من احتجاج المراقبين إلى إغلاق مكتب التصويت
المعطيات المنشورة حول الواقعة تتجاوز ما يظهر في الفيديو المتعلق بالصندوق. فقد أفادت تقارير إعلامية بأن مكتب التصويت رقم 84 بمدرسة القدس أُغلق عقب احتجاج ممثلي عدد من الأحزاب على ما اعتبروه اختلالات في سير الاقتراع. كما تحدثت مصادر إعلامية عن توقيف شخص داخل المكتب للاشتباه في حيازته أوراق تصويت غير قانونية.
لكن هذه التفاصيل لا تأتي كلها من مصدر رسمي واحد. بلاغ الوكيل العام للملك بشأن الصندوق الزجاجي يؤكد فتح البحث، بينما نقلت تقارير صحفية مستقلة معطيات إضافية عن التوقيف والحقيبة والأوراق التي قيل إنها كانت بحوزة شخص داخل المركز. لذلك، تظل العلاقة بين الوقائع المختلفة بحاجة إلى إثبات قضائي، لا إلى جمعها تلقائياً في رواية واحدة مكتملة.
وتزداد الحاجة إلى هذا التمييز مع تداول روايات تتحدث عن أوراق انتخابية تحمل علامات لفائدة حزب معين. فقد نشرت «الصحيفة» معطيات تزعم ضبط مئات الأوراق خارج مكاتب الاقتراع، وتحدثت عن وجود علامات على رمز حزب الأصالة والمعاصرة. هذه المعطيات وردت في تقرير صحفي، ولا يكفي نشرها لإثبات صحة الأوراق أو ظروف إعدادها أو الغرض من حيازتها.
التحقيق هنا لا يبحث فقط عن تفسير صورة داخل صندوق. بل يحتاج، بحسب ما ستكشفه الإجراءات، إلى تحديد مصدر الأوراق، وطبيعتها، والجهة التي كانت بحوزتها، وكيفية دخولها إلى مركز التصويت، وما إذا كانت قد استُعملت فعلاً في عملية الاقتراع. وهذه أسئلة واقعية يمكن أن تغير فهم الحادثة من أساسه.
الصندوق والورقة والمسؤولية القانونية
في الانتخابات، لا تتساوى كل المخالفات المحتملة في طبيعتها أو آثارها. وجود أغلفة بيضاء داخل صندوق لا يثبت وحده أن التصويت جرى تزويره، كما أن العثور على أوراق خارج المسار المعتاد لا يحدد تلقائياً المسؤولية الجنائية لمن يحملها. ما يهم هو ما إذا كانت الأوراق جزءاً من العملية القانونية، أو أُعدت أو استُعملت على نحو مخالف للقانون، وما الذي تثبته الأدلة بشأن ذلك.
وقد أفادت تقارير إعلامية بفتح بحث قضائي آخر بأمر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بطنجة بشأن شخص ضُبط في ساحة مدرسة يوجد بها مكتب للتصويت، وبحوزته حقيبة تضم أوراقاً انتخابية. وأكدت المعطيات المنشورة أن الشخص أوقف لضرورة البحث، مع استمرار الأبحاث لتحديد حقيقة الوقائع.
هذا التفصيل يفرض عدم الخلط بين البحث الذي أعلنته النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بخصوص فيديو الصندوق، والبحث الذي أُعلن بشأن الشخص الموقوف والحقيبة. فقد تكون الوقائع مرتبطة، وقد تتطلب كل واحدة منها مساراً خاصاً للتحقق. ولا تتضح العلاقة القانونية بينهما إلا من خلال نتائج الأبحاث والوثائق الرسمية اللاحقة.
ماذا تعني الواقعة بالنسبة إلى العملية الانتخابية؟
الانتخابات لا تُقاس فقط بالنتيجة المعلنة في نهاية اليوم. سلامة الإجراءات داخل مكتب التصويت جزء من الثقة التي تقوم عليها العملية، ولهذا فإن اعتراض المراقبين وتوثيق ما يثير شكوكهم، ثم اللجوء إلى السلطات القضائية، كلها وقائع تستحق المتابعة وفق القنوات القانونية.
لكن الحفاظ على هذه الثقة يقتضي أيضاً عدم تحويل الاشتباه إلى حكم مسبق. فالصور المتداولة يمكن أن تفتح باب الأسئلة، وقد تكون سبباً مشروعاً للتحقيق، لكنها لا تمنح وحدها جواباً عن كل ما وقع داخل المركز.
في طنجة، أصبح البحث القضائي هو المسار الذي يفترض أن يحدد ما إذا كانت هناك مخالفة، وما طبيعتها، ومن يتحمل المسؤولية إن ثبتت. أما الحديث عن تزوير مؤكد أو عن تأثير نهائي على نتائج دائرة طنجة ـ أصيلة، فيحتاج إلى معطيات إضافية وقرارات الجهات المختصة، لا إلى استنتاجات مستعجلة من مقاطع الفيديو.
ويبقى السؤال العملي الذي ينتظر جواباً واضحاً: ما الذي حدث داخل مكتب التصويت رقم 84، وما الذي ستثبته الأبحاث بشأن الأوراق التي ظهرت في الصندوق وتلك التي قيل إنها كانت بحوزة شخص موقوف؟ حتى تظهر الإجابات الرسمية، تظل الوقائع المتداولة في طور التحقق، وتظل المسؤوليات المحتملة غير محسومة.