من «280 ملياراً» إلى «تصريح سياسي».. حين يتغير السؤال بدل أن تأتي الإجابة

0
70

هناك عبارة في كلام محمد المهدي بنسعيد تستحق التوقف أكثر من غيرها.

حين سُئل، بعد تصريح فوزي لقجع عن إنفاق 280 مليار درهم خلال الولاية الحكومية لدعم القدرة الشرائية، عما إذا كان ينبغي فتح تحقيق لمعرفة أين ذهبت هذه الأموال العمومية، لم يدخل بنسعيد في تفاصيل الإنفاق، ولم يناقش مكونات الرقم، ولم يطلب توضيحات إضافية حول مآله. اختار توصيفاً آخر: «تصريح سياسي».

وهنا تبدأ قصة مختلفة عن قصة الـ280 مليار نفسها.

فوزي لقجع، وهو وزير منتدب مكلف بالميزانية وقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، كان قد قال في سياق الدفاع عن مقترح حزبه تخصيص 300 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية، إن الحكومة أنفقت خلال الولاية الحالية 280 مليار درهم لهذا الغرض «بدون فائدة» أو دون تحقيق الأثر المنتظر.

الرقم كبير، لكن الرقم وحده ليس هو القضية.

القضية تبدأ عندما يأتي مسؤول في الحكومة ويقول إن هذا الحجم من المال العمومي أُنفق لتحقيق هدف محدد، ثم يقر في الخطاب السياسي نفسه بأن النتيجة لم تكن في مستوى ما كان منتظراً. عندها يصبح السؤال الطبيعي: ما هي هذه النفقات تحديداً؟ ما هي البرامج التي دخلت فيها؟ من استفاد منها؟ وما الذي جعل أثرها لا يظهر، وفق التقييم الذي قدمه لقجع نفسه؟

هذه أسئلة مالية وإدارية قبل أن تكون انتخابية.

لكن جواب بنسعيد نقل النقاش إلى مكان آخر. فهو اعتبر أن كلام لقجع رسالة سياسية مفادها أن الاستثمارات والإجراءات التي اتخذت في بعض المجالات لم يكن لها التأثير الكافي على حياة المغاربة، واستحضر في هذا السياق دعم اللحوم الحمراء وارتفاع أسعار اللحوم والأضاحي.

أي أن العبارة التي كان يمكن أن تفتح باباً لمناقشة مردودية الإنفاق العمومي جرى التعامل معها باعتبارها جزءاً من الخطاب السياسي.

وهنا تظهر لعبة الكلمات.

فبدل أن يكون السؤال: هل يستدعي تصريح مسؤول حكومي عن 280 مليار درهم لم تحقق الغاية المرجوة افتحاصاً أو توضيحاً رسمياً؟ يصبح السؤال: هل تصريح لقجع مجرد توظيف سياسي؟

والفرق بين السؤالين ليس لغوياً فقط.

الأول يسأل عن المال العام ونتائج السياسات العمومية. والثاني يسأل عن دوافع المتحدث.

يمكن أن يكون تصريح لقجع سياسياً، خصوصاً أنه جاء في سياق الدفاع عن البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، وهذا السياق موثق في تغطية التصريح نفسه. لكن ذلك لا يلغي السؤال الآخر. فالسياسي قد يدلي بتصريح سياسي عن واقعة مالية حقيقية، ولا تتحول الواقعة إلى سياسية فقط لأن توقيتها انتخابي.

ثم إن عبارة «280 مليار درهم» لم تأت من خصم سياسي أو من تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي. الذي قدم الرقم هو مسؤول حكومي يشغل موقعاً له صلة مباشرة بالميزانية. ولهذا فإن قيمة التصريح لا تتحدد فقط بما أراد لقجع أن يقوله انتخابياً، وإنما أيضاً بما يمكن أن يقال للرأي العام عن الأموال التي يتحدث عنها.

واللافت أن الجدل اتخذ اتجاهاً آخر أيضاً. فقد طالب محمد نجيب بوليف بمساءلة الموضوع وربط المسؤولية بالمحاسبة، مستنداً إلى حجم المبلغ وإلى موقع لقجع داخل الحكومة. كما عاد الجدل ليطرح مسألة مسؤولية الحكومة ككل عن تدبير تلك الأموال.

هنا تحديداً يصبح استعمال عبارة «توظيف سياسي» بحاجة إلى شيء من الحذر.

لأن التوظيف السياسي لا يلغي المسؤولية المالية، كما أن وجود بعد انتخابي لا يثبت وحده وجود مخالفة أو هدر للمال العام.

ولا توجد، في التصريحات المتاحة، معطيات كافية للقول إن 280 مليار درهم «هُدرت» بالمعنى القانوني. ما نعرفه هو أن لقجع تحدث عن إنفاق بهذا الحجم لدعم القدرة الشرائية، وقال إن الإنفاق لم يحقق الفائدة المرجوة. أما تحويل ذلك إلى شبهة هدر أو مسؤولية جنائية، فيحتاج إلى معطيات ووثائق وتدقيق لا توفرها التصريحات السياسية وحدها.

وهذا بالضبط ما يجعل السؤال أكثر بساطة وأقل صخباً: إذا كان الرقم صحيحاً، فما هي تفاصيله؟ وإذا كانت النتائج غير كافية، فما تفسير ذلك؟ وإذا كان هناك تقييم رسمي يعتبر أن المال صُرف دون أثر مناسب، فمن الطبيعي أن يعرف المواطن كيف قُدرت هذه النتيجة.

أما الاكتفاء بوصف السؤال بأنه «سياسي»، فيترك أصل السؤال قائماً.

فالانتخابات ستنتهي في 23 شتنبر، لكن الـ280 مليار درهم، إن كانت قد أُنفقت فعلاً بهذا الحجم وفي هذا الإطار، لا تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.

وهذا هو الفارق بين مساءلة سياسية عابرة ومساءلة عمومية يفترض أن تبقى قائمة بعد أن تسكت المنابر الانتخابية.