“الخطّابة”… كوميديا العيد التي تضحك المغرب وتكشف وجعه الصامت وراء الضحك

0
99

في مساءات العيد، حين تزدحم الشوارع المغربية بالعائلات الباحثة عن فسحة فرح وسط ضغط الحياة اليومية، تتحول القاعات السينمائية أحياناً إلى أكثر من مجرد فضاء للترفيه. تصبح ملاذاً جماعياً يهرب إليه الناس من أخبار الغلاء والاحتقان والقلق الاجتماعي، بحثاً عن ضحكة صادقة تعيد ترميم شيء مكسور في الداخل. وفي هذا السياق بالذات، يعود المخرج والممثل عبد الله فركوس بفيلمه الكوميدي الجديد الخطّابة، الذي اختار له توقيت عيد الأضحى، وكأنه يدرك أن الجمهور المغربي لم يعد يبحث فقط عن فيلم يضحكه، بل عن عمل يخفف عنه ثقل الواقع دون أن يفقده القدرة على التفكير فيه.

الفيلم، الذي سيُعرض بالقاعات السينمائية المغربية تزامناً مع العيد، ليس مجرد محاولة جديدة لتقديم الكوميديا الاجتماعية، بل يبدو امتداداً لمسار فني راكمه فركوس عبر سنوات طويلة من الاشتغال على تفاصيل المغربي البسيط، ذلك المواطن الذي يعيش تناقضات المجتمع بين الرغبة في الفرح والخوف من المستقبل، وبين التقاليد القديمة والتحولات الاجتماعية المتسارعة. ومن خلال عنوان يحمل دلالة شعبية قريبة من الوجدان المغربي، يفتح “الخطّابة” الباب أمام معالجة ساخرة لعلاقات اجتماعية وإنسانية متشابكة، ترتبط بالزواج والأسرة والصورة الاجتماعية والضغوط الاقتصادية التي أصبحت تتحكم حتى في أبسط القرارات الشخصية.

ما يمنح هذا العمل بعداً خاصاً ليس فقط طابعه الكوميدي، بل أيضاً اختياره تكريم الفنانة القديرة فضيلة بنموسى، في لحظة تبدو فيها الساحة الفنية المغربية في حاجة إلى إعادة الاعتبار لذاكرة الفنانين الذين صنعوا وجدان أجيال كاملة، قبل أن تبتلعهم سرعة الاستهلاك الإعلامي ومنطق “الترند”. فتكريم بنموسى داخل عمل جماهيري موجه للعائلات يحمل رسالة رمزية قوية: أن الفن الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد المشاهدات، بل بقدرته على البقاء في الذاكرة الجماعية للمغاربة.

ويجمع الفيلم أسماء فنية متعددة من بينها عبد الخالق فهيد وجواد السايح ومهدي تيكيتو وسهام سستا وكلثوم النازي وأمنية أبو تراب، إضافة إلى ضيوف الشرف بشرى أهريش ومهدي بلعياشي، في توليفة تعكس محاولة خلق توازن بين الأسماء الكوميدية المخضرمة والوجوه التي أصبحت تحجز لنفسها مكاناً داخل المشهد الفني المغربي الجديد.

لكن خلف الضحك والفرجة، يطرح الفيلم سؤالاً أعمق يتعلق بموقع السينما المغربية اليوم داخل مجتمع يعيش تحولات حادة. فالكوميديا لم تعد مجرد وسيلة للتسلية، بل أصبحت شكلاً من أشكال المقاومة النفسية والاجتماعية. في زمن تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع فيه المساحات المشتركة للحياة الثقافية، تتحول الأفلام الكوميدية الناجحة إلى مؤشر اجتماعي يكشف حاجة الناس إلى متنفس جماعي يعيد إنتاج الأمل ولو لساعتين داخل قاعة مظلمة.

كما أن نجاح أعمال من هذا النوع يعيد النقاش حول مستقبل الصناعة السينمائية الوطنية، وقدرتها على خلق توازن بين الجودة الفنية ومتطلبات السوق. فالجمهور المغربي، الذي أصبح محاصراً بمنصات رقمية عالمية ومحتويات أجنبية سريعة الاستهلاك، لم يعد يمنح ثقته بسهولة. لذلك فإن أي فيلم مغربي ينجح في جذب العائلات إلى القاعات السينمائية خلال مناسبة كبرى مثل عيد الأضحى، لا يحقق فقط نجاحاً فنياً أو تجارياً، بل يثبت أن السينما الوطنية ما تزال قادرة على منافسة العزلة الرقمية واستعادة فكرة “المشاهدة الجماعية” التي كانت جزءاً من الثقافة المغربية لعقود.

وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لفيلم “الخطّابة”. ليس فقط لأنه فيلم كوميدي جديد لعبد الله فركوس، بل لأنه يأتي في لحظة يشعر فيها كثير من المغاربة بأن الحياة أصبحت أكثر قسوة من أن تُعاش بلا ضحك. والسؤال الذي يتركه هذا العمل معلقاً بعد انتهاء العيد ليس إن كان سيحقق نسب مشاهدة مرتفعة، بل ما إذا كانت السينما المغربية قادرة فعلاً على أن تصبح مرة أخرى مرآة حقيقية للمجتمع، تضحكه حيناً، وتجعله يرى نفسه بوضوح حيناً آخر.