76 مليار درهم من الدعم العمومي: حين تُدار الثروة العامة بين وعود ضبط الأسعار وواقعٍ يكشف فجوةً عميقة بين المال العمومي والقدرة الشرائية للمواطنين

0
109

في لحظة تتقاطع فيها الأرقام مع السياسة، ويصبح فيها “الدعم العمومي” مرآةً لأسئلة أكبر من مجرد الميزانيات، يطفو إلى السطح تحقيق صحافي يعيد فتح النقاش حول طريقة توزيع الثروة العامة، وحدود الفاصل بين ما هو اقتصادي وما هو نفوذ سياسي داخل دوائر القرار.

الصحافي يوسف الحيرش، خلال حديثه في برنامج “من الرباط” على منصة “صوت المغرب”، قدّم قراءة رقمية وسياسية لما وصفه بمعطيات صادمة حول حجم الدعم العمومي الموجه لقطاعات حيوية، خصوصاً في المجال الفلاحي، مؤكداً أن ما يقارب 76 مليار درهم جرى توجيهها عبر قنوات متعددة، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على أسعار السوق أو القدرة الشرائية للمواطنين. وهي أرقام تُطرح هنا بوصفها خلاصات تحقيق صحافي، لا كمعطيات رسمية محسومة، لكنها تفتح باباً واسعاً لإعادة مساءلة السياسات العمومية في واحدة من أكثر الملفات حساسية.

هذا الرقم المركب، بحسب ما عرضه الحيرش، لا يشير إلى كتلة مالية واحدة، بل إلى تداخل بين ثلاث دوائر رئيسية: كلفة تعليق الرسوم الجمركية على استيراد الأبقار والأغنام، والإعفاءات المرتبطة باستيراد الحبوب، ثم الدعم المباشر الموجه للأعلاف والنقل وبعض التدخلات الاجتماعية المرتبطة بالمواسم الفلاحية. هذا التشابك بين أدوات الدعم، يجعل من الصعب على المواطن العادي تتبع مسار المال العام، ويطرح سؤال الشفافية في السياسات الاقتصادية التي تُبنى غالباً على قرارات سريعة في لحظات ضغط السوق.

في قلب هذا النقاش، تبرز مسألة تعليق الرسوم الجمركية، والتي قدّرها التحقيق بنحو 28.7 مليار درهم. هذه الخطوة، التي تم تبريرها في سياق مواجهة ارتفاع الأسعار وضمان وفرة العرض في السوق، وُصفت بأنها محاولة لـ“تليين السوق” عبر فتح باب الاستيراد. غير أن الإشكال الذي يطرحه التحقيق لا يتعلق فقط بالقرار نفسه، بل بمدى تحقق الهدف المعلن منه: هل انعكس فعلاً على أسعار البيع للمستهلك النهائي، أم أن أثره توقف عند مستوى الوسطاء وسلاسل الاستيراد؟

المعطى نفسه يتكرر في ملف الحبوب، حيث قدّر التحقيق خسائر الإعفاءات الجمركية بما يقارب 21 مليار درهم منذ بداية الولاية الحكومية الحالية. هنا، لا يعود النقاش تقنياً فقط، بل يتخذ بعداً بنيوياً مرتبطاً بهيكل سوق الحبوب، وعلاقته بعدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، وسط تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين السياسة العمومية وشبكات الاستيراد الكبرى التي تتحكم في جزء مهم من الأمن الغذائي.

أما في الشق الثالث، المتعلق بالدعم المباشر، والذي يُقدَّر بحوالي 26.1 مليار درهم، فيُطرح سؤال آخر أكثر تعقيداً: هل يكفي ضخ الأموال لضبط الأسعار دون إعادة النظر في آليات التتبع والمراقبة وربط الدعم بالنتائج؟ فوفق ما ورد في التصريحات، فإن جزءاً من هذا الدعم وُجّه للأعلاف والحفاظ على القطيع، دون أن يؤدي ذلك إلى انخفاض مستدام في أسعار اللحوم الحمراء أو الأضاحي، ما يفتح نقاشاً حول فعالية نموذج الدعم المباشر في حد ذاته.

من زاوية أعمق، يتجاوز النقاش حدود الأرقام ليصل إلى سؤال العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. فحين تتقاطع شبكات الإنتاج والتوزيع مع الفاعلين السياسيين أو مع دوائر النفوذ الاقتصادي، يصبح من الصعب الفصل بين القرار العمومي ومصالح السوق. وهنا تحديداً، يكتسب النقاش حساسيته، لأنه لا يتعلق فقط بمن يستفيد من الدعم، بل بكيفية بناء منظومة اقتصادية قادرة على تحقيق التوازن بين حماية القدرة الشرائية وضمان عدالة توزيع الموارد.

في الخلفية، يظهر المواطن باعتباره الحلقة الأكثر تأثراً، والأقل قدرة على تتبع مسارات هذه التحويلات المالية المعقدة. فبين قرارات تُتخذ بسرعة لمواجهة تقلبات السوق، وواقع معيشي لا يعكس دائماً أثر تلك القرارات، تتسع الهوة بين السياسة العمومية وانعكاساتها اليومية، وهي هوة تجعل من سؤال “أين يذهب الدعم العمومي؟” سؤالاً مركزياً في النقاش العمومي المغربي.

وفي النهاية، لا يترك هذا النوع من الملفات القارئ أمام إجابة نهائية بقدر ما يضعه أمام مفارقة واضحة: دولة تضخ مليارات من أجل ضبط السوق، وسوق لا يستجيب دائماً بنفس الإيقاع، وبينهما مواطن يبحث عن أثر ملموس في سعر الخبز، واللحم، والعيش اليومي.

سؤال واحد يظل معلقاً فوق كل الأرقام: هل المشكلة في حجم الدعم، أم في طريقة هندسة أثره؟