في لحظة سياسية تبدو عادية في ظاهرها، اختار النائب البرلماني محمد أوزين أن يفتح جبهة غير تقليدية داخل قبة البرلمان، موجهاً سؤاله الكتابي إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل حول ما اعتبره “انحداراً مقلقاً” في المشهد الإعلامي المغربي. لكن خلف اللغة الحادة التي استعملها، يختبئ نقاش أعمق يتجاوز مجرد نقد برامج أو محتويات بعينها، ليصل إلى مساءلة نموذج إعلامي بأكمله، وتفكيك علاقته بالقيم، وبالسوق، وبالسلطة الرمزية التي يفترض أن يمارسها داخل المجتمع.
البلاغ، في بنيته وخطابه، لا يقف عند حدود التوصيف الأخلاقي، بل يعيد طرح سؤال الوظيفة: هل ما يزال الإعلام العمومي يؤدي دور “المرفق التربوي” أم أنه انزلق تدريجياً نحو منطق السوق حيث تصبح نسب المشاهدة هي الحكم الوحيد؟ حين يتحدث أوزين عن “سوق للمزايدات” و”حلبة للابتزاز”، فهو لا يهاجم فقط بعض الممارسات الهامشية، بل يلمّح إلى تحوّل بنيوي في طريقة إنتاج الخبر والمحتوى، حيث تحل الإثارة محل المعنى، ويُستبدل التحقيق بالتشهير، وتُختزل القضايا الاجتماعية في مشاهد صادمة قابلة للتداول السريع.
في قلب هذا التحول، يبرز ما يسميه النائب بـ”تطبيع الرداءة”، وهو توصيف يفتح الباب أمام قراءة سوسيولوجية أوسع: فالمشكلة لم تعد في وجود محتوى متدنٍ، بل في اعتياد الجمهور عليه، بل وربما طلبه. هذا التطبيع لا يحدث في فراغ، بل يتغذى من تزاوج غير معلن بين اقتصاد “البوز” الرقمي ومنطق المنافسة داخل الإعلام التقليدي، حيث تجد القنوات العمومية نفسها، paradoxically، في سباق مع منصات لا تخضع لنفس القيود المهنية ولا لنفس المسؤوليات الأخلاقية.
الإشارة إلى برامج ذات طابع عائلي، مثل لالة العروسة، لم تكن اعتباطية. فهذه البرامج، التي يُفترض أن تخاطب الأسرة وتعيد إنتاج القيم الاجتماعية، تتحول – وفق البلاغ – إلى فضاءات لتمرير أنماط من العنف الرمزي واللفظي، ما يجعلها تعكس مفارقة حادة: الوسيط الذي يُفترض أن يحمي التماسك الاجتماعي قد يصبح، في لحظة ما، مساهماً في تآكله.
غير أن أخطر ما يطرحه السؤال البرلماني ليس فقط نقد المحتوى، بل مساءلة آليات الضبط نفسها. فحين يتحدث أوزين عن “تسرب المنطق التجاري إلى صلب الإعلام العمومي”، فهو يضع هيئات التقنين أمام اختبار صعب: هل ما تزال قادرة على الفصل بين حرية التعبير والانفلات، بين التنافس المشروع والانحدار القيمي؟ أم أن التحولات الرقمية المتسارعة جعلت أدوات الرقابة التقليدية متجاوزة، بل وربما عاجزة؟
من زاوية أخرى، يكشف البلاغ عن توتر عميق بين نموذجين: نموذج الخدمة العمومية الذي يقوم على التثقيف والتأطير، ونموذج السوق الذي يقوم على الجذب والإثارة. هذا التوتر ليس مغربياً خالصاً، بل هو جزء من تحولات عالمية في صناعة الإعلام، حيث أصبحت الحدود بين الصحافة والترفيه، بين الخبر والفرجة، أكثر هشاشة من أي وقت مضى. لكن خصوصية الحالة المغربية، كما يوحي بها البلاغ، تكمن في كون الإعلام العمومي ممولاً من المال العام، ما يضفي على هذا النقاش بعداً أخلاقياً مضاعفاً: من يحدد ما يستحق أن يُبث باسم المواطن؟
في العمق، يمكن قراءة هذا السؤال البرلماني كإشارة إلى قلق جماعي يتشكل بصمت داخل المجتمع: قلق من إعادة تشكيل الذوق العام، ومن إعادة تعريف ما هو “مقبول” و”مرفوض”، خاصة لدى فئات شابة تتلقى جزءاً كبيراً من تمثلاتها عن العالم عبر الشاشة. فحين تصبح التفاهة مألوفة، لا يعود الخطر في محتوى بعينه، بل في المعايير التي يعاد بناؤها تدريجياً دون نقاش عمومي كافٍ.
هكذا يتحول بلاغ برلماني، في ظاهره تقني وإجرائي، إلى مدخل لنقاش أوسع حول مستقبل الإعلام في المغرب: هل نحن أمام مرحلة انتقالية تفرض إعادة تعريف القواعد، أم أمام انزلاق قد يصبح دائماً إذا لم تُطرح الأسئلة الصعبة الآن؟ وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي – كما يلمّح النص – هو استعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية، بين الجاذبية والقيمة، وبين حق الجمهور في الفرجة وحقه، قبل ذلك، في إعلام يحترم ذكاءه.