في الندوة الأسبوعية التي تعقب اجتماعات مجلس الحكومة كل خميس، لا يكتفي الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، بتقديم حصيلة رقمية أو روتينية للسياسات العمومية، بل يعكس من خلالها رؤية مؤسساتية رسمية تجاه قضايا اجتماعية مركزية: التعليم، الأجور، دعم المواد الأساسية، وأسئلة الثقة في الجهاز التنفيذي للدولة.
بايتاس، الذي يشغل كذلك منصب الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، منذ أكتوبر 2021، يُعدّ من أبرز الأصوات الحكومية التي تسعى إلى ترجمة السياسات العمومية إلى خطاب مفهوم للرأي العام، مع التركيز على إبراز مفهوم “الدولة الاجتماعية” كخيار سياسي واستراتيجي.
التعليم: استراتيجية معلنة بين الطموح وحدود التنفيذ
أعلن بايتاس أن الحكومة جعلت إصلاح المنظومة التربوية خيارًا استراتيجيًا لا يمكن فصله عن الإصلاح الاجتماعي، مستندًا إلى قناعة مفادها أن جودة التعليم هي المدخل الحقيقي للتنمية. وقد قدّم هذا التوجه باعتباره مسارًا عمليًا تُرجم عبر مراجعة البرامج، وتحسين أوضاع الموارد البشرية، وتعبئة اعتمادات مالية مهمة.
وتدعم هذا الطرح أرقام لافتة: إحداث 90 ألف منصب مالي بين 2021 و2025، وترقية أكثر من 108 آلاف موظف، إلى جانب إدماج العاملين في قطاع التعليم ضمن الوظيفة العمومية، وإحداث الدرجة الممتازة لفئات ظلت لسنوات خارج آفاق الترقي.
غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، تفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل تعكس هذه الدينامية تحسنًا فعليًا في جودة التعليم، أم أنها تظل في حدود إعادة ترتيب الموارد دون مساس عميق بجوهر الأزمة التربوية؟
ميزانية قياسية… أم رهان على قوة الأرقام؟
أبرز الناطق الرسمي أن ميزانية التعليم قاربت 100 مليار درهم، في مؤشر اعتبره دليلاً على التزام الحكومة بجعل القطاع أولوية وطنية.
لكن القراءة التحليلية لا تتوقف عند حجم الميزانية، بل تمتد إلى كيفية صرفها وأثرها الحقيقي. فالتحدي لم يعد فقط في تعبئة الموارد، بل في تحويلها إلى نتائج ملموسة داخل الفصول الدراسية، سواء من حيث جودة التعلمات أو تحسين ظروف اشتغال المدرسين.
وهنا، يظهر التباين بين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بالأرقام، والانطباعات الميدانية التي لا تزال تطرح أسئلة حول الاكتظاظ، وتفاوت البنيات التحتية، ومستوى التحصيل.
المدرس في قلب الخطاب… هل هو في قلب الإصلاح؟
في سياق متصل، شدد بايتاس على أهمية “منتدى المدرس” باعتباره محطة للاعتراف بمجهودات الأساتذة وفتح نقاش جماعي حول تطوير المنظومة التربوية.
غير أن هذا التقدير الرمزي، رغم أهميته، يطرح بدوره سؤال الأثر: إلى أي حد يمكن لمثل هذه المبادرات أن تتحول إلى سياسات عمومية مستدامة تُحسن فعليًا من وضعية المدرس المهنية والاجتماعية؟
دعم النقل: حماية ظرفية أم سياسة اجتماعية مستدامة؟
في امتداد للسياسات الاجتماعية، دافع بايتاس عن دعم النقل باعتباره إجراءً ضرورياً في سياق دولي متسم بارتفاع أسعار الطاقة. وأكد أن الهدف هو الحفاظ على استقرار أسعار النقل وحماية القدرة الشرائية، مشيرًا إلى تسجيل أكثر من 67 ألف طلب يشمل نحو 95 ألف مركبة إلى غاية 25 مارس 2026.
هذا المعطى يعكس حجم الطلب على الدعم، لكنه يكشف في الآن ذاته عن هشاشة التوازنات الاقتصادية التي تجعل من تدخل الدولة ضرورة لتفادي انعكاسات السوق الدولية على المواطن.
بين الإصلاح المعلن واحتجاج الواقع: كيف قرأت النقابات والمجتمع هذه الحصيلة؟
غير أن هذا البناء الخطابي الذي يقدمه بايتاس، والمشحون بلغة الأرقام والإنجازات، لا يمر دون مساءلة من طرف الفاعلين التربويين والنقابيين، الذين يرون أن ما يُقدَّم كـ“إصلاح عميق” لا يعكس بالكامل التوترات التي عرفها القطاع خلال الولاية الحكومية.
فقد شهدت الساحة التعليمية موجات احتجاج وإضرابات قادتها تنسيقيات ونقابات، اعتبرت أن ملف النظام الأساسي لموظفي التعليم لم يُحسم بشكل توافقي، وأن الزيادات في الأجور، رغم أهميتها، لا تعكس حجم الضغط المهني وتدهور ظروف العمل، خاصة في ظل الاكتظاظ وتفاوت الإمكانيات بين المؤسسات.
كما أن إدماج فئات واسعة في الوظيفة العمومية، الذي تقدمه الحكومة كإنجاز، يُقابل بقراءة أخرى ترى فيه تسوية متأخرة أكثر منه إصلاحًا بنيويًا، ما يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الإصلاح: هل هو استباقي يؤسس لتحول عميق، أم تفاعلي يأتي لاحتواء الأزمات بعد تفاقمها؟
وفي هذا السياق، لا ينفصل النقاش حول التعليم عن باقي السياسات الاجتماعية، ومنها دعم النقل، الذي يُنظر إليه من طرف بعض المتتبعين كحل ظرفي يخفف الضغط دون معالجة جذور الأزمة المرتبطة بكلفة المعيشة وسوق الطاقة.
وبين خطاب رسمي يؤكد ترسيخ “الدولة الاجتماعية”، وانتظارات مجتمعية تبحث عن أثر ملموس في الحياة اليومية، تتسع مساحة الشك والتساؤل.
خاتمة: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم إدارة للأزمة؟
تصريحات بايتاس تقدم صورة متماسكة لحكومة تسعى إلى تثبيت مشروع “الدولة الاجتماعية” عبر أرقام وقرارات ملموسة. غير أن التحليل الأعمق يكشف أن التحدي لا يكمن فقط في حجم ما أُنجز، بل في طبيعة هذا الإنجاز وحدوده الزمنية وتأثيره الحقيقي على المواطن.
فبين منطق الإصلاح المعلن، ومنطق الواقع الذي يفرض إيقاعه الخاص، يظل السؤال مفتوحًا: هل ما يحدث هو تحول تدريجي في بنية الدولة الاجتماعية، أم مجرد إدارة ذكية لتوازنات أزمة مستمرة؟