بوريطة في الأمم المتحدة: الصحراء تدخل مرحلة جديدة… والمغرب يضع غزة في صلب اختباره الدبلوماسي

0
78

لم يأتِ حديث ناصر بوريطة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن الصحراء المغربية باعتباره تكراراً للموقف المغربي المعتاد. الوزير اختار أن يضع فاصلاً زمنياً واضحاً: 31 أكتوبر 2025، تاريخ اعتماد مجلس الأمن القرار 2797.

منذ ذلك التاريخ، يقول بوريطة، دخل النزاع الإقليمي مرحلة جديدة، عنوانها القطيعة مع المقاربات السابقة والتوجه نحو تسوية نهائية.

القرار نفسه، الذي اعتمده مجلس الأمن بأغلبية 11 صوتاً مقابل عدم وجود أصوات ضده وثلاثة امتناعات، مدد ولاية بعثة المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، ودعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي من أجل دفع المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي. كما دعا الأطراف إلى الدخول في مناقشات دون شروط مسبقة، بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.

بوريطة يقرأ هذه الصياغة ضمن مسار أوسع. بالنسبة إلى الرباط، لم يعد النقاش يدور حول إعادة إنتاج المفاوضات القديمة بالآليات نفسها، وإنما حول كيفية تحويل الدينامية التي أطلقها القرار إلى تسوية نهائية.

وهذه هي النقطة التي أعطاها الوزير وزناً واضحاً في خطابه: المغرب لا يتحدث عن مجرد استمرار لمسار الأمم المتحدة، بل عن مرحلة يعتبر أنها مختلفة عن سابقاتها.

في صياغة بوريطة، أصبحت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الأساس الذي ينبغي أن تتحرك فوقه المفاوضات. أما القرار الأممي، فيتحدث عن التفاوض على أساس المقترح المغربي، مع تأكيده في الوقت نفسه على حل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه، وعلى مبدأ تقرير المصير. لذلك فإن الفارق بين النص الأممي والقراءة السياسية المغربية يظل مهماً عند قراءة المرحلة الجديدة بدقة.

لكن بوريطة لم يقف طويلاً عند الصحراء.

الخطاب انتقل إلى ملف آخر أكثر التصاقاً بالتوتر الدولي الراهن: الجماعات المسلحة غير الحكومية. تحدث الوزير عن تمدد نفوذ هذه الجماعات، وعن سيطرتها أو تنازعها على مناطق وممرات ومواقع استراتيجية، وما يرتبط بذلك من تهديد للملاحة والمنشآت والأمن الإقليمي.

ووضع المسألة في إطار أوسع من مكافحة تنظيم مسلح بعينه. فالمغرب يدعو، بحسب ما عرضه الوزير، إلى التعامل مع الجهات التي توفر التمويل أو السلاح أو الدعم لهذه الجماعات، وليس فقط مع الجماعات نفسها.

ثم جاءت المناخات والأمن المائي.

بالنسبة للمغرب، لم تعد قضية الماء ملفاً تقنياً منفصلاً عن الاستقرار. بوريطة ذكّر بأن المملكة من البلدان المعرضة بشدة لآثار التغير المناخي، رغم محدودية مساهمتها في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وأشار إلى سياسات السدود، والربط بين الأحواض، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.

اللافت أن هذه الملفات ظهرت في الخطاب نفسه إلى جانب الأمن والنزاعات الإقليمية. وهو ترتيب يعكس اتساع مفهوم الأمن الذي تتعامل معه الدبلوماسية المغربية: النزاعات المسلحة من جهة، والماء والمناخ والتنمية من جهة أخرى، كلها أصبحت متداخلة في حسابات الاستقرار.

وفي الشرق الأوسط، حافظ بوريطة على خط سياسي معروف للمغرب، لكنه أضاف إليه هذه المرة عنصراً عملياً.

لا سلام دائماً، وفق الموقف الذي عرضه، من دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب إسرائيل تعيش معها في أمن وسلام.

لكن المغرب لم يكتفِ بإعادة صياغة هذا الموقف.

في يوليوز الماضي، وقع المغرب اتفاقاً يحدد مشاركته في قوة الاستقرار الدولية في غزة. الاتفاق أُبرم في الرباط بحضور بوريطة ومسؤولين دفاعيين مغاربة والمبعوث الأمريكي إلى غزة نيكولاي ملادينوف، وجرى تقديمه باعتباره إطاراً للمشاركة المغربية في القوة متعددة الجنسيات.

وفي نيويورك، أعاد بوريطة تقديم تفاصيل هذه المشاركة: تدريب الشرطة الفلسطينية، نشر ضباط عسكريين رفيعي المستوى ضمن البنية الأمنية، إقامة مستشفى ميداني، والاستعداد للمساهمة في برامج لمكافحة التطرف.

هذه التفاصيل تجعل موقف المغرب من غزة أكثر تحديداً من مجرد إعلان سياسي عن حل الدولتين. هناك الآن التزام معلن بالمشاركة في ترتيبات أمنية وإنسانية على الأرض، وإن كانت طبيعة وحجم الانتشار الفعلي تبقى مرتبطة بآليات القوة الدولية وتطور الوضع في غزة. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن مساهمة المغرب ستشمل ضباطاً رفيعي المستوى في القيادة المشتركة، بينما ظلت تفاصيل العدد النهائي للقوات محدودة.

في الضفة الغربية، كان خطاب الوزير أكثر مباشرة.

تحدث عن القوانين والإجراءات التي اعتبر أنها تفتح المجال أمام الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان، وعن عنف المستوطنين، كما انتقد الإجراءات الإسرائيلية الأحادية وما وصفه بالانتهاكات المتكررة لحرمة المسجد الأقصى.

القدس حضرت في الخطاب أيضاً من بوابة مختلفة: الملك محمد السادس، بصفته رئيساً للجنة القدس، يواصل ـ بحسب بوريطة ـ العمل على الحفاظ على الهوية التاريخية والثقافية والروحية للمدينة، وعلى وضعها القانوني، إلى جانب المشاريع المرتبطة بالظروف المعيشية لسكانها.

بين الصحراء وغزة، لم يقدم الوزير ملفين منفصلين تماماً.

في الحالة الأولى، يركز المغرب على الانتقال من مسار تفاوضي طويل إلى ما يعتبره مرحلة سياسية جديدة بعد القرار 2797. وفي الثانية، ينتقل من إعلان الموقف إلى المشاركة في ترتيبات دولية يفترض أن تترجم الأمن والإنسانية إلى إجراءات عملية.

أما الملفات الأخرى التي مر بها الخطاب ـ الجماعات المسلحة، أمن الملاحة، المناخ، الماء ـ فتظهر في صورة أوسع: المغرب يقدم نفسه أمام الجمعية العامة باعتباره معنياً بتسويات النزاعات، لكنه يضع الأمن والتنمية والمخاطر العابرة للحدود داخل الحزمة نفسها.

ويبقى القرار 2797 هو النقطة التي يعود إليها خطاب الصحراء مرة بعد أخرى. نص القرار لم يقل إن التسوية أصبحت منجزة، ولم يعلن انتهاء النزاع؛ بل مدد ولاية المينورسو ودفع باتجاه مفاوضات سياسية على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي. أما ما إذا كانت هذه الدينامية ستتحول إلى تسوية نهائية، فذلك يظل مرتبطاً بمسار المفاوضات وبمواقف الأطراف وبقدرة المبعوث الشخصي للأمين العام على دفعها إلى الأمام.

بوريطة اختار أن يتحدث عن «مسار لا رجعة فيه». الوقائع المتاحة اليوم تثبت وجود تحول في الصياغة الأممية وفي موقع مقترح الحكم الذاتي داخل مسار التفاوض، لكنها لا تعني أن النزاع انتهى أو أن التسوية النهائية أصبحت أمراً منجزاً.

وهذا بالضبط ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن الخطاب وحده: الاختبار سيكون في ما ستنتجه المفاوضات من نتائج، وفي كيفية انتقال الترتيبات الدولية في غزة من الاتفاقات المعلنة إلى العمل على الأرض، وفي قدرة الدبلوماسية المغربية على الحفاظ على مواقفها في ملفات تتحرك جميعها في وقت واحد.