جدل في مدريد: الحزب الشعبي الإسباني يتهم الحكومة بتفضيل مشاريع المغرب على أولويات الإسبان

0
105

في لحظة سياسية حساسة داخل مدريد، فجّر الحزب الشعبي الإسباني نقاشاً حاداً تحت قبة البرلمان بعد توجيه استثمارات إسبانية نحو مشاريع المياه والطاقة في المغرب، في وقت تؤكد فيه المعارضة أن الداخل الإسباني يعاني خصاصاً واضحاً في البنيات التحتية نفسها. الهجوم لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً بامتياز، إذ تحوّل ملف التعاون الاقتصادي مع الرباط إلى أداة مساءلة مباشرة لحكومة بيدرو سانشيز بشأن أولوياتها الاستراتيجية.

زعيم الهجوم داخل مجلس الشيوخ، السيناتور أنطونيو لوينغو ثاباتا عن الحزب الشعبي الإسباني، وجّه انتقادات حادة إلى وزيرة الانتقال البيئي والتحدي الديموغرافي، معتبراً أن ضخ أموال في مشاريع مائية وطاقية بالمغرب بينما لا تزال مناطق إسبانية تعاني من هشاشة في شبكات المياه وصيانة السدود، يمثل “اختلالاً في ترتيب الأولويات”. السؤال الذي طرحه داخل الجلسة لم يكن تقنياً بقدر ما كان شعبوياً مباشراً: كيف يمكن تبرير الاستثمار خارج الحدود في ظل استمرار أعطاب داخلية لم تُحل بعد؟

المعارضة ذهبت أبعد من مجرد انتقاد توزيع الاستثمارات، إذ اتهمت الحكومة بأنها أدخلت النظام الطاقي الإسباني في حالة ارتباك، مشيرة إلى أزمات وانقطاعات سابقة للكهرباء، واعتبرت أن أي انخراط خارجي في مشاريع استراتيجية يجب أن يسبقه تحصين الجبهة الداخلية. هذا الطرح يعكس تحوّل ملف الطاقة والمياه من قضايا تقنية إلى أدوات صراع سياسي، خاصة في سياق أوروبي يتسم بارتفاع كلفة الطاقة وضغوط التحول البيئي.

غير أن القراءة الأعمق تكشف أن الجدل يتجاوز سؤال “أين تُصرف الأموال؟” إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة العلاقة الجديدة بين مدريد والرباط. فمنذ إعادة تموضع السياسة الإسبانية تجاه المغرب، اختارت حكومة سانشيز الدفع نحو شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل الأمن والهجرة والطاقة والربط اللوجستي. وبالتالي، فإن جزءاً من هذه الاستثمارات يُفهم في إطار ترابط اقتصادي إقليمي، حيث ترى الحكومة أن دعم مشاريع البنية التحتية في الضفة الجنوبية يعزز الاستقرار وسلاسل التوريد وفرص الاستثمار المتبادل.

في المقابل، يوظف الحزب الشعبي هذا الملف ضمن معركته الأوسع لإضعاف صورة الحكومة، خصوصاً في ظل احتدام الاستقطاب السياسي الداخلي. التلميح الذي صدر خلال النقاش البرلماني إلى قضية برنامج “بيغاسوس” لم يكن معزولاً، بل يعكس محاولة لربط السياسات الخارجية للحكومة بشبهات سابقة طالت مؤسسات الدولة، بهدف تأطير الموضوع داخل سردية “تنازلات غير مبررة” في العلاقة مع المغرب.

اقتصادياً، لا يمكن فصل الاستثمارات الإسبانية في المغرب عن منطق الشركات متعددة الجنسيات والمصالح الطاقية المشتركة، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة والربط الكهربائي وإدارة الموارد المائية. فإسبانيا، بوصفها بوابة أوروبية نحو أفريقيا، تنظر إلى المغرب كشريك استراتيجي في التحول الأخضر وسلاسل القيمة الصناعية، بينما ترى المعارضة أن هذا التوجه يجب ألا يتم على حساب مشاريع داخلية تعتبرها أولوية اجتماعية.

المحصلة أن الجدل القائم داخل البرلمان الإسباني ليس مجرد خلاف حول أرقام استثمارية، بل هو تعبير عن صراع رؤى: رؤية حكومية تعتبر أن تعزيز الشراكات الإقليمية جزء من تقوية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد، ورؤية معارضة ترى أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون لتدعيم البنية التحتية داخل إسبانيا قبل أي انخراط خارجي. وبين هذين المنظورين، يتحول المغرب مرة أخرى إلى محور نقاش داخلي إسباني يعكس حساسية العلاقة بين الجغرافيا السياسية والحسابات الانتخابية.