافٍ لمرجعيتها السياسية.
بوريطة لا يغلق الباب أمام الأمم المتحدة.. لكنه يرفض حصرية المسار
في المقابلة التي بثتها القناة الثانية يوم 31 أكتوبر، تحدث بوريطة عن واقع الوساطة الدولية، مستحضراً تقديره بأن الأمم المتحدة لا تتولى سوى جزء من النزاعات القائمة في العالم، وأن هناك دولاً ومنظمات إقليمية تضطلع بأدوار في مسارات أخرى.
الأهم في كلام الوزير لم يكن الرقم الذي أورده بشأن عدد النزاعات، والذي يحتاج إلى تحديد منهجي ومصدر إحصائي مستقل قبل اعتماده كمعطى موثق، بل التمييز الذي أقامه بين استمرار علاقة المغرب بالأمم المتحدة وبين اعتبارها الإطار الوحيد الممكن.
فقد أكد أن المغرب لا يعادي المنظمة الدولية، وأنه لا يزال يعتبرها مظلة مناسبة ضمن شروط محددة، لكنه تحدث أيضاً عن فضاءات أخرى ومبادرات جديدة محتملة.
وفي الجزء الأكثر تفصيلاً من المقابلة، كما نقلته «ميديا 24» في تقريرها المنشور يوم 1 نوفمبر، حدد بوريطة أربعة شروط لأي استئناف محتمل للمفاوضات:
-
اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً وحيداً للنقاش.
-
أن يكون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الغاية النهائية.
-
مشاركة الأطراف الأربعة المعنية، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.
-
وجود إطار تفاوضي واضح ومحدد مسبقاً.


