أسعار المحروقات تحت المجهر: بين نفي الاحتكار في تصريحات الوزيرة فتاح ومقاربات مجلس المنافسة… من يضبط فعلياً كلفة العيش في المغرب؟

0
130

في لحظة تتقاطع فيها النقاشات الاقتصادية مع حساسية القدرة الشرائية للمغاربة، عادت تصريحات وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي أمام البرلمان لتضع ملف المحروقات في قلب الجدل العمومي من جديد، ليس فقط باعتباره ملفًا تقنيًا مرتبطًا بالأسعار، بل كمرآة تعكس توازنات السوق، وحدود المنافسة، وأثر السياسات العمومية على الحياة اليومية.

الوزيرة، في مداخلتها، قدّمت سردًا يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: أولها نفي وجود احتكار في سوق المحروقات، وثانيها التأكيد على أن الأسعار مرتبطة بعوامل دولية خارجة عن الإرادة الوطنية، وثالثها الإشارة إلى أن الدولة لا تتعامل مع الملف بمنطق تقني صرف، بل بمنظور “اجتماعي” يوازن بين الكلفة والقرار السياسي، حتى وإن كان ذلك يكلّف ميزانية الدولة أزيد من مليار و600 مليون درهم شهريًا.

لكن خلف هذا التصور الرسمي، يظل السؤال مفتوحًا: هل يكفي منطق تعدد الفاعلين في السوق (عشر شركات حسب التصريح الحكومي) لنفي فكرة “التركيز الاقتصادي”؟ أم أن جوهر النقاش أعمق من عدد الفاعلين، ومرتبط بطريقة تشكل الأسعار وهوامش الأرباح وآليات الضبط؟

هنا تحديدًا يبرز التوتر الصامت بين الخطاب الحكومي وما تثيره تقارير مجلس المنافسة في أكثر من محطة سابقة، والتي لم تُبنِ خلاصاتها على “عدد الشركات” بقدر ما ركزت على طبيعة بنية السوق بعد تحرير الأسعار، وعلى مؤشرات التماثل في هوامش الربح، وعلى محدودية تأثير المنافسة الفعلية على الأسعار النهائية للمستهلك. وهو ما يجعل النقاش أقل بساطة مما يبدو في التبرير السياسي المباشر.

فالتحرير الذي تم قبل أكثر من عقد، كما تشير إليه التصريحات الحكومية نفسها، لم يُنتج سوقًا تنافسية بالكامل بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما نقل مركز الثقل من “تنظيم الأسعار” إلى “تنظيم السوق”، وهو انتقال لا يزال يثير أسئلة معلّقة: من يحدد الإيقاع الحقيقي للأسعار؟ السوق العالمية فقط، أم أيضًا البنية الداخلية للتوزيع والتخزين والتسعير؟

في موازاة ذلك، تُحاول الحكومة تقديم مقاربة تعتبر أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا (بين 40 و65 في المائة كما ورد) هو العامل الحاسم، وأن الدعم الذي تتحمله الميزانية العامة يهدف إلى امتصاص الصدمة الاجتماعية. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته الجزئية، يفتح زاوية أخرى للنقاش: إلى أي حد يمكن للاقتصاد الوطني أن يظل رهينًا لتقلبات خارجية دون آليات داخلية أكثر صلابة لتخفيف الصدمات؟

الأثر لا يتوقف عند الأرقام الكبرى، بل يمتد إلى سلاسل دقيقة تمس النقل، والمواد الغذائية، وكلفة الخدمات، وبالتالي القدرة الشرائية للمواطن. وهنا تتحول المعادلة من “سوق محروقات” إلى “منظومة عيش يومي”.

في سياق آخر، حاولت الوزيرة توسيع زاوية النقاش نحو الرؤية الاستراتيجية، عبر التركيز على الانتقال الطاقي والاستثمار في الطاقات المتجددة بدل التوسع في التكرير. وهي مقاربة تنسجم مع التحولات العالمية، لكنها تطرح بدورها سؤال المرحلة الانتقالية: كيف تُدار كلفة اليوم في انتظار اقتصاد طاقي مختلف غدًا؟

أما في ما يتعلق بملف العقار العمومي، فقد قدّمت الوزيرة صورة توسعية لرصيد الدولة، معتبرة أنه انتقل من 3 ملايين هكتار إلى نحو 12 مليونًا، في إطار تعبئة عقارية موجهة للتنمية والاستثمار. غير أن هذا المعطى، رغم أهميته، يعيد بدوره طرح سؤال الحكامة: كيف يُستثمر هذا الرصيد؟ ولمن؟ وبأي أثر اجتماعي ومجالي؟

وفي خلفية كل هذه الملفات، يظهر خيط ناظم واحد: التحول من منطق “التدبير الإداري” إلى منطق “الحكامة الاقتصادية الشاملة”، حيث لم يعد النقاش يدور فقط حول صحة الأرقام، بل حول أثر السياسات على التوازن الاجتماعي.

إن الإشكال الحقيقي، كما تكشفه تقاطعات الخطاب الحكومي مع قراءات مؤسسات الحكامة الاقتصادية، ليس في وجود أو غياب احتكار بمعناه التقليدي، بل في طبيعة السوق بعد التحرير: هل هي سوق تنافسية فعلًا أم سوق تتقاطع فيها الحرية مع تركيزات ناعمة لا تظهر في الشكل لكنها تُدرك في الأثر؟

وفي انتظار أجوبة أكثر تفصيلًا من المؤسسات الرقابية والتقارير القطاعية، يبقى المواطن هو نقطة الارتكاز الأهم في هذه المعادلة، لأنه في النهاية لا يتعامل مع “عدد الشركات”، بل مع سعر ينعكس مباشرة على حياته اليومية.