وزارة الداخلية في مواجهة “الشناقة”: حين يشتعل جدل الأسعار ويُطرح سؤال إصلاح سلاسل الغذاء بالمغرب

0
124

في أوروبا، لا يذهب المواطن إلى السوق وهو خائف من ثمن البصل أو الطماطم. في مدن مثل أمستردام أو بروكسيل أو باريس، لا أحد يتحدث يوميًا عن “الشناقة” لأن الدولة هناك لم تترك الغذاء رهينة للفوضى. لم تكتفِ الحكومات بالتصريحات ولا بإلقاء اللوم على الطقس أو الأسواق أو الوسطاء، بل أعادت بناء منظومة التوزيع بالكامل، من الحقل إلى رفّ المتجر.

هذا هو السؤال الحقيقي الذي كان يجب أن يُطرح بعد حديث وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت: ما هو الحل؟ لأن المواطن لا ينتظر توصيف الأزمة، بل يريد أن يعرف لماذا يشتري الفلاح المغربي البصل بثمن، بينما يشتريه المواطن بثمن مضاعف عشر مرات أحيانًا. ولماذا يبقى المنتج هو الأضعف في السلسلة، بينما يربح الوسيط أكثر من الجميع.

وفي هذا السياق، أقر وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، بأن منظومة أسواق الجملة في المغرب بصيغتها التقليدية الحالية لم تعد قابلة للاستمرار، معتبرا أنها تحولت عبر الزمن إلى فضاء غير منظم ساهم في تغذية المضاربة وخلق بيئة خصبة لانتشار الوسطاء غير المهيكلين، أو ما يُعرف شعبيا بـ“الشناقة”، الذين أصبحوا يشكلون حلقة ضغط مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين. وأوضح الوزير أن هذا المفهوم نفسه لم يكن جزءا من الثقافة التجارية المغربية بعد الاستقلال، بل برز نتيجة تراكم اختلالات بنيوية داخل أسواق الجملة عبر عقود، ما أفرز واقعا اقتصاديا معقدا يتداخل فيه التنظيم بالفراغ الرقابي.

وأضاف لفتيت، خلال اجتماع لجنة الداخلية بمجلس المستشارين، أن الجميع اليوم بات مقتنعا بأن أسواق الجملة بصيغتها الراهنة وصلت إلى “باب مسدود”، وهو ما يستدعي، حسب تعبيره، انتقالا جذريا نحو نموذج جديد أكثر شفافية وتنظيما في قنوات التوزيع. كما شدد على أن الإصلاح المرتقب لن يقوم على إعادة اختراع النموذج من الصفر، بل على استلهام التجارب الدولية الناجحة وتكييفها مع الخصوصيات الوطنية، في إشارة إلى أن الحلول موجودة ومجربة خارجيا لكنها تحتاج إلى إرادة مؤسساتية لتفعيلها.

التقارير الرسمية نفسها تعترف اليوم بأن الوسطاء يسيطرون على تحديد الأسعار داخل أسواق الجملة، وأن الفلاح لا يحصل أحيانًا إلا على 30 إلى 40 بالمائة فقط من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك. وهذا يعني أن الخلل ليس في الإنتاج فقط، بل في الطريق الذي تسلكه السلعة قبل أن تصل إلى المواطن.

في هولندا مثلًا، التي تُعتبر واحدة من أكبر الدول المصدّرة للخضر والفواكه في العالم رغم صغر مساحتها، لم تترك الدولة السوق عشوائيًا. هناك تعاونيات فلاحية ضخمة تبيع مباشرة للمتاجر الكبرى، وهناك بورصات رقمية تحدد الأسعار لحظة بلحظة، كما أن المنتج يُنقل عبر منصات لوجستية مبردة تمنع التلف والاحتكار. الفلاح هناك لا يحتاج إلى خمسة وسطاء حتى يبيع صندوق طماطم، بل يدخل مباشرة إلى شبكة منظمة وشفافة.

وفي بلجيكا، تعتمد الأسواق الحديثة على “المزادات الإلكترونية”، حيث يُعرض المنتوج بشكل مباشر أمام المشترين المعتمدين، وتكون الأسعار معلنة للجميع. لا أحد يستطيع إخفاء السلع أو خلق ندرة وهمية لرفع الأسعار. أما في فرنسا، فقد دعمت الدولة بقوة الأسواق القصيرة، أي البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، عبر متاجر محلية وتعاونيات وأسواق أسبوعية منظمة، إضافة إلى مراقبة صارمة لهوامش الربح داخل سلاسل التوزيع الكبرى.

هنا بالتحديد تبدأ الصحافة في لعب دورها الحقيقي: ليس فقط نقل تصريحات المسؤولين، بل اقتراح الحلول ومقارنة التجارب وكشف الفارق بين ما يحدث هنا وما يحدث هناك.

لأن المشكلة في المغرب ليست أن البصل نادر، بل أن الطريق بين الضيعة والمواطن تحوّل إلى متاهة. المنتج يخرج بثمن، ثم يدخل سوق الجملة، ثم نصف الجملة، ثم الوسطاء، ثم النقل، ثم التخزين، ثم المضاربة، قبل أن يصل إلى المستهلك منهكًا بسلسلة طويلة من الأرباح الصغيرة التي تتحول في النهاية إلى كارثة على القدرة الشرائية.

ولهذا، إذا كانت الدولة تريد فعلًا إنهاء “فوضى الشناقة”، فإن ما ورد في تصريح وزير الداخلية نفسه يفتح الباب أمام تصور إصلاحي أوسع، يقوم على الانتقال نحو أسواق جملة حديثة، شفافة، ومهيكلة، تكون فيها هوية البائع والمشتري واضحة، مع تقليص عدد الوسطاء الذين يمر عبرهم المنتوج بشكل مفرط.

لكن إلى جانب هذا التوجه الرسمي، تظل الحاجة ملحة إلى حلول عملية أكثر جرأة، مطبقة في الدول المتقدمة، يمكن تلخيصها في خمس نقاط أساسية:

أولًا، إنشاء منصات رقمية وطنية للأسعار تُظهر يوميًا وبالشفافية الكاملة ثمن البيع الحقيقي من الفلاح إلى المستهلك، حتى يعرف المواطن من يربح ومن يضارب.

ثانيًا، تقليص عدد الوسطاء قانونيًا، بحيث لا تمر السلعة إلا عبر حلقة أو حلقتين مراقبتين بدل خمس أو ست حلقات كما هو الحال اليوم.

ثالثًا، بناء أسواق جملة عصرية مرتبطة بالتبريد والنقل السريع والرقمنة، بدل الأسواق التقليدية التي تحولت، باعتراف المؤسسات نفسها، إلى فضاءات للفوضى والاحتكار.

رابعًا، دعم التعاونيات الفلاحية حتى تتمكن من البيع المباشر للمساحات التجارية الكبرى والمطاعم والفنادق دون المرور عبر السماسرة.

خامسًا، فرض مراقبة صارمة على هوامش الربح، لأن السوق الحر لا يعني ترك المواطن فريسة للمضاربة.

المفارقة أن المغرب بلد فلاحي، ويملك إنتاجًا ضخمًا من الخضر والفواكه، ومع ذلك يعيش المواطن قلقًا يوميًا أمام أسعار كان يُفترض أن تكون في متناول الجميع. هنا يتحول السؤال من الاقتصاد إلى السياسة الاجتماعية نفسها: كيف يمكن لدولة تصدّر آلاف الأطنان من الخضر أن يعجز جزء من شعبها عن شراء أبسط المواد الأساسية؟

في النهاية، قد يمرّ القانون الجديد في البرلمان، وقد تتغير أسماء الأسواق والوسطاء، لكن الأزمة الحقيقية لن تنتهي إلا عندما يشعر المواطن أن الدولة تحمي جيبه كما تحمي التوازنات الاقتصادية. لأن معركة الغذاء اليوم لم تعد مجرد قضية أسواق، بل أصبحت قضية كرامة اجتماعية، وثقة بين المواطن والدولة، وسؤالًا كبيرًا حول من يتحكم فعلًا في قوت المغاربة.