في المغرب، لم يعد المواطن يحتاج إلى قراءة تقارير المؤسسات الدولية كي يفهم معنى الهشاشة… يكفيه أن يدخل إلى السوق. هناك، أمام أسعار الطماطم والزيت والحليب واللحم، يكتشف الناس يوميًا أن جيوبهم أضعف من كل الخطابات الرسمية، وأن القدرة الشرائية أصبحت مثل شمعة صغيرة تقاوم رياحًا لا تهدأ. وبينما تنشغل الأسر بمحاولة تدبير ما تبقى من الشهر، يخرج وزير الميزانية فوزي لقجع ليعلن أن الحكومة صرفت أكثر من 59 مليار درهم لفائدة الأسر الهشة منذ نهاية سنة 2023، في إطار نظام الدعم الاجتماعي المباشر. رقم ضخم إلى درجة تجعل المواطن يتساءل تلقائيًا: إذا كانت كل هذه المليارات قد صُرفت فعلًا لمحاربة الهشاشة… فلماذا لا تزال الهشاشة حاضرة في كل بيت تقريبًا؟
المفارقة هنا ليست في الرقم، بل في الواقع الذي يعاند الأرقام. فالدولة تتحدث عن ورش اجتماعي استراتيجي يغطي حوالي 43 في المائة من الأسر المغربية، وعن تحويلات مالية شهرية تتراوح بين 500 و1425 درهمًا، وعن مواكبة اجتماعية ومسارات للإدماج الاقتصادي، بينما تتحدث الحياة اليومية بلغة أخرى أكثر قسوة. فالأسر التي تتلقى الدعم لا تزال عاجزة عن مواجهة الغلاء، والطبقة المتوسطة تنزلق تدريجيًا نحو الهشاشة، والشباب العاطل لا يرى في هذه البرامج سوى محاولة لتخفيف الألم لا لعلاج أسبابه. وكأن الدولة تعالج أعراض الأزمة بدل جذورها.
اللافت في خطاب الحكومة أنها لم تعد تقدم الدعم الاجتماعي باعتباره مجرد تحويلات مالية، بل باعتباره مشروعًا لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفئات الفقيرة. الحديث عن “سياسة القرب”، و”المواكبين الاجتماعيين”، و”الإدماج الاقتصادي”، يكشف أن الدولة انتقلت من منطق الإعانة الظرفية إلى بناء جهاز اجتماعي دائم يتتبع الأسر ويواكبها ويقيم سلوكها الاجتماعي والتربوي والصحي. وهنا يطرح سؤال حساس نفسه: هل نحن أمام مشروع لتحرير الأسر من الفقر… أم أمام إدارة مؤسساتية للهشاشة؟
لأن المشكلة في المغرب لم تكن يومًا فقط نقص المال داخل الأسر، بل غياب نموذج اقتصادي قادر على إنتاج الثروة بشكل عادل. الدعم المالي قد يمنع الانفجار الاجتماعي مؤقتًا، لكنه لا يخلق فرص عمل حقيقية، ولا يعيد التوازن بين الأجور والأسعار، ولا يوقف تآكل الطبقة الوسطى، ولا يعالج الفوارق المجالية بين المغرب النافع والمغرب المنسي. لذلك تبدو الأرقام أحيانًا ضخمة في التقارير، لكنها صغيرة جدًا أمام اتساع الفقر غير المعلن.
الأخطر أن اتساع قاعدة المستفيدين نفسها يحمل دلالة مزدوجة. الحكومة تعتبر أن وصول الدعم إلى ملايين الأسر دليل على نجاح الورش الاجتماعي وشموليته، لكن قراءة أخرى قد ترى فيه مؤشرًا على اتساع دائرة الهشاشة داخل المجتمع. فحين يصبح ما يقارب نصف المجتمع محتاجًا إلى دعم مباشر كي يواجه تكاليف الحياة، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بفعالية برنامج اجتماعي، بل بسلامة النموذج الاقتصادي والاجتماعي برمته.
في العمق، لا يبدو أن المغاربة يطالبون بالمستحيل. أغلبهم لا ينتظر ثروة مفاجئة ولا امتيازات خيالية، بل فقط قدرة طبيعية على العيش بكرامة دون الحاجة إلى انتظار تحويل مالي آخر الشهر. وهذا تحديدًا ما يجعل النقاش حول الدعم الاجتماعي أكبر من مجرد أرقام تُعلن داخل البرلمان أو بلاغات حكومية تتحدث عن المليارات. لأنه نقاش يتعلق بصورة الدولة نفسها: هل تريد بناء مواطن مستقل اقتصاديًا، أم مواطنًا مرتبطًا بشكل دائم بمنظومة الدعم؟
لهذا تبدو العبارة الساخرة التي تتداولها مواقع التواصل أكثر عمقًا مما تبدو عليه ظاهريًا: “الأسر الهشة قبل المليارات: هشّة… وبعد المليارات: هشّة”. فالفرق الحقيقي الذي يشعر به كثيرون ليس اختفاء الهشاشة، بل تحولها إلى حالة مزمنة يجري تدبيرها إداريًا وماليًا. وكأن الدولة لم تعد تسعى إلى إنهاء الفقر بقدر ما تسعى إلى جعله قابلًا للتحمل.
وربما هنا يكمن السؤال الأخطر الذي يطارد المغاربة بصمت: إذا كانت عشرات المليارات لم تستطع حتى الآن إخراج الأسر من دائرة الهشاشة، فهل المشكلة فعلًا في ضعف الدعم… أم في نموذج اقتصادي كامل ينتج الهشاشة أسرع مما تنتجه الدولة من مساعدات؟