السكن الوظيفي بقطاع الصحة.. حين تتحول ممتلكات الدولة إلى امتيازات خارج منطق الاستحقاق والقانون

0
96

في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى إعادة هيكلة المنظومة الصحية، وتعلن عن أوراش إصلاحية تستهدف تحسين جودة الخدمات وتثمين الموارد البشرية وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج، تبرز داخل القطاع ملفات إدارية واجتماعية تكشف أن معركة الإصلاح لا تتعلق فقط ببناء المستشفيات وتوفير التجهيزات وتعبئة الميزانيات، وإنما تمتد أيضاً إلى طريقة تدبير الممتلكات العمومية، ومدى احترام الإدارة للقانون في علاقتها بموظفيها.

ومن بين هذه الملفات، تضع النقابة المستقلة لقطاعات الصحة، العضو في اتحاد النقابات المستقلة بالمغرب، قضية السكن الوظيفي في صلب النقاش حول الحكامة داخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، من خلال بلاغ صادر عن مكتبها الوطني، عقب اجتماعه الذي انعقد يوم 22 أكتوبر 2026، لمناقشة ما وصفته باستمرار الاختلالات في تدبير المنظومة الصحية.

ما يلفت الانتباه في موقف النقابة أنها لا تتعامل مع السكن الوظيفي باعتباره نزاعاً إدارياً محدوداً حول عقارات تشغلها أطراف دون سند قانوني، وإنما تضعه ضمن صورة أوسع تتعلق بتوزيع الامتيازات داخل الإدارة، وحدود سلطة المسؤولين في تدبير الممتلكات العمومية، ومدى قدرة القوانين والمساطر على فرض نفسها أمام الولاءات وشبكات المصالح.

وهذه زاوية تستحق التوقف عندها، لأن السكن الوظيفي، في الأصل، وسيلة إدارية واجتماعية مرتبطة بحاجيات المرفق العام، وبطبيعة المهام التي يؤديها الموظف، وبالاستقرار الضروري لاستمرارية الخدمات. وعندما يتحول هذا الوعاء العقاري إلى مجال للاستفادة خارج شروط الاستحقاق، فإن المسألة تتجاوز العقار نفسه لتلامس مفهوم العدالة داخل المؤسسة العمومية.

النقابة تضع يدها على التناقض بين خطاب الإصلاح وممارسات الإدارة

تقدم النقابة في بلاغها مفارقة أساسية: فمن جهة، هناك خطاب رسمي يتحدث عن إصلاح المنظومة الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتثمين الموارد البشرية، وجعل العنصر البشري في قلب التحول المؤسساتي. ومن جهة أخرى، تشير النقابة إلى استمرار ممارسات تصفها بالضبابية والزبونية والمحسوبية والريع وعدم احترام القوانين في تدبير السكن الوظيفي.

قيمة هذه الملاحظة تكمن في أنها تنقل النقاش من مستوى الإعلان عن الإصلاح إلى مستوى اختبار نتائجه داخل الإدارة اليومية.

فالإصلاح لا يُقاس فقط بعدد المؤسسات التي أُحدثت، ولا بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، ولا بالنصوص التنظيمية التي جرى إصدارها. هناك امتحان آخر أكثر حساسية: هل يشعر الموظف بأن الإدارة تطبق عليه وعلى غيره القواعد نفسها؟ وهل يستطيع أن يثق في أن حقوقه المهنية والاجتماعية لا تتوقف على قربه من مسؤول أو امتلاكه شبكة علاقات داخل المؤسسة؟

تلك هي الرسالة التي توجهها النقابة إلى المسؤولين: لا يمكن الحديث عن تثمين الموارد البشرية في الوقت الذي تظل فيه بعض الحقوق والامتيازات، بحسب ما تثيره النقابة، خاضعة لمنطق غير واضح في الاستفادة والتدبير.

كما أن هذه الرسالة موجهة إلى الموظفين أنفسهم، لأنها تذكرهم بأن الدفاع عن الحقوق لا ينحصر في الأجور والترقيات والتعويضات، بل يشمل أيضاً ضمان المساواة في الولوج إلى الموارد والمرافق التي وضعتها الدولة رهن إشارة العاملين وفق ضوابط محددة.

السكن الوظيفي.. من أداة لخدمة المرفق العام إلى سؤال حول العدالة الإدارية

تثير النقابة، في معرض عرضها للملف، وجود مساكن إدارية ووظيفية تقول إن بعضها ظل مشغولاً من طرف أشخاص لا تربطهم علاقة مهنية أو إدارية قائمة بوزارة الصحة، ومن بينهم، وفق المعطيات التي تشير إليها، أشخاص لم يعودوا في وضعية نشاط وظيفي.

وهنا ينبغي التمييز بين المبدأ القانوني والوقائع التي تحتاج إلى التحقق من كل حالة على حدة. فليس كل شغل لسكن إداري احتلالاً غير مشروع، كما أن تحديد الوضعية القانونية لأي مستفيد يقتضي الرجوع إلى سند الاستفادة، والقرار الإداري، والمدة، والوضعية المهنية، والنصوص المنظمة.

لكن إذا ثبت استمرار شغل مساكن مخصصة للمرفق العام خارج الشروط القانونية، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد مطالبة بالإفراغ: كيف سمحت الإدارة باستمرار الوضع؟ ومن يتحمل مسؤولية مراقبة الاستفادة؟ ولماذا لم تُفعّل المساطر في الوقت المناسب؟

تستند النقابة في مرافعتها إلى منشوري الوزير الأول رقم 16/94 بتاريخ 21 شتنبر 1994، ورقم 35/95 بتاريخ 17 غشت 1995، المتعلقين باستمرار شغل المساكن الإدارية بعد الانقطاع عن العمل، فضلاً عن النصوص التنظيمية والقرارات القطاعية ذات الصلة.

وهذا الاستحضار مهم، لأنه يضع الملف في إطار قانوني قائم، ويعيد النقاش إلى سؤال جوهري: ما جدوى وجود النصوص والمذكرات التنظيمية إذا ظلت آليات تنفيذها ومراقبتها متفاوتة من إدارة إلى أخرى، أو من حالة إلى أخرى؟

فالقانون لا يفقد قيمته بسبب غياب النص، وإنما قد يفقد أثره عندما تتراجع الإدارة عن تطبيقه، أو عندما يصبح التنفيذ انتقائياً، أو عندما لا تجد المساطر طريقها إلى التطبيق إلا بعد سنوات من استمرار وضعية غير سليمة.

الزبونية والولاءات.. الخطر الذي يتجاوز ملف العقار

من أكثر النقاط حساسية في بلاغ النقابة حديثها عن تغليب منطق الزبونية والمحسوبية والولاءات والريع على قواعد الاستحقاق.

هذه اتهامات ومواقف نقابية ينبغي أن تخضع للتحقق والتدقيق في الوقائع والأسماء والمسؤوليات، لكنها تطرح إشكالية مؤسساتية لا يمكن تجاهلها: هل تملك الإدارة آليات فعالة تمنع تحويل الممتلكات العمومية إلى امتيازات شخصية؟ وهل توجد مراقبة داخلية قادرة على كشف الاختلالات دون انتظار تدخل القضاء؟

إن خطورة هذا النوع من الممارسات، متى ثبتت، لا تقف عند حرمان موظف من سكن يستحقه، وإنما تمتد إلى تكريس تفاوت غير مبرر بين العاملين في القطاع نفسه.

موظف يؤدي مهامه في منطقة بعيدة أو في ظروف اجتماعية صعبة، وقد يحتاج إلى السكن بالقرب من مقر عمله لضمان استمرارية الخدمة، يجد نفسه أمام موارد عقارية محدودة لا يعرف بالضرورة كيف تُوزع أو من يستفيد منها. وفي المقابل، قد تستمر استفادة حالات أخرى دون وضوح كافٍ بشأن سندها القانوني.

هنا تتولد أزمة الثقة داخل المؤسسة. فالموظف لا يقارن فقط بين أجره وأجر زميله، بل يقارن أيضاً بين طريقة تعامل الإدارة مع الحقوق والامتيازات، وبين ما تفرضه عليه من التزامات وما تسمح به لغيره.

ومن الصعب بناء إدارة صحية حديثة في مناخ يشعر فيه العاملون بأن قواعد الإنصاف لا تسري على الجميع بالدرجة نفسها.

435 حكماً بالإفراغ.. الدولة تتحرك، لكن ماذا عن الإدارة التي يفترض أن تراقب؟

يكتسب بلاغ النقابة أهمية إضافية بالنظر إلى المعطيات التي أعلنتها الوكالة القضائية للمملكة ضمن تقريرها السنوي برسم سنة 2025.

فقد كشفت المعطيات المنشورة عن استصدار 435 حكماً قضائياً بالإفراغ في مواجهة شاغلي مساكن إدارية ووظيفية دون سند قانوني، كما جرى إفراغ 198 مسكناً على الصعيد الوطني، واستصدار 33 حكماً بالتعويض عن الاحتلال غير المشروع، بقيمة إجمالية تناهز 7.35 ملايين درهم.

هذه الأرقام تعكس وجود مجهود قضائي ومؤسساتي لحماية الممتلكات العمومية واسترجاع العقارات التي ثبت شغلها خارج الإطار القانوني.

لكنها تفتح، في الوقت نفسه، باباً آخر للنقاش: لماذا تحتاج الإدارة في عدد من الحالات إلى الوصول إلى مرحلة التقاضي لاستعادة ممتلكاتها؟ وأين كانت آليات الجرد والمراقبة والتتبع الإداري قبل أن تتحول بعض الوضعيات إلى نزاعات قضائية؟

إن استصدار الأحكام خطوة مهمة، لكن القيمة الحقيقية لهذه العملية تقاس أيضاً بمدى تنفيذ الأحكام، واستعادة المساكن، وإعادة تخصيصها للمستحقين، ومنع تكرار الاختلالات.

كما أن الأرقام الوطنية لا تعني تلقائياً أن جميع الحالات تخص وزارة الصحة، ولا تسمح وحدها بتحديد حجم الاختلال داخل هذا القطاع تحديداً. وهذا يستدعي نشر معطيات قطاعية واضحة، حتى لا تختلط الحصيلة العامة للدولة بالوضعية الخاصة للوزارة.

الإصلاح الصحي يبدأ أيضاً من إصلاح الإدارة

تذهب النقابة، من خلال موقفها، إلى نقطة أبعد من ملف السكن الوظيفي، وهي ربط تدبير الممتلكات العمومية بالحكامة العامة للقطاع الصحي.

وهذا الربط له وجاهته. فالمنظومة الصحية ليست مستشفيات وأطباء وممرضين وتقنيات طبية فقط، بل هي أيضاً إدارة، وموارد بشرية، ومساطر، وآليات للمراقبة والمحاسبة، وثقافة مؤسساتية تحكم العلاقة بين المسؤول والموظف.

ومن دون إصلاح هذه العناصر، قد تتحول بعض الأوراش الكبرى إلى هياكل جديدة تعمل بالعقليات الإدارية نفسها التي أنتجت الاختلالات السابقة.

كما أن للموضوع بعداً اجتماعياً واقتصادياً واضحاً. فالاستقرار السكني للعاملين في الصحة يرتبط بالاستقرار المهني، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقصاً في الأطر الصحية أو صعوبة في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.

وفي بلد يواجه تحديات مرتبطة بتقليص الفوارق المجالية وتحسين الخدمات الاجتماعية، يصبح تدبير السكن الوظيفي جزءاً من سياسة الموارد البشرية، وليس مجرد شأن عقاري داخلي.

أما البعد الثقافي والسياسي، فيتعلق بترسيخ فكرة أن الملك العام ليس مجالاً للامتيازات الموروثة أو العلاقات الشخصية، وأن المسؤولية الإدارية تقتضي احترام القانون حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص سبق لهم أن استفادوا من وضعيات معينة لسنوات طويلة.

من التشخيص إلى الحل.. ما الذي ينبغي أن يحدث؟

تقترح النقابة مدخلاً عملياً لمعالجة الملف، يبدأ بجرد شامل ودقيق لمجموع وحدات السكن الوظيفي، وتحيين وضعية شاغليها، والتطبيق الصارم للقانون دون انتقائية أو استغلال للنفوذ.

ويمكن تطوير هذا المقترح إلى برنامج إداري واضح يتضمن إحصاءً وطنياً للمساكن التابعة للقطاع، وتحديد سند الاستفادة من كل وحدة، وربطها بالحاجيات الفعلية للمؤسسات الصحية، مع إرساء سجل محين يوضح العقارات المشغولة والشاغرة والوضعيات التي تحتاج إلى تسوية قانونية.

ومن الضروري أيضاً اعتماد معايير شفافة للاستفادة، وإعلان شروط الاستحقاق، وإحداث آلية للتظلم، مع تحديد المسؤوليات الإدارية في مراقبة تنفيذ القرارات، ونشر حصيلة دورية حول عمليات الاسترجاع وإعادة التخصيص.

والأهم أن تشمل عملية المراجعة جميع الحالات وفق القانون، دون انتقائية أو تشهير أو استهداف أشخاص بعينهم، مع ضمان حق المعنيين في توضيح وضعياتهم القانونية.

أسئلة تتجاوز السكن الوظيفي

إن الموقف الذي عبرت عنه النقابة المستقلة لقطاعات الصحة يضع الإدارة أمام مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز حدود هذا الملف:

من يراقب فعلياً كيفية توزيع المساكن الوظيفية داخل وزارة الصحة؟ وهل تتوفر الوزارة على قاعدة بيانات محينة تسمح بمعرفة وضعية كل وحدة عقارية؟

كيف يمكن ضمان استفادة الأطر الصحية المستحقة، خصوصاً العاملين في المناطق البعيدة والصعبة، من هذه المساكن وفق معايير موضوعية؟

هل توجد مسؤوليات إدارية محددة عن استمرار بعض وضعيات الشغل غير القانونية لسنوات؟ وهل تتم مساءلة المسؤولين عن ضعف المراقبة والتتبع؟

وما الضمانات التي تحول دون إعادة إنتاج الممارسات نفسها بعد استرجاع المساكن؟

ثم، وهو السؤال الأهم في سياق الإصلاح الجاري: هل تستطيع المجموعات الصحية الترابية أن تقدم نموذجاً جديداً في الحكامة وتدبير الموارد البشرية، إذا لم تُحسم أولاً قواعد الشفافية والإنصاف في تدبير الممتلكات والامتيازات داخل القطاع؟

إن إصلاح المنظومة الصحية يحتاج إلى أكثر من إعادة توزيع الاختصاصات وإحداث مؤسسات جديدة. إنه يحتاج إلى إدارة تحترم القانون، وتطبق المساطر على الجميع، وتحمي المال العام، وتمنح الموظف الإحساس بأنه جزء من مؤسسة عادلة.

وفي هذا المعنى، فإن بلاغ النقابة المستقلة لقطاعات الصحة يضع ملف السكن الوظيفي أمام الرأي العام باعتباره اختباراً عملياً لمصداقية الإصلاح. فالرهان الحقيقي ليس فقط استرجاع مساكن إدارية جرى شغلها دون سند قانوني، وإنما بناء ثقافة إدارية لا تسمح أصلاً بتحويل الممتلكات العمومية إلى مجال للامتيازات خارج قواعد الاستحقاق.

لأن الموظف الذي يلمس الإنصاف في مؤسسته يكون أكثر قدرة على الدفاع عن قيم المرفق العام وخدمة المواطن. أما حين يشعر بأن القانون يطال فئة ويتجاوز أخرى، فإن أزمة الثقة تصبح جزءاً من أزمة الإدارة نفسها.

وهذا هو جوهر الرسالة التي تضعها النقابة أمام المسؤولين والمجتمع والموظفين: لا يمكن إصلاح الصحة دون إصلاح طريقة تدبيرها، ولا يمكن الحديث عن تثمين الموارد البشرية في ظل اختلال قواعد الإنصاف، ولا معنى للقانون إذا ظل تطبيقه رهيناً بموازين النفوذ والعلاقات.