من حكومة الباطرونا إلى حكومة السياسة.. إدريس قصوري يطرح السؤال الذي يتجاوز تغيير الوجوه

0
75

الأصالة والمعاصرة واليسار أمام امتحان «تغيير المسار»: هل تستعيد السياسة دورها في توجيه الاقتصاد، أم تتغير التحالفات وتبقى الاختيارات الكبرى على حالها؟

قراءة تحليلية في أطروحة الأستاذ الجامعي الدكتور إدريس قصوري

يضع الأستاذ الجامعي الدكتور إدريس قصوري تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري في سياق سياسي يتجاوز المفاوضات حول توزيع الحقائب الوزارية، ليعيد طرح سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السلطة الحكومية، والعلاقة بين القرار السياسي والمصالح الاقتصادية، وحدود قدرة الأحزاب على استعادة ثقة المجتمع. وفي قراءته، يحمل شعار «تغيير المسار»، الذي رفعه حزب الأصالة والمعاصرة خلال الانتخابات التشريعية، دلالة تتصل بالانتقال من نموذج ارتبط برجال الأعمال والتقنوقراط والتدبير الاقتصادي إلى نموذج يمنح السياسة والأحزاب والتوافقات دوراً أكبر في قيادة المرحلة.

هذه هي الفكرة المركزية التي ينطلق منها قصوري، وهي أيضاً المدخل إلى فهم رهانات الحكومة الجديدة. فالمسألة، وفق أطروحته، لا تتعلق بمجرد انتقال المسؤولية الحكومية من حزب إلى آخر، وإنما بإمكان مراجعة المنطق الذي حكم تدبير المرحلة السابقة، وما إذا كانت الدولة تتجه نحو إعادة الاعتبار للوساطة السياسية بعد سنوات تصاعدت خلالها الانتقادات المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم وتضارب المصالح.

ومن هنا، يكتسب السؤال الذي يطرحه قصوري أهميته: هل تنتصر السياسة على الاقتصاد؟ لكن الجواب الذي توحي به أطروحته يحتاج إلى تدقيق؛ فالاقتصاد لا يمكن فصله عن السياسة، كما أن وجود رجال الأعمال في الحكومة لا يكفي وحده لتفسير اختلالاتها. الاختبار الحقيقي هو طبيعة القرار العمومي، ومدى خضوعه للمصلحة العامة، وقدرة المؤسسات على ضبط تضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة.

من ذاكرة التناوب إلى مشروع الأصالة والمعاصرة

يعود الدكتور إدريس قصوري، في استعادته للتاريخ السياسي المغربي، إلى النقاشات التي سبقت حكومة التناوب، وإلى المحطات التي رافقت انتقال البلاد نحو انفتاح سياسي أوسع خلال تسعينيات القرن الماضي. ويستحضر في هذا السياق فكرة تشكيل حكومة ذات امتداد سياسي مختلف، وما ارتبط بها من نقاشات حول مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأطراف من اليسار، والإصلاحات السياسية والحقوقية التي مهدت لمرحلة التناوب.

ويقرأ قصوري مشروع تجميع اليسار، كما يعرضه في مقاله، باعتباره أحد الجذور الفكرية والسياسية التي سبقت تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة. وينسب إلى المستشار الملكي فؤاد علي الهمة دوراً محورياً في التفكير في صيغة تنظيمية قادرة على إعادة ترتيب المجال السياسي، ومواجهة صعود حزب العدالة والتنمية والحركة الإسلامية، في سياق كانت الجامعة والفضاءات الحزبية والاجتماعية تشهد فيه تحولات وتوترات متباينة.

ويستند قصوري، في جزء من روايته عن تلك المرحلة، إلى ما ينقله عن الراحل عبد المومن أشباري بشأن دائرة محدودة من السياسيين والحقوقيين الذين تداولوا الفكرة، ويذكر من بينهم فؤاد علي الهمة والحبيب المالكي وأحمد الحليمي وإلياس العماري وأحمد حرزني. وهذه التفاصيل، بما تتضمنه من روايات عن المشاورات والأدوار الفردية، تظل بحاجة إلى مقابلاتها بالمصادر التاريخية والشهادات المباشرة قبل التعامل معها بوصفها وقائع محسومة.

غير أن الدلالة السياسية التي يستخلصها قصوري من هذه العودة التاريخية واضحة: فكرة إعادة تشكيل المجال الحزبي سبقت ظهور الأصالة والمعاصرة سنة 2008، وكانت مرتبطة بالبحث عن صيغة تنظيمية تتجاوز الحدود التقليدية بين التيارات الاجتماعية والسياسية.

فالحزب، في هذه القراءة، لم يُبنَ على مرجعية يسارية صافية، ولم يتأسس على قاعدة عمالية أو فلاحية أو طلابية بالمعنى التقليدي للتنظيمات اليسارية، وإنما قدم نفسه بوصفه إطاراً قادراً على استقطاب فئات اجتماعية متعددة تحت سقف الديمقراطية الاجتماعية والتحديث.

وهنا تبرز إحدى المفارقات التي تستحق التأمل: هل تستطيع الديمقراطية الاجتماعية أن تصبح مشروعاً مجتمعياً متماسكاً عندما تجمع مصالح وفئات مختلفة من دون أن تحدد بوضوح كيف ستوازن بين المتعارض منها؟ فالجمع بين الفقير والغني، والعامل وصاحب المقاولة، لا يتحقق بالشعارات التنظيمية وحدها، وإنما بقرارات ملموسة تتعلق بالأجور والضرائب والحماية الاجتماعية والاستثمار وتوزيع ثمار النمو.

إن قوة المشروع السياسي لا تُقاس بعدد التيارات التي يستوعبها، بل بقدرته على تحويل اختلاف مصالحها إلى برنامج قابل للتنفيذ، مع تحديد من يتحمل كلفة الإصلاح ومن يستفيد من نتائجه.

الأصالة والمعاصرة بين موازنة العدالة والتنمية واختبار السلطة

وفق التسلسل الذي يقدمه قصوري، جاء تأسيس الأصالة والمعاصرة في سياق سياسي اتسم بضعف المشاركة في انتخابات 2007، وبالحاجة إلى إعادة ترتيب موازين القوى الحزبية. ثم واجه الحزب تداعيات الربيع العربي، وما فرضه من تغير في الخطاب السياسي وانتظارات المجتمع، قبل أن تتواصل المنافسة بينه وبين العدالة والتنمية خلال محطات انتخابية لاحقة.

ويضع قصوري هذا المسار في إطار البحث عن قوة سياسية قادرة على موازنة صعود الإسلاميين، مع الإشارة إلى أن الحزب لم يتمكن من تحويل مشروعه التنظيمي إلى مسار متصل بالنتائج التي كان يطمح إليها خلال تلك المرحلة.

لكن أهمية هذه القراءة لا تكمن في إعادة سرد التنافس بين الحزبين فقط، وإنما في السؤال الذي تثيره حول طبيعة التوازن السياسي في المغرب: هل يكفي إنشاء حزب قوي تنظيمياً وانتخابياً لإعادة بناء الثقة في السياسة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى منافسة على أساس البرامج والإنجازات، تسمح للمواطنين بالتمييز بين البدائل ومحاسبة أصحاب المسؤولية؟

فالتوازن الحزبي قد يمنع انفراد طرف واحد بالمجال السياسي، لكنه لا يضمن تلقائياً جودة السياسات العمومية. وقد تتعدد الأحزاب وتتنوع مرجعياتها، بينما تظل المسافة واسعة بين الخطاب الانتخابي وما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وهذا هو أحد المداخل الأساسية لفهم أطروحة قصوري: فالمشكلة التي يطرحها ليست في وجود حزب بعينه في الحكومة، وإنما في قدرة النظام الحزبي برمته على أداء وظيفة الوساطة بين الدولة والمجتمع، وترجمة المطالب الاجتماعية إلى قرارات عمومية قابلة للقياس.

تجربة أخنوش.. حين يصبح الاقتصاد موضوعاً سياسياً

يخصص قصوري جزءاً أساسياً من قراءته للمرحلة الحكومية التي قادها عزيز أخنوش منذ سنة 2021، ويعتبر أن الرهان على منطق رجال الأعمال والتدبير الاقتصادي، كما تجسد في تلك التجربة وفق تقديره، لم يحقق المصالحة المطلوبة بين الحكومة والمجتمع. ويربط ذلك بتراكم الانتقادات المرتبطة بالغلاء والبطالة وتراجع جودة الخدمات العمومية، وبالجدل الذي رافق تضارب المصالح وأساليب تدبير بعض الملفات الاقتصادية.

وفي منطقه التحليلي، تحولت الآمال التي عُلقت على الكفاءة الاقتصادية والتدبير المقاولاتي إلى عبء سياسي عندما لم يشعر قطاعات من المواطنين بأن نتائج السياسات الحكومية انعكست بما يكفي على قدرتهم الشرائية وفرصهم في العمل وجودة الخدمات التي يتلقونها.

ويستحضر قصوري في هذا السياق مطالب الشباب، والاحتجاجات المرتبطة بفرص الشغل والتعليم والصحة، كما يربطها بتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات التمثيلية. وهي مؤشرات تستحق أن تُقرأ ضمن سياق اجتماعي أوسع، مع ضرورة التمييز بين الوقائع القابلة للقياس، والتقييم السياسي الذي يقدمه الكاتب، والاستنتاج المتعلق بمسؤولية الحكومة عن كل اختلال على حدة.

فالبطالة لا تنتج عن قرار حكومي منفرد، والاختلالات التعليمية والصحية تراكمت عبر سنوات، كما أن الغلاء يتأثر بعوامل داخلية وخارجية. لكن تعدد الأسباب لا يعفي الحكومة من مسؤولية تفسير قراراتها، وقياس آثارها، وتوضيح ما أنجزته وما أخفقت فيه.

ومن هنا، تتضح الرسالة التي يمكن استخلاصها من قراءة قصوري إلى المسؤولين: لا يمكن للكفاءة الاقتصادية، مهما كانت أهميتها، أن تعوض ضعف الثقة السياسية. فالسياسة الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المؤشرات الإجمالية للنمو، وإنما أيضاً بتوزيع منافع النمو، وقدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات، ومدى شعورهم بأن قواعد المنافسة الاقتصادية عادلة.

وهنا ينبغي أن تتجه الأسئلة إلى صلب السياسات العمومية: هل ستراجع الحكومة الجديدة آليات الدعم والمراقبة التي تثير الشكوك حول تضارب المصالح؟ كيف ستتعامل مع أسعار المحروقات وتكاليف المعيشة؟ ما المعايير التي ستعتمدها لقياس أثر الإنفاق العمومي على الصحة والتعليم والتشغيل؟ وكيف ستثبت أن التغيير السياسي قادر على إنتاج نتائج اجتماعية مختلفة؟

إن الانتقال من منطق الاقتصاد إلى منطق السياسة، إذا أخذناه بالمعنى الذي يقترحه قصوري، لا ينبغي أن يعني إقصاء الخبرة الاقتصادية أو استبدالها بالخطاب الحزبي. المطلوب هو إخضاع الخبرة الاقتصادية لاختيارات سياسية واضحة، تُعلن أهدافها الاجتماعية، وتحدد أولوياتها، وتقبل المحاسبة على نتائجها.

الحكومة الجديدة.. امتحان يتجاوز توزيع الحقائب

يشكل وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة، بعد تعيينها في 29 شتنبر 2026، محطة سياسية جديدة في هذا المسار. وقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر، ليجد نفسه أمام مسؤولية ترجمة شعار «تغيير المسار» إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ. وتؤكد المعطيات المنشورة بشأن تشكيل الحكومة أن المنصوري كُلّفت بتكوين الفريق الحكومي وفق الفصل 47 من الدستور.

في قراءة قصوري، يمكن فهم هذا التطور بوصفه عودة إلى فكرة تجميع قوى من اليسار والكتلة التاريخية حول مشروع سياسي يقود المرحلة المقبلة. لكنه يطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً ضمنياً حول طبيعة هذه العودة: هل يتعلق الأمر بإحياء الفكرة القديمة في ظروف اجتماعية جديدة، أم أن ما تغير هو موقع الحزب داخل السلطة أكثر مما تغيرت فلسفته في تدبير الاقتصاد والمجتمع؟

فالأصالة والمعاصرة، الذي نشأ في سياق سياسي مختلف، يجد نفسه اليوم أمام تحديات لم تكن مطروحة بالصورة نفسها عند تأسيسه. فقد أصبحت الدولة الاجتماعية عنواناً مركزياً في النقاش العمومي، وارتفعت انتظارات المواطنين بشأن الحماية الاجتماعية وجودة الخدمات، فيما باتت قضايا الشباب والتشغيل والعدالة المجالية والقدرة الشرائية عوامل حاسمة في تقييم العمل الحكومي.

ولهذا، فإن مجرد إشراك أحزاب من اليسار أو الاستقلال والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي في الأغلبية، إذا تم الاتفاق على ذلك، لا يكفي لإثبات حدوث تحول سياسي عميق. فالمعيار هو ما إذا كانت هذه الأحزاب ستتمكن من التأثير في السياسات الحكومية، أم ستكتفي بالمشاركة في تدبيرها وتوزيع مسؤولياتها.

وهنا تتجه الرسالة إلى الحكومة الجديدة: لا تجعلوا «تغيير المسار» مجرد شعار انتخابي ينتهي عند إعلان التشكيلة الوزارية. المطلوب أن يظهر التغيير في الموازنة العامة، وفي أولويات الاستثمار، وفي طريقة تدبير القطاعات الاجتماعية، وفي قواعد النزاهة والشفافية، وفي قدرة المؤسسات على تقديم إجابات واضحة للمواطنين.

كما أن الحكومة مطالبة بتوضيح العلاقة بين برنامجها الانتخابي والالتزامات المالية التي يتطلبها. فكل وعد اجتماعي يحتاج إلى تمويل، وكل مشروع اقتصادي يحتاج إلى تقدير كلفته وآثاره، وكل سياسة جديدة ينبغي أن تحدد المستفيدين منها، وآليات تنفيذها، ومؤشرات تقييمها. ومن دون هذه العناصر، قد يتحول التغيير المعلن إلى سلسلة من الوعود التي يصعب قياسها أو مساءلة أصحابها بشأنها.

رسالة إلى المجتمع.. استعادة الثقة لا تتم بالخطب

يمنح تحليل قصوري المجتمع موقعاً أساسياً في فهم التحولات السياسية، لأن تراجع الثقة لا يرتبط فقط بمواقف المواطنين من حزب أو رئيس حكومة، وإنما بمدى اقتناعهم بأن السياسة قادرة على تحسين شروط حياتهم والتأثير في مستقبلهم.

فحين يواجه الشباب صعوبات في الحصول على عمل مستقر، وحين تتفاوت فرص الوصول إلى التعليم والصحة بين المجالات والفئات، تصبح المسألة أكبر من خلاف انتخابي بين أحزاب. إنها تتعلق بجدوى الوساطة السياسية نفسها، وبقدرة المؤسسات على تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات ملموسة.

وتكشف هذه الزاوية عن تحدٍّ ثقافي أيضاً. فالمطلوب ليس فقط تغيير طريقة تدبير القطاعات الحكومية، بل بناء ثقافة سياسية تقوم على الحق في المعلومة، والنقاش العمومي، والقدرة على مساءلة المسؤولين، واحترام الاختلاف، والتمييز بين النقد السياسي والتشهير، وبين الوعود والنتائج.

ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع ليس مجرد متلقٍ لبرنامج الحكومة الجديدة، ولا ينبغي اختزال دوره في الانتظار حتى تظهر النتائج. فالمواطنة الفاعلة تقتضي متابعة الالتزامات، ومقارنة الوعود بما تحقق، والمطالبة بالشفافية، مع الاحتفاظ بالمسافة النقدية نفسها من الحكومة والمعارضة.

والسؤال الذي تفتحه أطروحة قصوري هنا هو: هل ستنجح المرحلة الجديدة في تحويل الاحتجاج الاجتماعي من علامة على فقدان الثقة إلى قوة تدفع المؤسسات نحو الإصلاح؟ أم أن استمرار الفجوة بين الخطاب والنتائج سيجعل كل تغيير في الأغلبية مجرد محطة إضافية في مسار التآكل السياسي؟

رسالة إلى المعارضة.. البديل يبدأ من القدرة على الإقناع

تطرح قراءة قصوري، بصورة غير مباشرة، تحدياً على المعارضة أيضاً. فإذا كانت الحكومة الجديدة مطالبة بإثبات أن تغيير المسار ممكن، فإن الأحزاب التي ستختار المعارضة مطالبة بتقديم بدائل واضحة، لا بالاكتفاء بتسجيل الإخفاقات أو انتظار تعثر الأغلبية.

فالمعارضة الفاعلة لا تُقاس بحدة خطابها وحدها، وإنما بقدرتها على اقتراح حلول قابلة للتطبيق، وتقديم قراءات بديلة للميزانية والسياسات الاجتماعية، ومراقبة تنفيذ البرامج، وشرح الفروق بين اختياراتها واختيارات الحكومة.

وفي السياق نفسه، فإن أحزاب اليسار مطالبة بتوضيح ما إذا كانت مشاركتها المحتملة في الحكومة ستمنحها قدرة فعلية على التأثير في القرارات الاقتصادية والاجتماعية، أم ستضعها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على مرجعيتها السياسية والتكيف مع مقتضيات التحالف الحكومي.

وهذا السؤال مهم لأن التاريخ السياسي المغربي عرف تجارب متعددة للمشاركة في الحكومة، كما عرف حالات تراجعت فيها المسافة بين الخطاب المعارض والممارسة الحكومية. لذلك، فإن استعادة اليسار لدوره لا تتحقق بمجرد عودته إلى مواقع المسؤولية، بل بقدرته على الدفاع عن اختيارات اجتماعية واضحة، وتفسير التسويات التي يقبل بها، ومحاسبة نفسه قبل مطالبة الآخرين بالمحاسبة.

أما الحكومة، فستكون مطالبة بإثبات أن الاختلاف الحزبي داخل الأغلبية ليس مجرد توزيع للمناصب، بل مصدر للنقاش والتصحيح وتحسين القرار العمومي.

هل يكفي تغيير التحالفات لتغيير الاختيارات الاستراتيجية؟

يصل الدكتور إدريس قصوري إلى خلاصة مركزية مفادها أن تغيير المسار لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الأشخاص والأحزاب، وإنما يحتاج إلى مراجعة الاختيارات الاستراتيجية. وهذه الخلاصة هي الأكثر أهمية في مقاله، لأنها تنقل النقاش من هندسة الأغلبية إلى طبيعة المشروع الذي يفترض أن تقوده.

فالتغيير السياسي الحقيقي لا يتحدد فقط بمن يشغل رئاسة الحكومة أو بعدد الأحزاب المشاركة فيها، بل بمدى قدرة المؤسسات على تحديد أولويات واضحة للتنمية، وربط الإنفاق العمومي بالنتائج الاجتماعية، وتطوير فرص العمل المنتج، وتحسين المدرسة والمستشفى، وضمان تكافؤ الفرص، وإرساء قواعد أكثر وضوحاً في العلاقة بين السلطة الاقتصادية والقرار السياسي.

وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين مستويين: الأول يتعلق بالاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة، التي تتجاوز الولاية الحكومية الواحدة، والثاني يتعلق بالسياسات التي تملك الحكومة صلاحية تعديلها أو تطويرها ضمن الدستور والقانون والموارد المتاحة. فليس كل تعثر نتيجة اختيار استراتيجي، كما أن الحكومة لا تستطيع أن تنسب إلى نفسها كل تحول إيجابي من دون تقييم أثر قراراتها الفعلية.

ومن ثم، فإن الرهان لا يتمثل في استبدال الاقتصاد بالسياسة، وإنما في إعادة وصل الاقتصاد بالغاية الاجتماعية والسياسية التي يفترض أن يخدمها. فالاستثمار ضروري، والمقاولة عنصر أساسي في خلق فرص الشغل، والخبرة التقنية مطلوبة في تدبير القطاعات؛ لكن هذه العناصر تفقد جزءاً من مشروعيتها الاجتماعية حين لا تقترن بالشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص.

وهنا يصبح السؤال الذي يطرحه قصوري أكثر تحديداً: هل تستطيع الحكومة الجديدة تحويل «تغيير المسار» من وعد انتخابي إلى تغيير قابل للقياس في طريقة توزيع الفرص والثروة والخدمات؟ وهل ستتمكن أحزاب الأغلبية من الاتفاق على برنامج اجتماعي واقتصادي واضح، مع الاحتفاظ بقدرتها على الاختلاف والنقاش؟ وهل ستقدم المعارضة بديلاً يمكن للمواطنين تقييمه ومقارنته بما تنفذه الحكومة؟

هذه الأسئلة لا تملك أجوبة مسبقة، ولا يمكن حسمها بمجرد قراءة التحالفات أو استعادة تاريخ تأسيس الأحزاب. فالاختبار يبدأ مع البرنامج الحكومي، ثم مع الميزانية، وبعدهما مع النتائج التي ستظهر في حياة المواطنين.

الخلاصة: السياسة تُستعاد حين تصبح قابلة للمحاسبة

تكمن قيمة أطروحة الأستاذ الجامعي الدكتور إدريس قصوري في أنها تدعو إلى قراءة تشكيل الحكومة الجديدة باعتباره لحظة لاختبار العلاقة بين السياسة والاقتصاد، وبين الأحزاب والمجتمع، وبين الوعود الانتخابية والاختيارات الاستراتيجية. وهو يضع عودة الأصالة والمعاصرة إلى قيادة الحكومة في امتداد تاريخي يعود إلى فكرة إعادة تركيب المجال السياسي، قبل أن يمنحها السياق الحالي معنى اجتماعياً واقتصادياً مختلفاً.

لكن نجاح هذا المسار يظل رهيناً بما ستفعله الحكومة، لا بما ترمز إليه فقط. فالمصالحة مع السياسة لا تتحقق بمجرد تغيير الأغلبية، وإنما عندما يشعر المواطن أن صوته له أثر، وأن المسؤول يفسر قراراته، وأن المؤسسات قادرة على تصحيح أخطائها، وأن التنمية لا تقاس بالأرقام الإجمالية وحدها، بل بما تحدثه من تحسن في شروط العيش وفرص المستقبل.

ومن هنا، فإن السؤال النهائي الذي يفتحه قصوري أمام الحكومة الجديدة والمعارضة والمجتمع معاً هو: هل نحن أمام تغيير في الأشخاص والتحالفات، أم أمام استعداد فعلي لتغيير قواعد اتخاذ القرار العمومي وتوجيه الاقتصاد لخدمة التنمية الاجتماعية؟

الإجابة لن تحسمها التصريحات ولا الشعارات، وإنما ستكتبها السياسات والميزانيات والنتائج، ومدى استعداد الجميع لقبول المحاسبة عندما تكون الوعود أكبر من المنجز.