مجلس السلام بعد المينورسو.. هل تتجه الدبلوماسية المغربية إلى إعادة رسم إطار التفاوض حول الصحراء خارج المسار الأممي التقليدي؟

0
106

قراءة في تصريحات ناصر بوريطة، ومآلات انتهاء ولاية المينورسو، وحدود الدور المحتمل لمجلس السلام الذي أسسه دونالد ترامب




لم ينتظر المغرب انتهاء الجدل داخل مجلس الأمن حتى يعلن عن تصوره للمرحلة التي ستلي المينورسو. ففي مساء 30 أكتوبر 2026، وبعد فشل المجلس في اعتماد مشروع القرار الأمريكي ومشروع القرار الروسي بشأن تجديد ولاية البعثة، صدر بلاغ الديوان الملكي معلناً أن عدم تمديد مهمة المينورسو ينبغي أن يضع حداً لإحالة ملف الصحراء المغربية على مجلس الأمن، وأن المسار السياسي الأممي، بصيغته السابقة، قد توقف.

كان البلاغ واضحاً في لغته السياسية، ولم يكتف بتسجيل انتهاء ولاية البعثة بعد 35 سنة من وجودها، بل ربط التطور بتحول أوسع في طريقة تدبير الملف، معلناً أن خطوات مماثلة ستُتخذ داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة، مع استمرار العمل على المستوى الثنائي والإقليمي.

بعد يوم واحد، ظهر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على القناة الثانية، في مقابلة خصصت لشرح ما بعد المينورسو. لم يكن حديثه إعلاناً عن مغادرة المغرب للأمم المتحدة، ولا إعلاناً عن استبدال مؤسسة دولية بأخرى. لكنه حمل إشارة دبلوماسية تستحق التوقف عندها: الرباط لم تعد تعتبر المسار الأممي التقليدي الإطار الوحيد الممكن للبحث عن تسوية سياسية، وهي مستعدة للنظر في فضاءات ومبادرات أخرى، شريطة أن تنطلق المفاوضات من معايير واضحة.

هذا التحول في الخطاب يكتسب أهمية إضافية عند وضعه بجانب عضوية المغرب المؤسسة في «مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فهل يمكن أن يتحول هذا المجلس إلى أحد الأطر التي تستثمر فيها الرباط علاقاتها الدولية للوصول إلى تسوية سياسية؟ أم أن الجمع بين الحدثين يظل، إلى الآن، قراءة لاحتمال لم تعلنه الحكومة المغربية؟

ما الذي حدث فعلياً داخل مجلس الأمن؟

تحتاج قراءة التطور الأخير إلى العودة إلى تفاصيل التصويت، لأنها تفسر طبيعة المرحلة التي وجد فيها الملف نفسه.

في 30 أكتوبر 2026، عرضت الولايات المتحدة مشروع قرار لتجديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسم البعثة ابتداء من فاتح نوفمبر إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، وإدخال تعديلات على مهامها، في ضوء التطورات السياسية المرتبطة بالمفاوضات.

حصل المشروع الأمريكي على 11 صوتاً مؤيداً، لكنه سقط بسبب استخدام روسيا حق النقض، مع امتناع الصين وباكستان عن التصويت. وبعد ذلك، طُرح المشروع الروسي الذي اقترح تجديداً مباشراً لولاية المينورسو، لكنه لم يحصل إلا على صوتين مؤيدين، ولم يُعتمد بدوره.

النتيجة لم تكن قراراً دولياً متوافقاً عليه بإنهاء البعثة، بل فشل مجلس الأمن في الاتفاق على أي من الصيغتين المطروحتين. وبانتهاء 31 أكتوبر، انتهت الولاية التي كانت محددة بموجب القرار 2797 لسنة 2025، دون صدور قرار جديد يمددها.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأن المشروع الأمريكي لم يكن مجرد تمديد تقني. فقد حمل محاولة لإعادة تعريف وظيفة البعثة واسمها، وربط مستقبلها بالتطورات التي عرفتها المفاوضات. أما المشروع الروسي، فكان يطرح استمرار الصيغة القائمة دون إدخال التعديلات الأمريكية.

ووفق المعطيات التي نشرها موقع «Security Council Report» المتخصص في متابعة أعمال مجلس الأمن، فإن المراجعة الاستراتيجية التي طلبها القرار 2797 كانت قد حددت سيناريوهات متعددة لمستقبل المينورسو، من بينها تعديل وضعيتها وقدراتها في حال استمرار الجمود، أو إعادة النظر في وجودها إذا لم يتحقق تقدم سياسي ملموس. كما أشارت المراجعة إلى استمرار الخلافات السياسية، والقيود التي تواجه حرية الحركة، والتحديات الأمنية والمالية والتقنية التي تؤثر في تنفيذ مهامها.

أما القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، فقد كان قد وضع مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، ودعا الأطراف إلى الانخراط دون شروط مسبقة، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق، مع الحفاظ على هدف الوصول إلى تسوية سياسية نهائية ومقبولة من الأطراف، وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

لم يكن هذا القرار إعلاناً عن تسوية النزاع، لكنه نقل النقاش داخل مجلس الأمن إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بمقترح الحكم الذاتي. وكان الرهان المغربي أن يتحول هذا التطور إلى أرضية تفاوضية واضحة، بدل استمرار المفاوضات دون تحديد كافٍ لمرجعيتها السياسية.

بوريطة لا يغلق الباب أمام الأمم المتحدة.. لكنه يرفض حصرية المسار

في المقابلة التي بثتها القناة الثانية يوم 31 أكتوبر، تحدث بوريطة عن واقع الوساطة الدولية، مستحضراً تقديره بأن الأمم المتحدة لا تتولى سوى جزء من النزاعات القائمة في العالم، وأن هناك دولاً ومنظمات إقليمية تضطلع بأدوار في مسارات أخرى.

الأهم في كلام الوزير لم يكن الرقم الذي أورده بشأن عدد النزاعات، والذي يحتاج إلى تحديد منهجي ومصدر إحصائي مستقل قبل اعتماده كمعطى موثق، بل التمييز الذي أقامه بين استمرار علاقة المغرب بالأمم المتحدة وبين اعتبارها الإطار الوحيد الممكن.

فقد أكد أن المغرب لا يعادي المنظمة الدولية، وأنه لا يزال يعتبرها مظلة مناسبة ضمن شروط محددة، لكنه تحدث أيضاً عن فضاءات أخرى ومبادرات جديدة محتملة.

وفي الجزء الأكثر تفصيلاً من المقابلة، كما نقلته «ميديا 24» في تقريرها المنشور يوم 1 نوفمبر، حدد بوريطة أربعة شروط لأي استئناف محتمل للمفاوضات:

  • اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً وحيداً للنقاش.

  • أن يكون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الغاية النهائية.

  • مشاركة الأطراف الأربعة المعنية، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.

  • وجود إطار تفاوضي واضح ومحدد مسبقاً.

كما أوضح أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني انتهاء التزام المغرب بوقف إطلاق النار، مميزاً بين الالتزام السياسي المرتبط باتفاق 1991 وبين الآلية الأممية التي كانت مكلفة بمراقبة تطبيقه.

وتبرز في هذا التوضيح نقطة لا ينبغي إغفالها: المغرب يتحدث عن تغيير آلية تدبير الملف، وليس عن التخلي عن البحث عن حل سياسي. كما أن الوزير لم يقل إن مجلس السلام هو البديل الذي اختاره المغرب، ولم يسمِّ في المقابلة جهة دولية بعينها باعتبارها الإطار الجديد للمفاوضات.

وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول الحديث عن إمكانات دبلوماسية جديدة إلى إعلان رسمي لم يصدر بعد.

مجلس السلام.. من مبادرة أمريكية إلى عضوية مغربية مؤسسة

يكتسب احتمال الاستفادة من مجلس السلام أهمية بسبب طبيعة المشاركة المغربية فيه، وليس فقط بسبب علاقته بالرئيس الأمريكي.

ففي 22 يناير 2026، وبأمر من الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، وقع ناصر بوريطة في دافوس الميثاق التأسيسي لمجلس السلام، بعد قبول الملك دعوة دونالد ترامب للانضمام إليه بصفة عضو مؤسس.

والبلاغ المنشور على البوابة الرسمية للمملكة المغربية أكد أن المبادرة تستهدف تعزيز جهود السلام في الشرق الأوسط واعتماد مقاربة جديدة لتسوية النزاعات في العالم. كما أعلن أن المغرب والبحرين كانا أول دولتين توقعان الميثاق، قبل الإعلان عن دخوله حيز التنفيذ.

لم تكن المشاركة المغربية مجرد حضور في اجتماع دولي أو صفة مراقب، بل عضوية مؤسسة في هيئة تقدم نفسها باعتبارها إطاراً للتعاون الدولي والعمل من أجل السلام.

لكن طبيعة هذه الهيئة تحتاج إلى قراءة قانونية دقيقة.

فمجلس السلام ارتبط في نشأته بخطة إنهاء النزاع في قطاع غزة، وقد أقر مجلس الأمن، بموجب القرار 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025، إنشاء المجلس باعتباره إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، تتولى وضع إطار إعادة إعمار غزة وتنسيق تمويلها، إلى حين تهيئة الظروف التي تسمح للسلطة الفلسطينية باستعادة السيطرة على القطاع بصورة آمنة وفعالة.

كما دعا القرار إلى تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء النزاع، وربط إعادة إعمار غزة بمسار سياسي يتيح الوصول إلى أفق موثوق لتقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية.

هذه الصياغة مهمة؛ لأن مجلس الأمن لم يمنح مجلس السلام تفويضاً عاماً لإدارة جميع النزاعات الدولية، ولم ينص القرار 2803 على نقل اختصاصات الأمم المتحدة إليه. التفويض الوارد في القرار مرتبط بخطة غزة وبترتيباتها الانتقالية، فيما يتضمن الميثاق التأسيسي للمجلس طموحاً أوسع للتعاون من أجل معالجة النزاعات.

وتكشف هذه النقطة الفرق بين الطموح السياسي للمجلس وبين الاختصاص القانوني الذي أُنشئ على أساسه. فوجود شخصية قانونية دولية، وعضوية دولية، وميثاق تأسيسي، لا يمنح الهيئة تلقائياً سلطة الحلول محل مجلس الأمن أو تولي ملف إقليمي لم يصدر بشأنه تفويض خاص.

كما أن عضوية المغرب لا تعني أن المجلس أصبح طرفاً في نزاع الصحراء، ولا أن ملف الصحراء أُدرج ضمن جدول أعماله. لا توجد، في الوثائق الرسمية المتاحة التي أمكن التحقق منها، إشارة إلى قرار مغربي بتقديم النزاع إلى هذه الهيئة أو إلى تكليفها برعاية مفاوضات بشأنه.

غياب الجزائر عن المجلس.. عامل سياسي أم مجرد تفصيل في العضوية؟

تظهر مسألة الجزائر عند التفكير في أي دور محتمل لمجلس السلام، خصوصاً أن المغرب يعتبر مشاركة الجزائر ضرورية في أي مفاوضات جدية بشأن الصحراء، بالنظر إلى طبيعة النزاع ومواقف الأطراف المعنية.

وتفيد قائمة الدول الواردة في تقرير مجلس السلام المقدم إلى الأمم المتحدة بشأن تنفيذ القرار 2803، بأن المجلس يضم 28 دولة عضواً، من بينها المغرب، ولا تظهر الجزائر ضمن هذه القائمة.

هذا الغياب لا يمنع المجلس من إطلاق مبادرات دبلوماسية أو تسهيل اتصالات بين أطراف مختلفة، لكنه يطرح إشكالاً عملياً إذا جرى التفكير في تحويله إلى إطار تفاوضي مباشر بشأن الصحراء: كيف يمكن بناء مسار سياسي يشارك فيه المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، إذا لم تكن الجزائر عضواً في المؤسسة التي يُفترض أن ترعى هذا المسار؟

لا توجد قاعدة قانونية تمنع المجلس من دعوة دولة غير عضو للمشاركة في اجتماع أو مفاوضات، كما لا تشترط الوساطة الدولية أن يكون جميع الأطراف أعضاء في الجهة الراعية. لكن ذلك يحتاج إلى قبول سياسي من الأطراف، وإلى ترتيبات واضحة تحدد طبيعة المشاركة والضمانات التي يوفرها الإطار الجديد.

والأمر لا يتعلق بالجزائر وحدها. فالبوليساريو لا تنتمي بدورها إلى المجلس، كما أن مواقفها وموقف الجزائر من التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن لا تتطابق مع القراءة المغربية.

وقد أظهرت ردود الفعل على مشروع القرار الأمريكي أن الخلاف لم يكن تقنياً حول تجديد ولاية بعثة أممية فقط، بل تعلق أيضاً بمرجعية المفاوضات ومستقبل المهمة الدولية. روسيا اعتبرت أن الصيغة الأمريكية تتقدم في اتجاه ترجيح تصور معين للحل، بينما انتقدت الجزائر والبوليساريو ما اعتبرتاه انحيازاً في صياغة المشروع لصالح الموقف المغربي.

هذه المواقف تعني أن نقل المفاوضات إلى إطار آخر لن يلغي الخلافات القائمة تلقائياً، حتى لو تغيرت المؤسسة التي تتولى تنظيم الاتصالات.

واشنطن.. الوسيط الذي يملك أدوات التأثير، لكنه لا يملك وحده مفاتيح التسوية

تظل الولايات المتحدة الطرف الأكثر حضوراً في المرحلة الجديدة.

فهي التي تولت صياغة مشروع القرار الأخير بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، وهي التي اضطلعت بدور أساسي في الاتصالات والمحادثات التي جمعت المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو في مدريد وواشنطن، وفق المعطيات المنشورة بشأن المسار الدبلوماسي الأخير.

لكن استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي كشف أن واشنطن، رغم موقعها ونفوذها، لا تستطيع فرض صيغة داخل مجلس الأمن دون مراعاة مواقف القوى الدائمة العضوية الأخرى.

وهذا معطى ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند الحديث عن مجلس السلام. فالمجلس الذي يرتبط بمبادرة ترامب السياسية لا يتحرك خارج التوازنات الدولية، ولا يستطيع أن يحول الرؤية الأمريكية إلى تسوية مقبولة تلقائياً لدى الأطراف الأخرى.

بل إن تجربة القرار 2803 الخاص بغزة تقدم مثالاً على حدود هذا النوع من المبادرات. فقد جاء إنشاء مجلس السلام في إطار قرار صادر عن مجلس الأمن نفسه، ولم يكن إنشاءً لهيئة تملك صلاحيات مستقلة عن النظام الدولي أو بديلاً عن ميثاق الأمم المتحدة.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الاستفادة من موقعه داخل المجلس قد تكون مرتبطة بتوسيع قنوات الاتصال مع الإدارة الأمريكية وشركائها، وفتح إمكانات دبلوماسية إضافية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مفاوضات بشأن الصحراء يظل مسألة أخرى تتطلب توافقاً وترتيبات لم يعلن عنها رسمياً.

هل انتهى المسار الأممي فعلاً؟

من الضروري التمييز بين الموقف السياسي المغربي المعلن وبين الوضع القانوني للأمم المتحدة.

بلاغ الديوان الملكي تحدث عن ضرورة وضع حد لإحالة الملف على مجلس الأمن، وعن توقف المسار السياسي الأممي بصيغته السابقة. لكن هذا الموقف لا يعني أن مجلس الأمن فقد اختصاصه القانوني في تناول قضية الصحراء.

فبموجب ميثاق الأمم المتحدة، يحتفظ المجلس باختصاصاته العامة في ما يتعلق بالسلم والأمن الدوليين، ولا يؤدي انتهاء ولاية بعثة أممية تلقائياً إلى إسقاط اختصاص المجلس أو منعه من إعادة تناول الملف إذا اقتضت الظروف ذلك.

وهذا ما أوضحه أيضاً التقرير الذي نشرته «ميديا 24» حول تصريحات بوريطة: انتهاء الاجتماعات الدورية المرتبطة بتجديد ولاية المينورسو لا يعني أن مجلس الأمن أصبح ممنوعاً من العودة إلى الملف، إذ يحتفظ بإمكانية إدراجه على جدول أعماله.

كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تظل فضاءً دبلوماسياً قائماً، وهو ما أشار إليه بوريطة من خلال حديثه عن اللجنة الرابعة المكلفة بقضايا تصفية الاستعمار.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة؛ لأن اللجنة الرابعة لا تعمل وفق نظام حق النقض المعمول به داخل مجلس الأمن، وتتيح للدول الأعضاء التعبير عن مواقفها في إطار الجمعية العامة، التي تضم 193 دولة.

وبحسب ما نقلته «ميديا 24» عن الوزير، فإن هذا الفضاء يمكن أن يشهد تطوراً في طريقة تناول الملف، بالتوازي مع العمل الثنائي والإقليمي.

وهذا يعني أن الحديث عن تجاوز المسار الأممي التقليدي لا ينبغي اختزاله في الانتقال إلى مجلس السلام. فهناك أكثر من مستوى دبلوماسي يمكن أن تتحرك فيه الرباط، بدءاً من العلاقات الثنائية، مروراً بالوساطات والمبادرات الدولية، وصولاً إلى أجهزة الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ما الذي سيتغير على الأرض بعد انتهاء المينورسو؟

هناك جانب آخر لا ينبغي أن يختفي خلف النقاش السياسي حول المؤسسات والوساطات، ويتعلق بالوظيفة الميدانية للبعثة.

فالمينورسو تأسست بموجب قرار مجلس الأمن 690 لسنة 1991، في إطار ترتيبات التسوية التي ارتبطت بوقف إطلاق النار، وكُلفت بمهام تتصل بمراقبة وقف إطلاق النار والتحضير للاستفتاء الذي لم يُنظم بسبب الخلافات حول شروطه وتحديد الهيئة الناخبة.

وبعد فشل تجديد ولايتها، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بدء تقليص وجود البعثة وإنهاء مهامها التشغيلية وفق الترتيبات الأممية المعتمدة.

وتفيد التغطية التي نشرتها «رويترز» يوم 1 نوفمبر بأن عملية إنهاء وجود المينورسو بدأت بعد انتهاء التفويض، مع استمرار التساؤلات حول آليات مراقبة وقف إطلاق النار في المرحلة المقبلة.

فالمغرب يؤكد استمرار التزامه بوقف إطلاق النار، كما أوضح بوريطة في مقابلته، لكن انتهاء الآلية الأممية المكلفة بالمراقبة يفتح ملفاً عملياً يتعلق بتدبير الوضع الميداني، وآليات التحقق من التطورات، والاتصالات التي تمنع تحول الحوادث المحلية إلى تصعيد أوسع.

وقد حذرت منظمة أوكسفام، وفق ما نقلته رويترز، من المخاطر التي قد تترتب على فقدان البعثة دورها في المراقبة واحتواء التصعيد، خصوصاً مع استمرار التوترات الميدانية منذ سنة 2020.

وهذا الجانب لا يحسمه وجود مجلس السلام أو غيابه، لأنه يتعلق بترتيبات أمنية وميدانية تحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة، بصرف النظر عن الإطار الذي قد يتولى رعاية المفاوضات السياسية.

الرهان المغربي بين تعدد المسارات وضمانات الحل السياسي

تسمح المعطيات المتاحة بقراءة التوجه المغربي باعتباره انتقالاً من الاعتماد على المسار الأممي التقليدي وحده إلى تصور أوسع لتدبير الملف، تتداخل فيه الوساطة الأمريكية والعلاقات الثنائية والإطار الإقليمي، مع الاحتفاظ بإمكانية استخدام مؤسسات الأمم المتحدة وفق شروط جديدة.

لكن لا ينبغي الخلط بين هذا التوجه وبين إعلان اعتماد مجلس السلام بديلاً رسمياً عن الأمم المتحدة.

فحتى الآن، لا يوجد إعلان مغربي رسمي يحدد المجلس باعتباره الجهة الجديدة المكلفة برعاية مفاوضات الصحراء، ولا يوجد قرار صادر عنه يدرج الملف ضمن اختصاصاته. وما هو ثابت أن المغرب عضو مؤسس فيه، وأن وزير الخارجية تحدث عن إمكان اللجوء إلى فضاءات ومبادرات أخرى، دون تسمية هذه الهيئة.

وتبقى هناك ثلاثة عناصر ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة: مدى قدرة الولايات المتحدة على المحافظة على دور الوسيط مع مراعاة مواقف الأطراف الأخرى، وإمكانية إيجاد إطار تفاوضي يشارك فيه المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، ثم طبيعة الآليات التي ستعوض الوظائف الميدانية التي كانت تضطلع بها المينورسو.

أما مجلس السلام، فسيكون من الضروري مراقبة كيفية تطور دوره المؤسسي، وحدود صلاحياته، ومدى انتقاله من معالجة ملف غزة إلى مبادرات أخرى، قبل بناء استنتاجات نهائية بشأن علاقته بنزاع الصحراء المغربية.

فالمرحلة التي بدأت بعد 31 أكتوبر لا تتعلق فقط بغياب المينورسو، بل أيضاً بما سيأتي بعدها: من سيرعى المفاوضات، وبأي مرجعية، وبأي ضمانات، وكيف ستُترجم التحولات الدبلوماسية إلى نتائج سياسية قابلة للتطبيق؟